2020-10-19

هجوم رأسمالي جديد يستهدف صحتنا العقلية

| سعيد مضية

شعار الزمن الحالي، الذي طرحه الراحل سمير أمين، "الاشتراكية أو هلاك البشرية"، مستندا الى تعاظم مخاطر التلوث البيئي والانحباس الحراري المولد لاختلالات المناخ، يتعزز -الشعار- بظاهرة تم الانتباه اليها مؤخرا، تتجلى في استلاب وعي البشر المدمنين على التواصل الاجتماعي. الصراع على عقول البشر هو جوهر النشاط الإعلامي للرأسمالية. وقدم تشومسكي وفالتشيك في حواريتهما

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=694775

"الكولونيالية الفكرية - الأخلاقية تعزز الكولونيالية السياسية –الاقتصادية." وفي بحث التقصي الذي أجراه جوناثان كوك، الصحفي التقدمي في إسرائيل، نجد منابر الثقافية المستحدثة على الشبكة الإليكترونية تحصد أعلى الأرباح بين احتكارات الرأسمالية؛ ومع هذا فإن هدفها الرئيس ينحصر في غسيل دماغ  البشر عموما، ومسخ القيم والمعايير الاجتماعية او إلغائها بالمرة، كما أوضح فيلم سينمائي بعنوان "المعضلة الاجتماعية"، قام باستعراضه جوناثان كوك، في مقال عنوانه "لماذا يمضي العالم الى جهنم؟" ونشر في 2 أكتوبر/ تشرين أول. ونشر على الحوار المتمدن تقرير تقصي للصحفي حول تآمر إمبريالية الميديا، الى جانب الإمبريالية السياسية ضد الصحفي جوليان أسانغ,

"المعضلة الاجتماعية"، عبارة عن مقابلات مع فنانين ومثقفين تحدثوا خلالها حول التأثيرات السلبية على الوعي الاجتماعي الذي يسفر عنه الإدمان في استعمال ميديا الاتصالات الاجتماعية. الفيلم يكشف الخطوط البيانية للأزمات الاجتماعية الكبرى التي نواجهها في الوقت الراهن- استنزاف نتيجة الإدمان على الجهاز المحمول وكذلك عدم قدرة الجهاز على إعادة تنظيم وعينا وشخصياتنا- يقول الصحفي جوناثان كوك. وفي ختام العرض يكتب كوك: "هنا نجد المشكلة مركزة؛ 'النظرية المَعيبة’ مغْفلة الاسم، هي الرأسمالية. المشاركون في الفيلم توصلوا الى استنتاجهم المنذر بالخطر- نحن على شفا انهيار اجتماعي، نواجه 'خطرا وجوديا’ لأنهم عملوا داخل أمعاء أضخم وحوش الاحتكارات  على وجه الكوكب، مثل غوغل وفيسبوك.

هذه الخبرات أمدت معظم خبراء وادي السيليكون  برؤية عميقة ، لكنها جزئية. وإذ ينظر معظمنا الى فيسبوك ويوتيوب أكثر قليلا من أماكن تبادل الأخبار مع الأصدقاء  او نتشارك في فيديو، فإن هؤلاء العاملين داخل المؤسسات يدركون أكثر من ذلك. فقد شاهدوا عن كثب أعظم الاحتكارات قوة وافتراسا، أكثر الاحتكارات التهاما في تاريخ البشرية. ومع ذلك فمعظمها افترض خطأً ان خبراتها في قطاعها لا تنطبق إلا على قطاعها بالذات.

هي تدرك 'التهديد الوجودي’ المسلط من جانب فيسبوك وغوغل دون أن تستنبط التهديدات الوجودية  المماثلة  المصلتة من امازون، إكسون، لوكهيد مارتين ، هاليبيرتون، غولدمان ساخس، وآلاف اخرى من الاحتكارات الضخمة بلا روح[تشمل قطاعات النفط والصناعات العسكرية والرأسمال المالي، الى جانب التواصل الاجتماعي]. فيلم الورطة الاجتماعية  يتيح الفرصة كي نلمس الوجه البشع ، المريض نفسيا القابع خلف قناع منابر التواصل الاجتماعي بوجه ودود. لكن بالنسبة لمن يمعن النظر يجد في الفيلم ما هو أكثر: فرصة للإمساك بمرض النظام نفسه، ذلك الذي أقحم  عمالقة الميديا الاجتماعية داخل حياتنا." 

