2020-09-16

قاوم لتنتصر

سمير دياب

في أيلول من العام 1982 دخلت الامبريالية الاميركية في تنفيذ المرحلة الأخيرة من خطة ضرب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عبر إرسال مبعوثها فيليب حبيب لترتيب مغادرة قوات الثورة الفلسطينية عبر البحر كشرط لوقف جحيم الموت برا وبحرا وجوا وفك الحصار الصهيوني عن العاصمة بيروت بعد صمود دام  أكثر من ثلاثة أشهر.

تجرعت الثورة الفلسطينية الكأس المر، وغادرت بعيدا عن فلسطين. إعتقد الأميركي والصهيوني أن المهمة نجحت، وباتت بيروت مشرعة دون ألغام ومقاومة.. فأفرغ العدو الصهيوني وعملائه باقي حقدهم ووحشيتهم على الشعبين الفلسطيني واللبناني داخل مخيمي صبرا وشاتيلا وإرتكاب مجزرة العصر بحق الالاف الضحايا الأبرياء العزل في منتصف أيلول، إنتقاماً من صمود بيروت وأهلها وقواها الوطنية، وإرهاباً لبث الرعب في نفوس المقاومين.

لم يعتقد هذا العدو المحتل أن السادس عشر من أيلول سيكون يوماً مفصلياً في تاريخ لبنان. فقَد حَمل هذا اليوم بياناً بكلمات ثورية قليلة ، تضمن دعوة لقيام "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" لمواجهة ومقارعة  المحتل الصهيوني، دفاعاً عن شرف الوطن، وكسراً للقيد، ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم.

لم يكن سلاح المقاومة الوطنية يضاهي عتاد القوة العسكرية للمحتل الصهيوني، لكنه كان أقوى منه لامتلاكه الإرادة القوية والاحتضان الجماهيري.

وبدأت خطوة الالف ميل نحو التحرير بعمليات نوعية للمقاومين الأبطال في شوارع وأزقة بيروت. وقد استطاعت هذه العمليات أن تحرز إنجازات تاريخية مدهشة تجسدت في انسحاب العدو المحتل من بيروت بعد عشرة أيام على احتلالها . وتتالت العمليات البطولية للمقاومة بنوعيتها وكميتها ، وتتالت معها الإنسحابات  الصهيونية حتى  ما عرف يومها بالشريط الحدودي المحتل في أواخر 1985. وفي مجرى هذا النضال الوطني المقاوم تم إسقاط إتفاق 17 أيار الخياني.

كانت المقاومة الوطنية تجسد مشروعاً تحررياً ثورياً، وكلما تقدمت بانتصاراتها كانت تشتد الصراعات الداخلية وتلتف القوى التقليدية ـ الطائفية عليها لإضعاف قدراتها وشل حركتها، فيما الجبهات الخارجية تعمل على تأجيج الصراعات والخلافات لإعادة تعديل موازين القوى لمصلحتها، ولمصلحة النظام السياسي التبعي الطائفي، بصفته النظام القادر على فرملة أي تغيير في معادلة التغيرات الإقليمية والدولية المستجدة، وكان اتفاق "الطائف" بمثابة رسم لمرحلة جديدة في الصراع، تم خلاله إعادة انتاج النظام السياسي ـ الطائفي بحلة جديدة لإنعاش "فيدراليات الطوائف" بموافقة الاقطاعيات العائلية والطائفية اللبنانية وبرعاية عربية ودولية مباشرة.

