2020-10-18

لماذا يعود «رُهاب الشيوعية» من جديد إلى الولايات المتحدة...؟

| ريم عيسى *

بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ظهور نظام عالمي جديد، حاولت كل من القوى الكبرى ترسيخ موقعها داخل التوازن العالمي الجديد لمحاولة قلب الميزان لصالحها؛ سواء سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً، إلخ.

وإذ شهد العمالقة الإمبرياليون تقلص هيمنتهم العالمية، والذي تمثّل بانهيار نظام الاستعمار التقليدي وتحرر عدد كبير من بلدان «العالم الثالث»، وكذلك بتوسع نفوذ القوى الناشئة (الاتحاد السوفياتي وحركة التحرر)، فقد لجؤوا إلى تطوير أدوات إمبريالية جديدة وأدوات استعمارية "أكثر نعومة"، وهو ما بات يعرف لاحقاً بالاستعمار الجديد/الاقتصادي.

تطلب الأمر أيضاً، من وجهة نظر المستعمرين الجدد، وضع طرق جديدة لإدارة الشؤون الداخلية لاستيعاب التغييرات وإبقاء مواظنيهم "تحت السيطرة". منذ ذلك الحين، ازدهر في الولايات المتحدة، بشكل صارخ أكثر من ذي قبل، الاعتماد بصورة متزايدة على مفهوم "العدو" - عدو الشعب الأمريكي، عدو أسلوب الحياة الأمريكي، عدو "القيم" الأمريكية، عدو كل شيء وأي شيء «أمريكي».

مراجعة تاريخية موجزة جداً

كان من المهم للولايات المتحدة أن تُبقي الغالبية العظمى من سكانها مشتتين عن جميع أفعالها في جميع أنحاء العالم، بل وأن تدفعهم لدعم نشاطها ذاك. بهذه الطريقة، وكما كان واضحاً خلال الحرب العالمية الثانية، سيكون الناس أقل قابلية لطرح الأسئلة الكبرى في شتى مناحي حياتهم. وبالتالي، فإن وجود الولايات المتحدة دائماً "في حالة حرب" سيكون أمراً مثالياً، ولكن دون وجود معارك فعلية، فإن هذا يعني دائماً وجود "عدو" يستهدف أمريكا والأمريكيين ويتربص بهم، مما يعني دائماً أن "الحرب" قائمة مع هذا "العدو"، وإنْ لم تكن واضحة دائماً... يذكرنا هذا بقول إنجلز إن "الحرب هي الرئة الحديدية التي تتنفس منها الرأسمالية".

بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل التسعينيات، كان العدو الرئيسي هو الشيوعية، تلك العداوة التي اتخذت في حينه اسم "الحرب الباردة". خلال هذه "الحرب" بدأت الولايات المتحدة، من بين أمور أخرى، في استهداف مواطنيها وتبرير التعدي على الحقوق والحريات الأساسية لهم، بالإضافة إلى سياستها الخارجية التي تمثلت بأعمال همجية وعدوانية متنقلة في جميع أنحاء العالم.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، لم يعد من الممكن استخدام العداء للشيوعية كذريعة، وفي الواقع، طيلة ما يقرب من عقد وحتى عام 2001، سيطرت على الولايات المتحدة حالة «نقص أكسجة حاد» ناجمة عن غياب العدو وغياب الحرب بشكلها الواسع...

في عام 2001، ظهر "عدو" جديد – الإرهاب، ومعه عادت واشنطن للتنفس عبر "الحرب على الإرهاب" لتعبئة الأمريكيين والسماح لهم بقبول الإجراءات واللوائح والتشريعات التي لن تُقبل دون وجود حرب. أصبحت هذه ذريعة جديدة تبرر بموجبها الولايات المتحدة زيادة التجسس والتنمر على مواطنيها وانتهاك حقوقهم الأساسية، فضلاً عن سياستها الخارجية العدوانية، والتي برز فيها الجانب العسكري بشكل سافر.

ظل هذا "العدو" هو العدو الرئيسي لأكثر من عقد من الزمن، حتى قبل بضع سنوات، وربما بالذات إلى حين الدخول المباشر لروسيا على خط محاربة الإرهاب، حيث أظهر هذا الدخول زيف الحرب الأمريكية على الإرهاب، وحوّلها إلى أداة مثلومة بصورة كبيرة...

عند هذا الحد رأينا صعود "عدو" قديم جديد - الاشتراكية والشيوعية، بطرق واضحة كانت الولايات المتحدة تدفع من خلالها نحو خلق نوع من رهاب الشيوعية الجديد مرة أخرى، أو New Communismphobia.

ما الذي تسبب في ظهور «رهاب الشيوعية» الجديد؟

العوامل التي ساهمت في إحياء "العدو" القديم متشابكة ومعقدة ولها أبعاد وجوانب متعددة يغذي بعضها البعض. سنعرض هنا أبرزها، والتي يجب فهمها على أنها عناوين رئيسية، يمكن دراسة كل منها بمزيد من التفصيل.

على المستوى الدولي

أصبح الآن حقيقة تتحرك في اتجاه لا رجوع فيه، ميزان القوى الدولي الجديد ما بعد الأحادية القطبية الأمريكية، والذي لم تعد تحتكر فيه الولايات المتحدة السيطرة في أي جانب من الجوانب، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً. وهذا يعني بالضرورة دوراً أقل للولايات المتحدة (والغرب بشكل عام) على المسرح العالمي، ومساحة متزايدة للشرق - خاصة روسيا والصين.

