2020-10-10

"المعارضة الإسرائيلية" تلعب في الخانات الأسهل: فساد وديمقراطية

| برهوم جرايسي

تشهد المدن الإسرائيلية، وبضمنها القدس الغربية، منذ أربعة أشهر، مظاهرات قيل إنها "ضد بنيامين نتنياهو"، أو على الأقل هذا هو عنوانها الأبرز. ويشارك في هذه المظاهرات التي تجري بغاليتها نهاية كل أسبوع، الآلاف. وهو حراك جيد في المياه السياسية الراكدة، ولكن هذا الحراك لم يخلق أمواجا عالية، ولم يحرك الجمهور؛ واستطلاعات الرأي رغم إشكالية دقتها، برأيي، إلا أنها تعكس توجها ما، وهو أن الشارع الإسرائيلي يتعمق أكثر في مستنقعات اليمين الاستيطاني المتطرف، طالما أن القوى الصهيونية التي تسمي نفسها "معارضة"، تنافس على مقعد لها حول طاولة الحكومة، وليس لتقلب الأجندة السياسية القائمة، لأنها أصلا لا تعارضها.

فما يجري اليوم في الشارع الإسرائيلي يذكّر جيدا بما سُميت في حينه، "حملة الاحتجاجات الشعبية" التي اندلعت لخمسة أسابيع في العام 2011، احتجاجا على كلفة المعيشة، ولكن ليست أية معيشة، كما ظهر في البدايات، بل كانت على أسعار البيوت في المدن الكبرى، وأيضا على أسعار منتوجات استهلاكية مصنّعة. ومن خلف الكواليس، كان حيتان مال يشجعون الحملة، من خلال وسائل الإعلام المسيطرين عليها.

فالحرب على أسعار البيوت، جرى فيها استهداف الحكومة، بادعاء أنها السبب في ارتفاع أسعار الأراضي، وأن المشكلة ليست في ربحية شركات البناء الكبرى. أما في المنتوجات الاستهلاكية الأساسية، كان المستهدف شركات احتكارية قديمة في إسرائيل، والضغط على الحكومة لفتح أبواب الاستيراد، ليكون حلبة استثمار لأولئك حيتان المال.

ولكن حينما انضمت قوى سياسية ذات أجندة، وفي الأساس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحزب الشيوعي، وبدأ الرفاق في تشجيع قيادات تلك الحملة، على طرح قضايا جوهرية: الحد الأدنى من الأجر، شركات القوى العاملة الاستبدادية، محاربة البطالة، التمييز ضد الجماهير العربية، "فجأة" انقلبت كبرى وسائل الإعلام على حالها، وبدأت تهاجم الحملة، التي لم تتغلغل في الشرائح الفقيرة، لأن تلك الشرائح لم تر نفسها في شعارات تلك الحملة. ومن اللافت، أن هذا أحد استنتاجات تقرير لبنك إسرائيل المركزي، ظهر بعد أكثر من عام على تلك الحملة.

اليوم يتكرر المشهد ولكن بعناوين أخرى: "فساد السلطة"، وبالذات من يسيطر عليها بالمطلق، المسمى بنيامين نتنياهو، وثانيا، ما يسمونها "ضرب الديمقراطية"؛ وكما يقول رفيقي عوفر كسيف، ففي إسرائيل لم يكن في أي يوم ديمقراطية، بالمعنى الحقيقي لها.

ولا نشهد شعارات حقيقية تتعلق بالأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، إلا بما يعبّر عن احتياجات الشرائح الوسطى العليا، لتبقى العنوانين المتقدمة، "فساد وديمقراطية". كما أنه أمام واقع حال إسرائيل، فلا أحد يتطرق للاحتلال، سوى حينما يشارك ناشطو الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، وأيضا حركة الفوضويين، رغم قلتهم، التي من اسمها ليست حركة يمكن ادراجها على قائمة القوى السياسية.

فقضية الفساد خضعت لاختبار الجمهور الإسرائيلي في الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة. ونتائج كل واحدة من تلك الانتخابات، تقول إن الفساد لا يقف على رأس أولويات الإسرائيلي، طالما أن الحديث ليس عن اختلاس أموال بشكل مباشر، وبالمفهوم الشعبي للاختلاس. وطالما أن الفاسد إياه، يتبع سياسة اقتصادية تخدم أساسا حيتان المال، ولكن الفتات الكثير منها، يخصص لجمهور الأغلبية (اليهود)، الذي يلمس ارتفاع مستوى المعيشة لديه، واختفاء ظاهرة البطالة، حتى قبل اندلاع أزمة الكورونا.

دلالة على هذا، تقارير الفقر الرسمية السنوية، وتقارير البطالة التي تصدر تباعا، وكلها قبل اندلاع أزمة الكورونا، التي يرى الجمهور أنها أزمة عابرة، وسيعود الوضع إلى ما كان عليه. فنسبة الفقر بين اليهود من دون الحريديم، تتراوح ما بين 8 إلى 9%، كما في شمال أوروبا، وبين الحريديم 45%. وهبطت لدى العرب، إلى حوالي 43%، وفق تقرير الفقر الصادر في نهاية 2019 عن العام 2018. وعلى الأغلب فإن التقرير الذي سيصدر في نهاية العام الجاري عن العام الماضي، سيعرض صورة مشابهة.

