2020-09-06

”تلك المدن البعيدة” بين إمتاع السرد وتوجيه القارئ

| سميح محسن **

في مقدمة كتابه الجديد “تلك المدن البعيدة” *، يطرح الروائي والقاص الكبير محمود شقير تساؤلاً: “هل نحن بحاجة للرحلات؟”؛ ويجيب عليه بالقول: “نعم، نحن بحاجة إليها مثل حاجتنا إلى الماء والهواء، ففي الرحلات سعي للمعرفة، وإلى ارتياد آفاق جديدة، وإلى تجديد الإحساس بالحياة. في الرحلات تعرّفٌ على بلدان ومدن، وفيها تماسٌّ مع عادات الشعوب وثقافاتها ومختلف مظاهر حياتها، فيها ما يجعل حياة الإنسان أكثر ثراء وغنى”.

يعيد الكاتب طرح التساؤل، ولكن هذه المرة حول حاجتنا إلى “أدب الرحلات”، ويجيب: “نعم، نحن بحاجة إلى هذا الأدب، وهو ليس غريباً على تراثنا وعلى أدبنا العربي. ففي أدب الرحلات إمتاع ٌ وتصوير حي وتوثيق وحفظ للتجارب من الضياع، وتعميم للفائدة”.

يروي الكاتب في “تلك المدن البعيدة”، تفاصيل كثيرة عن رحلة قام بها إلى مدينة أيوا الأميركية في شهر آب/أغسطس من العام 1998، ضمن وفد من الكتّاب العالميين لقضاء ثلاثة أشهر في جامعتها، وتقديم تجاربهم، وقراءة وترجمة بعض نصوصهم الإبداعية، وبالتالي التعارف على ثقافات وعادات وتقاليد شعوبهم، وعلى تجاربهم الإبداعية.

يعتمد الكاتب محمود شقير، وهو الروائي المتمكن، والقاص القابض على الأدوات الفنية العالية للقصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً على سرد تفاصيل تلك الرحلة بلغة سهلة ممتنعة وممتعة، مغلفة بحسٍّ إنسانيّ، وقدرة فائقة على التقاط التفاصيل، وسردها بقدرٍ عالٍ من الإمتاع، والإدهاش، وهذه عادته في كل ما يبدعه من جديد.

لم يحصر الرائي والروائي محمود شقير رحلته تلك في الغرفة رقم (829) في الطابق الثامن من بناية سكن الطلبة (ماي فلور/زهرة أيار)، أو بين أسوار جامعة “أيوا”، والقاعات التي شهدت نشاطات الكتّاب المدعوين من عدة دول، ومكتبة الجامعة، أو في مدينة أيوا حتى، بل أطلق العنان للذاكرة كي تسرد التفاصيل عن رحلته في شوارع المدينة، ومكتباتها، ودور السينما، ومطاعمها، ومتاجرها، وضواحيها، وسهولها، وناسها. بل امتدت أيضاً لتطال مدناً أخرى، نيويورك، هيوستن، شيكاغو، لاس فيجاس، بورت لاند، وغيرها من الأمكنة بما تحفل به من متاحف، ومسارح، ومكتبات، ومتاجر، وغيرها من الأمكنة الثقافية والفنية والتجارية.

كما لم يقتصر سرد الأحداث عن زميلاته وزملائه من الكتّاب الذين تشارك معهم في تلك الرحلة، ومضيفيه من أساتذة الجامعة والعاملين فيها وطلبتها، بل امتدت للحديث عن فلسطينيين في تلك البلاد البعيدة، مثل اقاربه: داود السلحوت، وباسل (ابن أخت الكاتب)، محمد السلحوت، الذين استضافوه في عدة مدن، وأطلعوه على أهمِّ معالمها، بل امتدت للحديث عن فلسطينيين، وعرب آخرين، التقى بهن، وبهم، إما في الجامعة، وإما خارج أسوارها، كالمطاعم وغيرها، ونقل للقارئ بعض تفاصيل حياتهم.

يسعى محمود شقير إلى لفت أنظار الفتيان والفتيات، وهم/ن الفئة المستَهْدَفَة في هذا الكتاب، للعديد من المبدعين العالميين، ككتاب، ومسرحيين، وموسيقيين، وتشكيليين، وسينمائيين، وغيرهم، ولكتب، وأفلام، ومتاحف، ومسارح، وذلك من خلال الحديث عنهم بشكل غير مباشر، وبعيد عن التلقين والوعظ، كأن يتحدث عن شرائه لكتاب، أو مشاهدته لفيلم سينمائي، أو عمل مسرحي أو غنائي، أو لوحات تشكيلية، والإشارة للكاتب، والسينمائي، والمسرحي، والفنان التشكيلي، والمغني صاحب كل عمل يمرّ على ذكره، وإبداء ملاحظة على كل عمل منها . كما أنه لم يغفل الحديث عن الكاتبات والكتاب من رفاقه في تلك الرحلة، وإبداعاتهم، وعن عادات شعوبهم بحسٍّ إنساني حميم، وبجماليات عالية.

هل بلغ الكاتب أهدافه في كتابه؟

الإجابة نعم. لقد دوّن تلك الرحلة، وعرّفنا على تفاصيل الأماكن التي زارها، وعادات وثقافة تلك البلاد، وعن جانب من تاريخها، وتاريخ سكّانها الأصليين (الهنود الحمر) الذين أبيدوا على أيادي المستعمرين الآوروبيين، وهل يمكن لفلسطيني أن لا ينتبه لتلك المرحلة من تاريخ تلك الدولة الظالمة؟!

في أسلوبه السردي الممتنع والممتع، وتمكّنه من اللغة، وقدرته العالية على توظيفها، أخذنا الكاتب معه إلى تلك الأماكن، وتمكّن من إدخالنا بتفاصيلها، حتى ظننا أننا نسير معه جنباً إلى جنب في تلك الرحلة، وهذا ما عودنا عليه محمود شقير في كل عمل جديد يقدمه لنا، بل إننا نظل في حالة ترقب لما سيقدمه لنا، ترقب لمزيد من الإدهاش، ومتعة القراءة، وقطف ثمار أهدافه التي يرنوا إلى إيصالها لنا.

* “تلك المدن البعيدة”، رحلات للفتيات والفتيان، منشورات “مكتبة كل شيء”؛ حيفا، لوحة الغلاف: بريشة الفنان محمد نصر الله، وتصميم: شربل إلياس، الطبعة الأولى 2020

** شاعر، وكاتب صحفي فلسطيني مقيم في نابلس