2020-10-08

- الكولنيالية الفكرية والأخلاقية - تعزز أنماط - الكولنيالية السياسية والاقتصادية -

| سعيد مضيه

إرهاب الغرب يشهر به أبرز المثقفين العالميين في كتاب

مؤلفا الكتاب نوعام تشومسكي، المعروف كمثقف مناضل ضد الامبريالية والصهيونية، وأندريه فالدتشيك المناضل الأممي، جال في معظم أقطار المعمورة يصور ويتقصى الحقيقة عما حدث ويحدث في زوايا مجهولة. يعتبر على نطاق واسع أعظم المفكرين الموهوبين. فيلسوف ومخرج سينمائي وصحفي تقصي، مكافح أممي من أجل العدالة والخلاص من هيمنة الامبريالية.

كتب من تجربته المباشرة على الخطوط الأمامية للمعارك الدائرة ضد الهيمنة الامبريالية، وحيثما تكابد البشرية وتناضل. تعرف على الأحياء الفقيرة والقرى التي سويت بالأرض جراء قصف القنابل. فضح أكاذيب الامبراطورية. كان ثوريا حقيقيا كافح مع المسحوقين، شيوعي منذ نعومة اظفاره. كشف عن شراسة الامبريالية في أفغانستان وسوريا والعراق وإيران والسودان والأرجنتين وتشيلي وبيرو وهونغ كونغ الي كيجنيانج. لم يكتف بالكشف بقلمه عن قسوة نخب الحكم وانعدام الرحمة في سلوكياتها، بل سافر ليرى وينحقق ويدقق، مصورا أفلاما سينمائية تثير الصدمة.

يكتب مقدمة الكتاب البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي بجامعة برينستون، ومفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الفلسطيني سابقا. يلاحظ القارئ أن كاتب المقدمة يخصص نهاية المقدمة لإطراء تشومسكي ابن التسعينات، ولم يكن يدري أن فالتشيك ابن السابعة والخمسين سوف يسبق الى الرحيل عن عالمنا. كان في رحلة ليلة 22 أيلول الماضي من سامبسون، المدينة التركية على البحر السود الى مدينة استنبول. ولما وصلت سيارة الأجرة الى باحة الفندق حاولت زوجته إيقاظه لتقول وصلنا، و لم يستجب لدعوتها وسجلت الشرطة التركية حالة " وفاة غامضة".

جاء في مقدمة الكتاب التي كتبها ريتشارد فولك:

في الآونة الأخيرة طالعت كتاب "إرهاب الغرب: من هيروشيما الى حروب الطائرات المسيرة"، الصادر عام 2013 عن دار نشر بلوتو في لندن. الكتاب عبارة عن سلسلة حوارات جرت بين تشومسكي وفالدتشيك المولود في تشيكيا ، و اكتسب المواطنة الأميركية. يصف فالتشيك في مقدمة ألقت الضوء على صداقته الطويلة والوثيقة بتشومسكي، ويشرح ان هذه الحوارات الممتعة جرت خلال يومين وتم تصويرها سينمائيا بهدف تقديم وثيقة. والكتاب يشد الانتباه في جميع صفحاته، مع انتقادي للخلل بالعنوان – إذ لم يرد ذكر لهيروشيما أو حروب الطائرات المسيرةـ لكن اتى على كل شيء عداهما يمكن تخيله سياسيا .

لم اعرف فالتشيك من قبل، بثبات وهدوء درج أثناء الحوار، تحدث بسلطة ومعرفة تقبلان المقارنة حول منظومة موضوعات غير عادية شملت المشهد الدولي بأكمله، أمر لا يملك الأعصاب سوى قلة من بيننا لبذل محاولة استيعابه، وقلة تعالج المواضيع بأعصاب هادئة وبصيرة وتعاطف وجداني. بعد أن اتممت مطالعة الكتاب كان رد الفعل المباشر من جانبي أن 'تشومسكي يعرف كل شيء’ و'فالتشيك جال في كل الأماكن وعمل كل شيء’. يذهل المرء بتلك المعارف العميقة وذلك التعاطف كما تجلت لدى هذين المثقفين، وحتى أكثر من ذلك تلك العاطفة التي تحس بها بعمق تجاه الضحايا التي سقطت نتيجة الأسلوب الذي انتظم به العالم والذي جرى ويجري بأوزار قوة الغرب الصلبة.

