2020-10-10

التطبيع مع الكيان الصهيوني: هل يحل الأزمة؟  

“الميدان” السودانية

نشرت صحيفة الميدان" السودانية في عددها الأخير، مقالاَ مطولاَ للكاتب والقيادي البارز في الحزب الشيوعي السوداني، تاج السر عثمان، حول التطبيع الرسمي العربي مع دولة الاحتلال الصهيوني، جاء فيه:

بعد التطبيع الإماراتي البحريني مع اسرائيل، صرح ترامب بأن “خمس دول أو ست دول إضافية تتأهب للتطبيع” وأن ملك السعودية سيلحق بالمسيرة في الوقت المناسب. والواقع أن نتنياهو قرر ارجاء ضم الأراضي وليس ايقافه كما جاء في مبررات التطبيع الإماراتي. وان من أهداف التطبيع تدعيم موقع نتنياهو المهتز في خريطة السياسية الاسرائيلية، ودعم الحملة الانتخابية لترامب في أمريكا، والحصول على أسلحة أمريكية، وتعزيز موقع محمد بن زايد في الحكم في أبوظبي. كل ذلك في تراجع عن كل قرارات الدول العربية برفض التطبيع مع اسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية.

عوامل معجّلة

ساهمت عوامل في التعجيل بالتطبيع الإماراتي البحريني بعد إلغاء قانون 1972 الإماراتي لمقاطعة اسرائيل، منها: التهديد الإيراني لدول الخليج ولا سيما بعد التدخل الإماراتي - السعودي في حرب اليمن وتكلفتها المالية والإنسانية الباهظة، واستمرار الابتزاز الأمريكي حول أحداث 11 سبتمبر2001 بدفع التعويضات التي طالت حتى السودان في مطالباتها بعد حادث المدمرة كول، وسفارتي أمريكا في كينيا ويوغندا..”، إلى أحداث 11 سبتمبر، إضافة للخوف من الانسحاب الأمريكي من المنطقة، علماً بأن اسرائيل ليس في مقدورها حماية هذه الممالك، ولا سلام دائم في المنطقة دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وقيام الدولة الديمقراطية في اسرائيل التي يتعايش فيها اليهود والعرب في سلام. هذا إضافة لدخول اسرائيل كطرف في صراعات دول الخليج وحالة الاستقطاب التي حدثت بعد التطبيع الإماراتي البحريني الاسرائيلي، فأدانت تركيا وايران التطبيع مع اسرائيل وامتداد التدخل الاسرائيلي ليشمل الخليج والقرن الأفريقي والبحر الأحمر بعد تدخلها في لبنان وسوريا والعراق...الخ، وتمزيق وحدتها، إضافة للصراع حول السيطرة علي مشروع غاز البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز الوجود الاقتصادي والعسكري الاسرائيلي في الخليج.

بعد ذلك أطلت قضية التطبيع بين السودان واسرائيل برأسها مرة أخرى، فبعد رد رئيس الوزراء حمدوك على وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ليس من صلاحيات الحكومة الانتقالية الحالية التطبيع مع اسرائيل، كان من المفترض الاكتفاء بذلك وقفل ملف التطبيع الذي ليس من حق الحكومة الانتقالية التي مهامها محددة في انجاز قضايا الفترة الانتقالية حتي قيام الانتخابات العامة، وترك القضايا القومية الكبري لبرلمان الحكومة المنتخبة.

هذا إضافة الى أن الحكومة الانتقالية وشعب السودان لا يمكن أن تتحمل دفع التعويضات عن جرائم الإرهاب التي ارتكبها نظام الإنقاذ، وغير ملزمة بدفعها فالشعب السوداني تضرر من النظام الإرهابي السابق وثار ضده حتى تم اسقاط رأس النظام، ويواصل من أجل استكمال ثورته وتفكيك الدولة الإرهابية واستعادة أموال وممتلكات الشعب المنهوبة، وتقديم المجرمين ومرتكبي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية للمحاكمات، وتسليم البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية، وتحقيق الديمقراطية والسلام العادل والشامل وتحسين الأوضاع المعيشية حتى نجاح الفترة الانتقالية.

خروقات وتطورات

لكن ما حدث استمرت حكومة حمدوك في التفاوض لدفع التعويضات، واستمر خرق البرهان للوثيقة الدستورية الذي بدأ بلقائه مع نتنياهو الأثنين 3 فبراير 2020، وفتح مجال السودان الجوي لمرور طائرة نتنياهو، كما خرق قانون 1958 الذي يمنع التعامل مع اسرائيل، وبرز ما هو أسوأ من ذلك الابتزاز والوعود السراب وخاصة بعد تطبيع الإمارات مع اسرائيل كما رشح في الصحف مثل: أن التطبيع يفتح الطريق لرفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتقديم الإمارات مساعدات مالية 600 مليون دولار في شكل مساعدات وقود ومواد غذائية وطبية...الخ، وأن الخارجية الأمريكية تعهدت بدفع مبلغ 670 مليون دولار، إضافة إلى ضخ البنك الدولي 400 مليون دولار مقابل التطبيع مع اسرائيل، وطالب وفد السودان في لقاء البرهان بالإمارات بمبلغ 3 مليار دولار مقابل التطبيع...

قضية التعامل مع الكيان الصهيوني لا يمكن أن يقرر فيها فرد في خيانة للوطن بمعزل عن شعب السودان ومؤسساته البرلمانية والدستورية، في هوان مقابل ثمن بخس باعتبار رفض التعامل معه من ثوابت شعب السودان منذ عام 1948، فالكيان الصهيوني كان يصنف مع الأنظمة العنصرية في جنوب افريقيا، واستحق استهجان كل الحركات الوطنية التحررية وعداء العالم بأسره وبمختلف أعراقه ودياناته، حتي أن الأمم المتحدة اتخذت قراراً في احدى دوراتها: اعتبار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، فكيف يتم التطبيع مع الكيان الصهيوني؟؟!!