يطرح الفيلم قضية مقنعة بأن هذا ليس ببساطة وضع نبيذ عتيق في زجاجات جديدة. وليس هذا تعميم (زد) كأن ينصح الأبوان الطفل تجنب الجلوس الطويل أمام شاشة التلفزيون، والخروج للعب. منابر التواصل الاجتماعي نمط جديد من الهجوم على من نكون، وليس مجرد ماذا نفكر.

طبقا للمعضلة الاجتماعية، فنحن نحث الخطى الى نمط "أفق الحدث" الإنساني، حيث المجتمعات تقف على حافة الانهيار. نحن نواجه ما وصفه عدد من المستجوبين "خطر وجودي" من طريقة التطور السريع للانترنت، خاصة منابر التواصل الاجتماعي. في معظم الحالات نجد الواهمين بثراء، المدراء التنفيذيين السابقين وكبار مهندسي البرامج من وادي السيليكون. انهم يدركون ان إبداعاتهم المحببة في حينه- غوغل، فيسبوك ، إنستغرام، تويتر ، يوتيوب، سنابتشات ( واتسأب، أستغرب استثناءه من القائمة) قد استحالت قطيعا من وحوش فرانكشتاين.

المعضلة الاجتماعية يتوزع على ثلاثة فصول:

الفصل الأول، يقارب فكرة مألوفة، أن منابر التواصل الاجتماعي تجربة عالمية لتبديل نفسياتنا وروابطنا هكذا يكون أطفالنا موضع تجارب. مواليد بدايات القرن الحالي هم أول جيل أمضوا سنواتهم التكوينية مع الفيسبوك وماي سبيس كأفضل أصدقاء. والجيل التالي يندر أن يعرف كلمة لا تكون مقدمتها ميديا التواصل الاجتماعي. الفيلم يطرح بقوة قضية سهلة نسبيا: ضرر الأطفال لا يقتصر على الإدمان على أجهزتهم اللماعة وكل ما يكمن داخل البرامج، إنما يتجاوز ذلك الى إعادة صياغة أدمغتهم، إذ يعاد تنظيمها بصورة عدوانية كي تتحكم في انتباههم ، ومن ثم  تكسبهم المرونة لتقبل ما تبيعه الشركات الكبرى.

كل طفل لا ينغلق داخل معركة بمفرده كي يبقى مسيطرا على دماغه؛ فمقابل مهارات المئات من أعظم مهندسي البرامج في الوقت الراهن نجد الكفاح لتغيير تصوراتهم وتصوراتنا- بمعنى من نكون- بأيدي الخوارزميات التي يجري تكريرها كل ثانية في كل يوم بواسطة الذكاء الاصطناعي. وكما لاحظ أحد المشاركين في الفيلم [المستجوَبين]، فإن ميديا التواصل الاجتماعي لا تتجه لأن تكون أقل براعة في التلاعب بتفكيرنا وعواطفنا، إنما هي تمضي لأن تكون أفضل وأفضل بكثير في التلاعب.

 يشرح جارون لانيير، احد رواد ابتكار البيئة المصطنعة،  ما يبيعه حقا منبر غوغل وبقية الشركات الرقمية الكبرى:"التغيير التدرجي الطفيف، غير المرئي في سلوكك وتبصرك، ذلك هو المنتج". وذلك أيضا كيف تكسب تلك الشركات الكبرى الأرباح، من خلال" تغيير ما تعمله وما تفكر فيه ومن تكون". يجنون الأرباح، والأرباح الضخمة من بيزنيس التنبؤ- التنبؤ بما سوف تفكر فيه وكيف ستتصرف بحيث يسهل إقناعك بشراء ما  يودون بإعلاناتهم أن يبيعوه لك. ولكي تعظم تنبؤاتها حشدت تلك الشركات الكبرى مقادير كبيرة من المعلومات عن كل واحد منا – ما يطلق عليه أحيانا 'رأسمالية المراقبة’". 