ولّد الكتاب لدي الإحساس كم من أحداث ضخمة جرت في مجالات خلف حدود وعينا أُغفلت لم يشعر بها حتى نحن، الذين نحاول أن نكون تقدميين ومطلعين. يشير الكتاب اننا جميعا تقريبا نجهل مظالم كبيرة وقعت لأنها تلقى الاهتمام الباهت من الميديا الرئيسة، ولان قدرتنا محدودة للغاية على الوصول الى مصادر بديلة، وربما ايضا محدودية قدرة معظمنا على مقاربة المظالم الفادحة. الكتاب جديرة بالقراء للإحاطة بالفجوة بين ما يستأثر باهتماماتنا وما هو حقا جدير بالاهتمام. وعلى كل، يتمثل شطر مما هو مثير في هذا العرض لمسلسل الاهتمامات التي تشد تشومسكي وفالتشيك في مستوى رفيع للشمولية التي تبدو عليها الحساسية الأخلاقية دون ان تبدو شيئا مفتعلا. كيف يجدان الوقت والمثابرة والطاقة؟ بالطبع يساعد هذا في الإشادة بالذكاء الوقاد وطهارة الروح وموهبة التذكر المذهلة، وما يبدو رفض النوم واخذ الراحة أو الاسترخاء (وهذه من جملة السجايا التي وجدتها منذ زمن بعيد في كتابات نعوم عن فييتنام، ولدى بدايات اطلاعي على فكره السياسي، والفضل في ذلك لمقاربته اللغوية الثورية).

وإذا بدا فالتشيك على قدم المساواة خلال حواراته مع تشومسكي في النص فإنه اقر بإعجابه وتقديره لهذا المثقف الأميركي الأيقوني غير العادي الذي استمر في الخطوط الأمامية للنقاش النقدي العالمي خلال نصف القرن الماضي. وبكلمات فالتشيك:" الطريقة التي رأيتها كنا نكافح لأجل نفس القضية ، من أجل حق تقرير المصير والحرية الحقيقية لجميع شعوب الكرة الأرضية. وكنا نكافح ضد الكولنيالية والفاشية، على اي مظهر تجلت... بالنسبة لنوعام تشومسكي مكافحة الظلم تبدو أمرا طبيعيا مثل التنفس. وبالنسبة لي غدا العمل معه شرفا عظيما ومغامرة عظيمة في آن" .

يؤمن فالتشيك ان خطوط الإلهام تحت صورة العالم الإنجليزي العظيم الناشط ، برتراند راسل، المعلقة على جدار مكتب تشومسكي بالجامعة، تصف أيضا حوافز تشوسكي للسمو:" حياتي محكومة بثلاث عواطف، بسيطة لكنها قوية مسيطرة:التوق للمحبة، البحث عن المعرفة، وشفقة لا تُحتمَل على معاناة البشرية".

يشارك فالتشيك تشومسكي رؤية تفسر العالم على قاعدة بنية عميقة من الإدانات الأخلاقية والسياسية العميقة موجهة لامبريالية الغرب. بوضوح يعبر فالتشيك عن هذا الإدراك المشترك:"بعد الاطلاع على وتحليل صراعات شرسة عديدة، بت على قناعة أنها جميعا جرت بتوجيه وإشراف المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لدول الغرب أو بتدخلها المباشر". عبّر فالتشيك عن أبعاد الاتهامات وخطورتها:"إضافة ل55 مليون إنسان او حواليه قتلوا كنتيجة مباشرة للحروب التي بادر بها الغرب، والانقلابات وغيرها من النزاعات الموعز بها من الغرب، مات مئات الملايين بصورة غير مباشرة في إملاق مطلق، وانتهوا بصمت". يوافقه تشومسكي متسائلا ما هي الجريمة الأسوأ التي تعزى للغرب، موردا كأحد البدائل 80-100 مليون إنسان من الشعوب الأصلية التي سكنت نصف الكرة الغربي قبل أن يصلها المستوطنون الأوروبيون. ولدى التأمل يحول الاتجاه حالا بإيراد الملاحظة: "نحن نتحرك باتجاه ما قد يكون في الحقيقة جريمة الإبادة النهائية- تدمير البيئة" (2).