جاءت أحداث التطبيع بعد صفقة القرن التي أبرمها ترامب “صفقة من لا يملك لمن لا يستحق” وتقرر فيها: الاعتراف بالقدس عاصمة اسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وضم هضبة الجولان، وشرعنة المستوطنات، ويهودية اسرائيل، وتكوين دولة فلسطينية مجردة من السلاح، أي خضوع الفلسطينيين للاحتلال والتنازل عن حقوقهم المشروعة المضمنة في المواثيق الدولية، والتي وجدت معارضة شديدة ورفضاً من شعوب المنطقة، وتم التمسك بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

معلوم أن شعب السودان رفض اللقاءات السرية التي قام بها الديكتاتور نميري في عام 1982 مع وزير الدفاع الاسرائيلي شارون، والتي أدت لصفقة ترحيل اليهود الفلاشا الي اسرائيل، والتي تم استئنافها عام 1985 في عملية “سبأ” الشهيرة لترحيل الفلاشا، والتي كانت من ضمن أسباب سقوط نظام النميري.

كما رفض شعب السودان مواصلة نظام البشير لقاءاته السرية مع اسرائيل، فقد تم لقاء سري في اسطنبول بين مبعوث من الخارجية الاسرائيلية بروس كشدان، ووفد برئاسة محمد عطا المدير السابق لجهاز الأمن، بوساطة رجل أعمال تركي، فضلاً عن أنه كان من شروط أمريكا لرفع العقوبات اتخاذ موقف ايجابي من اسرائيل، واستجاب نظام البشير وقطع علاقاته مع ايران، وقف دعم حماس، وجاءت الدعوات للتطبيع مع اسرائيل التي دعا لها إبراهيم غندور عام 2015، وكان مبارك الفاضل من المؤيدين لتلك الدعوة عندما كان مشاركاً في حكومة الانقاذ.

على خطى البشير

جاء البرهان ليسير في خط نظام البشير لينقل تلك الدعوات إلى العلنية بلقائه مع نتنياهو، حيث أشارت مصادر اسرائيلية إلى أن البرهان طلب من نتنياهو التوسط لرفع العقوبات ورفع السودان من لائحة الارهاب، ومعروف أن امريكا ابتزت نظام البشير حيث وعدت البشير برفع العقوبات والرفع من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وعدم التقديم للجنائية الدولية في حال فصل الجنوب، بالفعل فصل البشير الجنوب، ولم يتم الرفع من قائمة الدول الراعية للإرهاب!!!، فضلاً عن أن اسرائيل شجعت ودعمت الانفصاليين في جنوب السودان منذ اندلاع التمرد عام 1955، وبعد الانفصال سارعت بإرسال مستشارين عسكريين لجوبا، وهناك خطورة منها في التدخل في الشأن السوداني وتقسيم السودان.

برز من لقاء البرهان - نتنياهو، ولقاء ابوظبي الخلل الأساسي في “الوثيقة الدستورية “التي كرّست السلطة في يد المكون العسكري الذي ليس من صلاحياته القرار في مسائل قومية مثل التطبيع مع اسرائيل وهيمنته على وزارة الدفاع والداخلية والأمن، وشركات الجيش الاقتصادية، والإعلام، وبنك السودان..الخ، وتقنين الدعم السريع دستورياً، والابقاء على الاتفاقات العسكرية الخارجية التي ابرمها النظام السابق، وابقت على وجود السودان في حلف حرب اليمن، ووجود القواعد العسكرية، ووجود السودان في قوات الأفروكوم.

وأخيراً أكدت التجربة أن التطبيع مع الكيان الصهيوني ليس الحل لأزمة الحكم في السودان، ولا بديل غير مواصلة النضال من أجل:

* الحفاظ على السيادة الوطنية والعلاقات الخارجية القائمة علي المنفعة والاحترام المتبادل، والخروج من حلف اليمن وسحب القوات السودانية منها وحل الأزمة سلمياً في إطار الأمم المتحدة، واستعادة الأراضي المحتلة (حلايب، شلانين، الفشقة..الخ)، والحفاظ على وحدة البلاد.

* رفض صفقة القرن، ودعاوى التطبيع مع اسرائيل التي لم تجني الدول العربية والأفريقية شيئاً منها.

* تحسين الأوضاع المعيشية وتركيز الأسعار، ورفض رفع الدعم وشروط صندوق النقد الدولي، والاسراع في استعادة الممتلكات المنهوبة، وشركات الجيش والأمن وعناصر النظام البائد، وشركات الذهب والمحاصيل النقدية والماشية والاتصالات لولاية المالية، والتحكم في البنوك والنقد الأجنبي، وعائدات الذهب والبترول، وتغيير العملة ،ووقف التهريب وتجارة العملة، وتقوية الإنتاج الصناعي والزراعي والصادر وقطاع النقل والمواصلات والخدمات، بما يقوي الجنيه السوداني وتوفير عمل للشباب.

* قيام المجلس التشريعي والغاء القوانين المقيدة للحريات، والغاء قانون النقابات 2010 ، والعودة لقانون نقابة الفئة الذي يكفل ديمقراطية واستقلالية العمل النقابي، واستقلالية لجان المقاومة، والغاء كل القوانين المقيدة للحريات، والخروج من نهج النظام البائد في السلام، بالحل الشامل والعادل الذي يخاطب جذور المشكلة.