ومع هذا فالفيلم لا يفصح عن هذا ببلاغة. هناك تأويل آخر؛ فالصيغة الأفضل لعمالقة التكنولوجيا، لتعظيم تنبؤاتهم هي كالتالي: علاوة على تجميع كميات من المعطيات عنا يجب عليها أن تسحق بالتدريج كل تميز فينا، فرديتنا، خصوصيتنا، بحيث نغدو سلسلة من النماذج الأصلية المتماثلة، ثم عواطفنا – المخاوف، عدم الأمان، رغبات، حنين - يمكن بمزيد من اليسر رصدها، استغلالها وسحقها بواسطة الإعلانات. هذه الشركات الكبرى تتاجر بمستقبل البشر، تماما مثلما تاجرت شركات غيرها لزمن مديد بمستقبل النفط وبمستقبل لحم بطن الخنزير. وكما ورد في ملاحظة شوشانا زوبوف، الأستاذة في مدرسة البيزنيس بجامعة هارفارد، تلك الأسواق" جعلت من شركات الانترنت أغنى الشركات التي عرفتها البشرية".

الأرض المنبسطة ونظرية المؤامرة – نشر الوعي الزائف

نفقد المزيد والمزيد من الإحساس بالعالم الحقيقي وببعضنا البعض. بهذا الفقد تتداعى قدرتنا على التعاطف والتوصل الى التسويات . نعيش في عوالم معرفية متباينة، تختارها لنا الخوارزميات ومعيارها الوحيد كيف ترفع للدرجة القصوى انتباهنا لمنتجات الإعلانات الدعائية، كي تحصد الأرباح لعمالقة الانترنت.

 كل من أمضى  وقتا مع ميديا  التواصل الاجتماعي، خاصة مع منبر مشاكس مثل تويتر، يحس بحقيقة ما ذكرناه؛ لا تعير الخوارزميات اهتماما بالتعاطف والانسجام الاجتماعي، ولا للّعب النزيه أو للأخلاق. تفيد عوالمنا المعرفية المنفصلة اننا معرضون بصورة متزايدة لسوء الفهم والمجابهة. وهناك مشكلة أبعد واخطر؛ مثلما أفاد احد المستجوبين: "الحقيقة مملة". من الأسهل والأكثر إمتاعا التقاط الأفكار البسيطة والخيالية؛ الناس تفضل المشاركة في ما هو مثير، او جديد او غير متوقع، وصادم. "فذلك نموذج الأخبار الفارغة الموجهة لغاية الربح"، مثلما أفاد مستجوَب آخر، مبينا أن الأبحاث بينت أن المعلومة الزائفة لديها فرص الانتشار على منابر الميديا الاجتماعية تعادل ستة أضعاف فرص انتشار المعلومة الصحيحة. ونظرا لكون الحكومات والسياسيين هم الأكثر التصاقا بشركات التكنولوجيا هذه - حقيقة موثقة جيدا فشل الفيلم في إبرازها – فإن حكامنا في مركز أفضل من أي وقت مضى للتلاعب بتفكيرنا وتحكّمهم في ما نعمله. بمقدورهم إملاء النقاش السياسي بأسرع من ذي قبل، وبشمولية أكثر وبكلفة أدنى.

هذا الفصل من الفيلم، ربما هو الأقل نجاحا؛ حقا ، فمجتمعاتنا موبوءة باستقطاب وصراع متزايدين، وبإحساس القبلية المتزايدة. غير أن الفيلم يظهر ان جميع أنماط التوتر الاجتماعي، بدءًا من نظرية مؤامرة بيزاغيت حول تجارة الجنس بالقاصرات حتى  حياة السود مهمة – كلها ثمرة التأثير الضار لميديا التواصل الاجتماعي.

ورغم أن من السهل معرفة ان المؤمنين بانبساط الأرض  ينشرون المعرفة الزائفة، فمن الأصعب بكثير  التمييز الصارم للكذب من الحقيقة في العديد من مجالات الحياة. بيّن التاريخ الحديث ان معاييرنا ليست ببساطة مقصورة على ما تقوله الحكومات صحيحا - او ما يقوله مارك زوكربيرغ، او حتى "الخبراء" في مواضيعهم. وربما تفصلنا مدة زمنية صغيرة حين كان الأطباء يطمْئنوننا أن التدخين لا يضر بالصحة؛ غير أن ملايين الأميركيين علموا قبل بضع سنوات فقط أن تناول الأفيون يساعدهم- حتى انفجرت ازمة إدمان الأفيون عبر الولايات المتحدة.