يوجه تشومسكي اللوم بأن التحدي يتواصل رغم البيّنة الساطعة على قوة الاستمرار للتدمير الذاتي، ويستمر تجاهل التحدي الى حد كبير من قبل الجمهور والحكومات، حتى بوجه التحذيرات الملحة الصادرة عن المجتمع العلمي. إن ولع الرأسمال بالأرباح وتراكم الرأسمال مضافا اليه السيطرة النفسية – السياسية على نشر المعرفة، حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية، يجعل من المستحيل 'رؤية’ تلك الأبعاد الخطرة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

بمعنى آخر هذه الحوارات رحلة ثقافية عبر خارطة طريق الأضاحي التي أودت بها كولنيالية الغرب والجرائم المقترفة ما بعد الكولنيالية. وقبل هذا يقول فالتشيك ان "الكولنيالية تستمر ولكن يبدو انه بات أكثر صعوبة على الشعوب أن توجه اصبع الاتهام وتقول بالضبط ماذا يجري ومن هو عدوها".(6) يرد تشومسكي: "بعض أسوا الجرائم الشرسة بالعالم اقترفت خلال السنوات القليلة الماضية في الكونغو الشرقي. قتل ما بين ثلاثة وخمسة ملايين". بمعزل عن ضخامة تلك الكارثة فإن المذهل صعوبة رؤيتها نسبيا. ما يزعج بالعمق كلا من تشومسكي وفالتشيك هذه السيرورة من العنف المرعب وعدم الدراية بها.

تشومسكي يعود مرارا وبإقناع لتلك الضحايا باعتبارهم "ليسوا بشرا"، أولئك القاطنون في مناطق غير غربية، والذين يندر تسجيل هلاكهم ومعاناتهم في الضمير الغربي، ما لم تتوفر أسباب جيوسياسية في سياق خاص يتناول بجدية معاناة الشعوب غير الغربية. الكاتبان ينظران لتلك المآسي التراجيدية، على انها حصيلة جشع الشركات الكبرى العولمية، والنضال من أجل إحكام السيطرة على المصادر الطبيعية الهائلة في إفريقيا يقود الهيئات التنفيذية لتلك الشركات الخاصة لتمويل العصابات والميليشيات كي تشعل الحروب وتشرع بالقتل. يختبئ المجرمون الحقيقيون خلف أقنعة واقية كي يبقوا بمنأى عن الجمهور. وتتواطأ الميديا من خلال الاقتصار على إيراد ما يبرز للعيان، متجنبة صحافة التقصي النقدية.

يساعدنا تشومسكي وفالتشيك على التحقق من أن منظومة من القوى العاتية تسخر ثرواتها ونفوذها لمنعنا من أن نرى الوقائع. يُسمح لنا فقط بنظرة بقدر ما يود حراس العقل الجماعي إشهاره. ومع هذا محظور علينا استخدام مهاراتنا للاطلاع. إن قراءة كتابات تشومسكي وفالتشيك يزيل عن عيوننا العصائب، مؤقتا على الأقل، وذلك بنجاحهما في مراوغة الحراس، لكن بمجازفة خطرة وإظهار شجاعة خلقية ومسئولية مدنية وطاقة ذهنية استثنائية. اتعلم درسا في القضايا المدنية من يقظتهما: بصفتنا مواطني ديمقراطيات دستورية نحتفظ بالحرية، ومن ثم نتحمل مسئولية ثقيلة كي نرى بأنفسنا ما يعملون باسمنا، وأن لا نقنع بتلقي الأخبار عن الضحايا في الأماكن البعيدة، إنما نتعلم الانتباه، قبل كل شيء، بأخبار الأمصار البعيدة ، وما ان نرى ما يدور بالقرب نتحمل مسئولية التصرف.