بعد "إتفاق الطائف" وحرب "الخليج الأولى"، بدأت مرحلة التراجع القسرية لدور جبهة المقاومة الوطنية على حساب تقدم مرحلة المقاومة الإسلامية، وسط مناخات دولية وإقليمية أفضت الى مؤتمر مدريد، وتسابق البعض على عقد إتفاقات منفردة مع الكيان الصهيوني، من أوسلو ووادي عربة الى الواي ويفر.. ووسط هذه المتغيرات والتحالفات الجديدة، أقفل القرن الماضي على إنتفاضتين شعبيتين في فلسطين، وإستكمال تحرير ما تبقى من الجنوب والبقاع الغربي من رجس الاحتلال الصهيوني (باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وجثامين بعض شهداء الحزب الشيوعي اللبناني) دون قيد أو شرط في 25 أيار عام 2000، وإنتصار نهج المقاومة لا المساومة كسبيل وحيد للتحرير. وتكرر تكريس هذا الانتصار إثر عدوان تمور 2006.

انتصرت المقاومة، وانتصارها هو انتصار للوطن الذي دفع شعبه خيره شبابه. شهداء من كل الوطن  نفتخر  ونكبر بهم. لبوا نداء الواجب الوطني للتحرير من رجس المحتل الصهيوني، لم تكن تعنيهم المحاصصات الطائفية ولا النزاعات المذهبية المدمرة للإنتصار. ومن يختلف اليوم على توصيف واقع حال البلاد والعباد من حيث التبعية السياسية والطائفية والمحاصصات والفساد والسرقات والفوضى والفراغ الحكومي والضياع في زواريب تقاسم الوزارات.. فيما البطالة والجوع والكورونا وسرقة أموال المودعين من تحالف النهب السياسي والمالي والطائفي ينهش من أجساد ما تبقى من فقراء يستجدون من مسؤولين كسرة خبز ووقية عدالة اجتماعية لكن هذه البضاعة نفذت منذ ثلاثة عقود وأكثر، وما زال شعبنا يطالب بحقوقه الضائعة في خبايا الحسابات الطبقية والطائفية المرتبطة بالحسابات الاقليمية والدولية بما فيها تدخل عنصرها المستجد على الساحة الوطنية تحت اسم المبادرة - الوصاية الفرنسية.

قوة المقاومة بوطنيتها، ووطنيتها مرتبطة بقدرتها على حمل مشروع وطني تحرري جذري شامل والنضال في سبيله. نحن اليوم بأمس الحاجة إليه. ليس على الصعيد اللبناني فحسب، إنما، على صعيد الوطن العربي ككل. فمقاومتنا، ومقاومة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المناضلة من أجل حريتها وخبزها وكرامتها وديمقراطيتها، بحاجة الى رافعة ومشروع وجبهة مقاومة وطنية ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية المتهافتة اليوم على الوقوف في الصف لاقامة علاقات التطبيع والتسلبم   مع العدو الصهيوني، ومقاومة قوى الإرهاب والطائفية والمذهبية.. واستعادة مسك زمام المبادرة من الشيوعيين والقوى اليسارية والديمقراطية لخلق بصيص أمل في عتمة هذا النفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي المظلم في لبنان لإكمال مهمة مشروع المقاومة الوطنية في التغيير الديمقراطي واقامة الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة، كما فعلت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية في 16 أيلول عام 1982.

ومن دون رافعة شيوعية ويسارية وديمقراطية عربية لقيام حركة تحرر وطني عربية، فإن الإمبريالية الاميركية ومشروعها الشرق أوسطي لن ُتهزم بأجزاء الحلول، أو بالتودد، أو بالمغازلة، أو بالنأي عن النفس أو الحياد، أو بالتطبيع والاستسلام للعدو الصهيوني.. إن هزيمة الإمبريالي الاستعماري الجديد لا يمكن تحقيقه إلا بالمقاومة الوطنية الجذرية الشاملة (قاوم لتنتصر). وغير ذلك ، سنشهد اليوم وغدا وبعد خمسين عاماً خلافات مبادرات ومناورات وحروب وصراعات ومحاصصات داخلية واقليمية ودولية على حساب دماء وانتصارات شعوبنا ولا سيما حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والعودة وتقرير المصير واقامة دولته الوطنية الديمقراطية المستقلة على كامل تراب فلسطين وعاصمتها القدس العربية.