أتاحت الأجهزة المحمولة إمكانية ان يقوم الناس العاديون بتصوير الأفلام والمشاركة في المناظر، التي كانت في وقت مضى من امتياز حفنة من العابرين ممن لا يحظون بالثقة. بمقدورنا جميعا أن نرى بأنفسنا ضابط شرطة أبيض يضغط بركبته بقسوة على رقبة رجل أسود لمدة تسع دقائق، بينما الضحية يصرخ انه لا يستطيع التنفس، الى ان فارق الحياة. ونستطيع بعد ذلك أن نحكم على قيم قادتنا وأولوياتهم حين يقررون بذل أقل قدر ممكن من الجهد لمنع تكرار تلك الحوادث.

أتاح الانترنت منبرا من فوقه لا يستطيع فقط الواهمون من المتنفذين سابقا في وادي السيليكون النفخ في البوق للتحذير فيما ينتويه مارك زوكربيرغ، إنما بات بمقدور موظفة بالبنتاغون مثل تشيلسيا مانينغ فضح جرائم حرب بالعراق وأفغانستان، وكذلك شخص مثل إدوارد سنودون ، تقني في الأمن الوطني، ان يفضح أسلوب حكومتنا في مراقبتنا.

سمحت الاختراقات الرقمية بالتكنولوجيا لشخص مثل أسانغ ان  يؤسس الموقع الإليكتروني، ويكيليكس، حيث وفر لنا نافذة نطل منها على العالم السياسي الحقيقي- نافذة من خلالها نستطيع ان نرى قادتنا يتصرفون أقرب الى المرضى النفسيين منهم الى البشر السويين، نافذة نطل منها على نفس القادة وهم يكافحون بالأسنان والأظافر من أجل إغلاقها وتقديم مؤسسها الى المحاكمة.

أتاحت ميديا التواصل الاجتماعي بفوضويتها الفرصة لاكتساب رؤى في واقع كان غامضا بالنسبة لنا. والمفارقة ، بالطبع، أن شركات الميديا الاجتماعية الكبرى الجديدة هذه لا تقل من حيث ملياديرية مالكيها، وجوعهم للقوة وتلاعبهم، عن شركات الميديا الكبرى القديمة. موقفان متضادان: أولئك الذين نجحوا في إيجاد واحات للتفكير النقدي والشفافية في الميديا الجديدة[ يقصد  مواقع إليكترونية نقدية تتقصى ما تحاول طمسه الميديا الرئيسة، مثل كاونتربانش وكونسورتيوم نيوز وذا كونسيبت وأخرى غيرها]، يقابلهم من وقعوا في مصيدة نماذج الميديا القديمة، او عجزوا عن التفكير النقدي بعد فترة من استهلاك ميديا الشركات الكبرى، فتم امتصاصهم بسهولة وربحية في مؤامرات عدمية على الانترنت.

هنا أود الرجوع قليلا. في الفصل الأول من الفيلم ظهر وكأنه شيء جديد قيام الميديا الاجتماعية بإعادة صياغة أذهاننا كي تبيعنا دعايتها؛ والفصل الثاني يقارب كشيء جديد كليا تنامي فقد مجتمعنا التعاطف، والارتفاع السريع للنرجسية الفردانية. لكن من الواضح جدا أن أيا من الفرضيتين غير صحيحة. شركات الإعلانات تتلاعب بعقولنا بأساليب ماهرة منذ قرن على اٌقل تقدير. وطوال هذه المدة على الأقل كان التذرر الاجتماعي - الفردية، الأنانية، الاستهلاكية- خاصية أصيلة في حياة الغرب؛  فهذه ليست ظواهر جديدة.

ان الأساليب المتعددة التي ندمر بها كوكبنا - تدمير الغابات والبيئة الطبيعية، دفع الأنواع نحو الانقراض، تلويث الهواء والمياه، تذويب قمم الجبال الجليدية، توليد الأزمات المناخية- عمليات تزداد وضوحا منذ أن أحالت مجتمعاتنا كل شيء الى سلعة يمكن بيعها وشراؤها في السوق.

انها لمؤامرة إيديولوجية عمرها حوالي القرنين تحيكها نخب من ذوي الثراء الأسطوري، كي تضاعف ثرواتها والاحتفاظ بقدراتها وهيمنتها مهما كلف الثمن. وكما تشير شوشانا زوبوف، البروفيسورة بجامعة هارفارد، هناك سبب لكون احتكارات الميديا هي الأغنى بما يتجاوز الخيال على مدى التاريخ البشري. ذلك السبب يكمن خلف اقترابنا من " افق الحدث" البشري، هذا الذي يخشاه جميع المتألقين في وادي السيليكون، حيث مجتمعاننا، اقتصادياتنا، انظمة دعم الحياة لكوكبنا على شفا الانهيار جميعا.