بدون الخوض في عالم "الاستشراق" حملت الحوارات حساسية تجاه ما دعاه تشومسكي "الكولنيالية الفكرية والأخلاقية"، تلك التي تعزز أنماط "الكولنيالبية السياسية والاقتصادية". في هذا المجال يمضي حتى ملاحظة ان "الإنجاز الرئيس للطغيان حمل من اعتُبِروا 'ليسوا بشرا’ على الموافقة أن ذلك امر طبيعي"(17). يعني إشاعة إغراء السلبية والاستقالة في أوساط ضحايا الاضطهاد. يتعمدون تحييد الوعي الأخلاقي لمن ينفذون الجرائم . وعندما يتساءل تشومسكي هل لدى الأوروبيين " أدنى وعي بتاريخ الكولنيالية" يرد فالتشيك: "كلا، الوعي ضئيل بما يثير الغثيان "، ويضيف ان هذا الجهل "مخجل وفاضح": "الأوروبيون يؤكدون انهم يظلون على جهلهم بجرائمهم المريعة، وبجرائم إبادة الجنس التي اقترفوها وما زالوا متورطين فيها. فماذا يعرفون عما كانت تفعله حكوماتهم وشركاتهم وما زالت تفعله في الكونغو الديمقراطية؟"(20)

ولكن مثلما يقبع الشيطان بالتفاصيل، فكذلك يوجد الكثير من ملائكة التصورات في صفحات الكتاب، والقليل منها يمكن ان نشير اليه في هذه المقدمة. الحوارات تنسج قماشة من الوعي تتنقل للخلف وللأمام بين لوم الغفلة ورفض الكشف عن التكرارات والوقائع غير المألوفة، لكنها مع ذلك كاشفة بشكل حاسم. بدون التوسع كثيرا في هذه المقدمة أنوي التنويه بمساحات الاتفاق بين تشومسكي وفالتشيك التي عدلت من مداركي أو اصطدت بها . أولا، المقارنة بين الصين والهند، حيث تكال المدائح بدون تحفظ في الغالب للصين وتنهال الإدانات على الهند غالبا بدون حيثيات؛ تثير الدهشة بما يطابق مقاربة نيبول المحافظ (أنظر نيبول الهند حضارة جريحة 1977).

حجتهما الأساس ان الهند مارست القسوة بصورة استثنائية في ممارساتها الثقافية وأنجزت القليل نسبيا في التخفيف من الفقر، بينما الصين انجزت تقدما فوق العادة عم البلاد باسرها. يؤكد الاثنان، بما يتعارض مع دعاية الغرب وبما يتفق مع ما عاينْتُه لدى زيارة قمت بها قبل عام، أن طلبة جامعات الصين يبدون الجسارة ويثيرون قضايا نقاش حول المجريات العامة. بالنتيجة تنال الهند الكثير من الإطراء في الغرب بسبب ديمقراطيتها الليبرالية، بينما تحط من منجزات الصين بسبب القيم الاشتراكية المختلطة بممارسات نهب رأسمالية. محبتي للهند أعمتني عن المساوئ بالهند ، او على الأقل غمشت رؤيتي، وباضطراد بهرتني بتراثها الغني ونبض ذبذباتها الثقافية، تلك التي الهمت غاندي تحشيد مقاومة لا عنفية للإمبراطورية البريطانية وهي في أوج قوتها.

اتفق المتحاوران على أن أكثر التحركات السياسية المشجعة في العالم جرت في أميركا اللاتينية. جرت تجارب سياسية، كما في بوليفيا وفنزويلا، عبرت عن طاقات الشعبية الاشتراكية في إطار السمات الإقليمية والوطنية الأصلية، وهناك منظومة مشجعة من التحركات لتسفيه المعالم الرئيسة للاعتماد على الولايات المتحدة، حيث سبب الكساح لتلك البلدان. تشومسكي وفالدتشيك ، كلاهما يشيران الى أن الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية وآسيا دعمت قوى سياسية استبدادية متوحشة لكي تحافظ على المصالح الجشعة للشركات الأميركية الكبرى المتمثلة في ما أطلق عليه 'عرَض الفواكه المتحدة’، أو حسب التعبير الأكثر شعبية إدامة 'جمهوريات الموز’. والفكرة السائدة في الكتاب أن الديكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية، التي ساعدت الولايات المتحدة في فرضها والحفاظ عليها خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، أشد قسوة بكثير، من حيث اضطهاد الجمهور ونهب الموارد، من الحكومات الستالينية التي سيطرت على أوروبا الشرقية خلال عقود الحرب الباردة.