أما في مسألة الديمقراطية، فإن القناعة الأكبر لدى الجمهور الإسرائيلي، هي أن القيود على المظاهرات تأتي في ظل قيود الحركة للجم انتشار الكورونا، ولهذا من الممكن الاعتقاد أن هذا الجمهور يتفهم وحشية الشرطة في قمعها للمظاهرات الدائرة في الآونة الأخيرة.

وأصلا الجمهور اليهودي لا يواجه سياسات تتناقض مع مفهوم حرية التعبير. ولكن حتى جمهور المتظاهرين ذاته، الذي يتظاهر ضد القيود على المظاهرات، دفاعا عما يسميها "ديمقراطية"، يصمت صمت الموتى حينما يرى القمع بأضعاف أضعاف ما يواجهه، موجها ضد جماهيرنا العربية، وضد شعبنا في الضفة والقدس. فقطاع غزة معاناته باتت بآليات وحشية أخرى: حصار وتجويع وقصف.

جيدٌ أن الصحفية التقدمية عميرة هس، تنبّهت في الأسبوع المنتهي، لهذا الجانب، وكتبت في مقال لها يوم الأربعاء 6 تشرين الأول الجاري: "الشرطة تقمع بعنف؟ هذه هي نفس الشرطة التي لا تشكل حياة الفلسطينيين من مواطني اسرائيل أي شيء بالنسبة لها. الحكومة ادت بمواطنيها إلى تدهور اقتصادي؟ هذا بالضبط ما تفعله الحكومة (وسابقاتها) منذ عشرات السنين للفلسطينيين في غزة وفي الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية".

ما يعني أن المتظاهرين في الشارع الإسرائيلي بغالبيتهم الساحقة جدا، يلعبون في خانات سهلة عليهم: فساد وديمقراطية، ولكنها ليست تلك التي تقلق الإسرائيلي حتى تحرّضه وليخرج من بيته منتفضا على الحكم، لا بل هو معني بهذا النهج السلطوي طالما يبث لها رسائل مزعومة "بعظمة دولته"، التي تزحف نحوها دول، كان من المفروض أنها تندرج على قائمة "العداء".

هذه المعارضة الإسرائيلية، بغالبيتها الساحقة جدا، ليست لديها مشكلة مع الخط السياسي العام المهيمن على مؤسسة الحكم الإسرائيلي، وبالذات في مسألة الاحتلال، فإن تطرقت لهذا الجانب، تكون من باب القلق على "الكيان اليهودي الوحيد في العالم"، وقلق على "طهارة العرق"، لذا على الاحتلال بنظرهم، أن ينظم كانتونات لذلك "الشعب الغريب في أرض إسرائيل الكاملة"، كي لا يشعر الإسرائيلي به، وهو يتجول حرا طليقا في كافة أنحاء البلاد.

هذه "معارضة إسرائيلية"، تسعى لحصة من كعكة الحكم، وكرسي حول طاولة الحكومة، وليس حل القضايا الجوهرية.

ولهذا لا عجب مما تشير له استطلاعات الرأي، بأن القوة الصاعدة اليوم، هي تحالف أحزاب التيار الديني الصهيوني، اليمينية الاستيطانية المتطرفة، وليس الأحزاب التي تنسب لنفسها صفة "المعارضة لنتنياهو" وتدور في فلك السلطة.

وأقول هذا رغم تحفظي من المبالغة التي تظهر في بعض الاستطلاعات، في القوة المجتمعة لقائمتي الليكود وتحالف "يمينا"، ولهذا نرى فجوات ليست قليلة في الاستطلاعات، ولكنها تُظهر توجهات الشارع.   

وماذا عنا؟

طالما أن فصائل شعبنا الفلسطيني غارقة في التفكير في اختيار مكان وساعة، لعقد اجتماع تمهيدي، كي تبحث في خطوط أولية، لبدء النقاش حول انهاء حالة البؤس والتشرذم في الشارع الفلسطيني، وهي مسألة استغرقت حتى الآن، 13 عاما، وأخشى أننا في طريقنا لأعوام أخرى، فإن الإسرائيلي لن يشعر بثمن الاحتلال، الذي بات بالنسبة له مشروعا مربحا.

وطالما أن جماهيرنا العربية تقرر التمترس في الخندق الواحد، وبعضنا يمسك بمخرزه لينخز الآخر، دون توقف ودون خجل، بينما خارج الخندق تسرح وتمرح مشاريع الصهينة ووكلاؤها، ويصبح الصوت الأعلى للجواسيس والمعربدين، وعصابات الاجرام، ويشتد السباق على طرق "الباب العالي" لإبداء حسن سلوك - فأي ضغط ستشعر به الحكومة، أي حكومة، كي تلبي حقوقنا؟