ميديا التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي الكامن خلفها يشكلان الأزمة  المركبة التي لا نستطيع تجاهلها مع بلوغ الرأسمالية نهاية المسار الذي مضت عليه. إن بذور الطبيعة المدمرة لليبرالية الجديدة الراهنة، شديدة الوضوح، قد زرعت حين قرر الغرب "المتحضر"، الصناعي ان مهمته إلحاق الهزيمة بالعالم الطبيعي وإخضاعه لمشيئته، وحين اعتنق الغرب إيديولوجيا كرست عبادة المال وأحالت الناس مواضيع استغلال.

قلة من المشاركين في المعضلة الاجتماعية المحوا لهذه في الدقائق الأخيرة من الفصل الختامي. نظرا لكون أدمغتهم صناديق سوداء تمنعهم من الوقوف خارج النظام الإيديولوجي الذي ولدوا داخله، شاننا؛ نشأت صعوبة تعبيرهم عن الأهمية التامة للاستخلاصات التي خرجوا بها إثر عقدين أمضوهما مع أكثر الاحتكارات افتراسا عرفها العالم. ربما أن لغة الحوار تحمل معان تأويلية  كي يسمح للفيلم ان يصل المتلقين. يحاول تريستان هاريس، رئيس مركز التكنولوجيا الإنسانية وأحد مؤسسيه، عمل في وقت سابق كخبير أخلاقيات التصميم لدى غوغل، ان يصف بدقة صعوبة الإمساك بالمعنى الضمني للسينما: "كيف تستيقظ من الحلم ان لن تعرف انك في حلم"؟ لاحظَ فيما بعد "ما أراه مجموعة أشخاص حوصروا في نمط أعمال، حافز اقتصادي، ضغط حملة الأسهم  تجعل من المستحيل عليهم القيام بعمل آخر."

رغم أنه  ما زال مؤطرا في ذهن هاريس كنقد خاص لاحتكارات ميديا التواصل الاجتماعي، فإن هذه النقطة صحيحة بوضوح شديد بالنسبة لجميع الاحتكارات، وللنظام الإيديولوجي – الرأسمالية- الذي يعزز قوى تلك الاحتكارات. مستجوَب آخر يلاحظ:" لا أعتقد أن هؤلاء الناس [عمالقة التكنولوجيا] قد انطلقوا  ليكونوا شريرين؛ انه نمط البيزنيس". وهذا صحيح . لكن "الشر"- تفضيل الملاحقة المَرَ ضية نفسيا للأرباح فوق كل القيم الأخرى- هي نمط البيزنيس لكل الاحتكارات، وليس الاحتكارات الرقمية فقط.

المشارك الوحيد الذي حاول، او سُمح له الربط بين النقاط هو جوستين روسينستاين، مهندس سابق في تويتر وغوغل. لاحظ بوضوح:" نحن نعيش في عالم، حيث الشجرة سعرها وهي ميتة أعلى منه وهي حية، والحوت اثمن ميتا. وطالما يعمل اقتصادنا بهذا الأسلوب وتنشط الاحتكارات بدون تنظيم، فستواصل قطع الأشجار وقتل الحيتان وفتح المناجم في الأرض والاستمرار في ضخ النفط من باطن الأرض، حتى ولو علمنا انه يدمر الكوكب الأرضي، ونعلم انه يخلّف للأجيال القادمة أسوأ عالم. "إنه تفكير قصير النظر قائم على عقيدة الربح بأي ثمن. كما لو ان كل احتكار ينشط لمصلحته الأنانية في طريقه لتقديم أفضل النتائج.

والمرعب - ونأمل أن يكون القشة الأخيرة وتوقظنا كحضارة، كم هذه النظرية مَعيبة بالمقام الأول- لنرى أننا الآن الشجرة، والحوت. نحن أكثر نفعا للاحتكارات حين نمضي وقتنا نحملق في الشاشة ،نحملق في إعلان، منا حين نمضي أوقاتنا نعيش حياتنا بطريقة مرفهة.