2020-09-12

المطلوب الغضب أم إعادة التوازن!

| جهاد حرب

تظهر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك تصريحات السياسيين حنق الفلسطينيين وغضبهم من جامعة الدول العربية إثر إسقاط الطلب الفلسطيني الخاص بإدانة التطبيع الإماراتي أو الاتفاق المنوي توقيعه في الأيام القادمة بينها وبين الحكومة الإسرائيلية الاستعمارية.

إن الغضب الشعبي بطبيعته مشروع وهو شعور بتخلي العرب عن قراراتهم وعن نصرتهم له، واضعاف للجانب الفلسطيني في عملية المواجهة مع الاحتلال بإفقادهم أحد "الأسلحة" التي راهنوا عليها أو بالأحرى أحد نقاط المساومة "منع التطبيع" في أي مفاوضات مع الحكومة الاستعمارية.

في المقابل فإن غضب السياسيين غير مشروع لما آلت إليه حال قرارات مجالس الجامعة العربية؛ هؤلاء السياسيون راهنوا على الحكام دون المحكومين، وبعضهم رهنوا فلسطين بقضيتها في أتون محاور إقليمية لا هم لها سوى مصالح الدول الكبرى فيها، فيما الفلسطينيون يدفعون ثمن الرهان والمراهنة ذاتها؛ حيث أبدى السياسيون أهمية بالغة للعلاقة مع المؤسسة العربية الرسمية "أنظمة الحكم" واقتصارها في غالب الأحيان على الحزب الحاكم فيها حتى أنهم لم يستفيدوا من فرصة التحول التي خلقها الربيع العربي. 

إن التخلي عن العمل في صفوف الجبهة العريضة "الامة العربية" كما تشير وثائق التنظيمات والفصائل الفلسطينية، أي غياب العمل في العمق العربي بين الشعوب وقواها الاجتماعية الحية، أدى إلى تراجع العلاقة مع القوى الاجتماعية والسياسية؛ كالاتحادات الشعبية والمهنية وأحزاب المعارضة، السند الأساسي للقضية الفلسطينية. إن تخلي التنظيمات والفصائل الفلسطينية عن طبيعتها كحركة تحرر تسعى نحو الحرية وتناصر المضطهدين وأفقدها قوة الضغط "الردع" على هذه الأنظمة، والقدرة على التأثير في قراراتها وأعمالها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

في ظني، وعلى خلاف ما يذهب إليه الغاضبون اليوم، أن القضية الفلسطينية ما زالت تحظى بتضامن جماهيري واسع، وما زالت تشكل القضية المركزية في الوعي العربي الشعبي هذا الامر، بالمطلق، لا يقلل من تأثير الاهتمامات اليومية للجماهير العربية من المحيط إلى الخليج كتحسين الوضع الاقتصادي وسيادة القانون والانتقال الديمقراطي.

إن الموازنة بين العلاقة مع الشعوب العربية والانظمة الحاكمة تعد مسألة مركزية للفلسطينيين في إعادة الاعتبار لنقاط القوة بيدهم. إن العودة للجذور او التحالفات الأساسية تتطلب تفكيرا سويا وحكمة لا الغضب والتسرع في رد الفعل، بل إدراكا واقعيا وعمليا "براغماتي" لأهمية المزاوجة بين تمتين العلاقات مع القوى الشعبية العربية سواء كانت أحزاب أو نقابات أو مؤسسات مجتمع مدني وتوطيد العلاقات مع الأنظمة العربية لاستمرار التأثير على الواقع العربي.

مما لا شك فيه أن تصليب الجبهة الداخلية للفلسطينيين باستعادة الوحدة الوطنية تعد عنصر القوة الرئيسي للتصدي لحالة الانهيار العربي وتخلي بعض الأنظمة العربية والهرولة نحو التطبيع، وتغول الاستعمار الكولونيالي الإسرائيلي ومواجهة السياسات الأمريكية في المنطقة. في ظني أن المدخل لإنهاء الانقسام يتمثل بإجراء الانتخابات العامة؛ حجز الزاوية في توحيد المؤسسات، وفي شرعية التمثيل.