والاتفاق قائم بين الكاتبين على وجوب دمغ أبطال المؤسسات الليبرالية اوغادا. ومثال على ذلك وينستون تشرشل يشهر به بسبب نظرته الإجرامية تجاه الشعوب المستعمرة في إفريقيا؛ وجورج كينان الذي جرى تصويره المهندس الرائد لمشروع الهيمنة الأميركية الكونية الذي وُضِع حيز التنفيذ لدى صعود السيطرة الأميركية فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. خصص تشومسكي وفالتشيك شطراّ من شيطنتهما لتوضيح ألاعيب ايديولوجيا الهيمنة الليبرالية التي ترى إضاءات سياسية من هذا القبيل مجسات الفضيلة الأخلاقية. يتواصل تقليد التصور النقدي للنخب الحاكمة الذي طرحه تشومسكي ببراعة فائقة عام 1969 في القوة الأميركية ونيو ماندارينز.

ولا يكف تشومسكي وفالتشيك عن إيلاء أهمية عظيمة لمجزرة اندونيسيا المنسية عام 1965، حيث أبيد أكثر من مليون إنسان في حمام دم جماعي صمم لتمهيد الطريق لاستيلاء الليبرالية الجديدة على ثروات البلاد، مصدر قدراتها. حكومتا الولايات المتحدة واستراليا لطختا أيديهما من خلال التشجيع على الأعمال الشرسة، وما تلاها من أحداث إبادة جنس في تيمور الشرقية. الكاتبان يبديان سلبية تجاه آسيا باستثناء الصين، بافتراض أنها ابتلعت جرعة مساعدات مسمومة أطلق عليها "الليبرالية الجديدة".

هذا العرض المضوي يكشط سطح تلك الحوارات المتبصرة. ومن التضليل الافتراض أن هذين الشارحين التقدميين للعالم بأجمعه متفقان تماما. تشومسكي يبدو الى حد ما أكثر ترددا من فالتشيك إزاء التطورات في تركيا أو في كتابة نعي الربيع العربي؛ فالتشيك أقل دقة حيال تباين الظلال في بعض تعليقاته. تشومسكي يرحب بالإصلاحات والاتجاهات الإيجابية؛ اما فالتشيك فيؤمن بأن إحداث تبدلات كافية لأن تجلب الأمل للشعوب المضطهدة لا تتحقق الا بتغيرات بنيوية. وبنفس المزاج يبدو تشومسكي أكثر اقتناعا مما كان عليه بالماضي بأن الاحتفاظ بالأمل واجب يعبر عن التضامن مع المقهورين. وتشومسكي اكثر وضوحا من اي وقت مضى في الاعتقاد انه بدون الإيمان بإمكانية التغير الإيجابي لن يتعاظم التحدي للأمر الواقع الذي لا يحتمل.

يختتم الكتاب بخطين بيانيين يرسمهما تشومسكي لمستقبل البشرية: إما مواصلة انتحار الأنواع أو إيقاظ التحدي البيئي، بإصلاحات مرافقة (173). تشومسكي يتقدم في العمر، اكثر تدرجا من المعتاد، فهو أكثر يناعة ويبدو أقل تشاؤما وأكثر وثوقا مما كان عليه في ستينات القرن الماضي عندما تعرفت عليه. اود القول أن نضج تشومسكي منحه حكمة تكمل سيطرته المذهلة على منمنمات طيف المشاكل السياسية بمجمله. هذه السيطرة المستدامة نصبته منذ زمن طويل مثقفنا الأجلّ، وغدا الآن 'العجوز الحكيم’ تستحق نظراته تجاه العالم عظيم احترامنا جميعا .