هناك أيضاً عزلة متزايدة للولايات المتحدة على المستوى الدولي، والتي أصبحت أكثر وضوحاً في جوانب مختلفة (تمت تغطية جوانب متعددة لهذه العزلة في مقال سابق: واشنطن: "لا أريد لهذه الحرب أن تنتهي!"). هذه العزلة هي إحدى سمات تغير ميزان القوى وتوسع مساحة للآخرين للقيام بدور أكبر، وخاصة البدائل "غير الودّية" من وجهة نظر واشنطن، مثل روسيا والصين. ربما يكون الجانب الاقتصادي هو الأعمق ضرراً بالنسبة للولايات المتحدة، حيث تتصاعد عمليات مثل إزالة الدولرة واللامركزية في الطاقة...

على المستويات الإقليمية

إذا أخذنا ما يحدث في منطقتنا كمثال، (وهو ما يجري فعلاً بأشكال مختلفة في أقاليم مختلفة من العالم) فيمكننا أن نجد عدة ملفات سمتها الأساسية هي الدور المتضائل للولايات المتحدة (والغرب) لصالح الشرق الذي تمثله روسيا والصين بشكل أساسي.

يمكن أن نرى في منطقتنا التأثير المتزايد لمنظومة أستانا، وبغض النظر عن أي موقف من أطرافها، إلا أنّ النظرة الموضوعية للأمور تستوجب الاعتراف بأنها باتت مؤثراً أساسياً لا في الملف السوري فحسب، بل والليبي و(الأرمني/الأذري) أيضاً، بين ملفات أخرى... وذلك في تناقض مع الأدوار التقليدية للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والناتو، التي كانت فيما مضى المقرر الأساسي لمختلف اتجاهات التطور الأساسية في كل المنطقة عبر سياسات «الفوضى الخلاقة» ومشروع «الشرق الأوسط الكبير/الجديد»إلخ.

محلياً؛ داخل الولايات المتحدة نفسها

إلى جانب كل شيء يحدث في الخارج، وسلسلة الخسائر والهزائم التي بدأت تتراكم، هناك عدد كبير من الأمور المقلقة التي تحدث داخل الولايات المتحدة. على الأقل خلال العقد الماضي، ازداد الحديث عن الاشتراكية وحتى المطالبة بالمزيد من الممارسات الاشتراكية في الولايات المتحدة، بغض النظر عن مدى اشتراكية تلك "الاشتراكية" التي يتحدثون عنها. تم تجاهل هذه الدعوات بشكل عام، ولكن بدأت الأمور تأخذ منعطفاً "مقلقاً" في الولايات المتحدة خلال أزمة فيروس كورونا هذا العام، حيث نظر المزيد والمزيد من الأمريكيين (والسكان في الغرب بشكل عام) إلى ما وراء ممارسات الحكومات لإلقاء اللوم على الفشل في التعامل مع الوباء، وبدأت الأصوات ترتفع حول الاعتراف بفشل الرأسمالية نفسها كنظام وعدم قدرتها على تحقيق الاستقرار.

مظاهر «رهاب الشيوعية» الجديد

كل ما سبق ساهم في رفع مستوى الإنذار لدى الولايات المتحدة بشأن فقدانها لمكانتها في النظام الدولي، ولزيادة الطين بلة، فتلك الخسارة جاءت لصالح روسيا والصين، النظامان الشيوعيان السابقان. اقترن ذلك بحقيقة أن الأصوات كانت ترتفع أعلى فأعلى بانتقاد الرأسمالية داخلياً والمطالبة بسياسات ومؤسسات أكثر "اشتراكية"، جنباً إلى جنب مع صعود واضح للحركات الشعبية في جميع أنحاء العالم، مما يشير على الأقل إلى بيئة مناسبة للانهيار للرأسمالية. وقد أدى هذا أيضاً إلى تحويل التركيز من أن يكون الإرهاب هو الخوف الرئيسي للناس، إلى الرأسمالية ومنتجاتها الثانوية، وأدرك الناس بمفردهم (وليس من خلال الدعاية الحكومية) أن الرأسمالية هي عدوهم الأول والحقيقي. وبالتالي، فإن الأمر يتطلب العمل لإعادة الشيوعية باعتبارها "العدو" واتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحتها، الأمر الذي يتطلب إرساء الأسس للقيام بذلك، وبشكل أساسي من خلال زرع الخوف العام المكثف منها.

تجلى «رهاب الشيوعية» الجديد هذا في الولايات المتحدة من خلال العديد من الإجراءات والتصريحات:

تنص استراتيجية الدفاع الوطني للولايات المتحدة الأمريكية لعام 2018 (رابط: ملخص للاستراتيجية) على ما يلي: "إننا نواجه اضطراباً عالمياً متزايداً يتميز بانحدار النظام الدولي القائم على القواعد منذ فترة طويلة - مما يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً وتقلباً من أي شيء شهدناه في الذاكرة الحديثة. المنافسة الاستراتيجية بين الدول، وليس الإرهاب، هي الآن الشغل الشاغل للأمن القومي للولايات المتحدة... المنافسات الاستراتيجية طويلة الأمد مع الصين وروسيا هي الأولويات الرئيسية لوزارة [الدفاع]». أكثر من ذلك، فإنّ الولايات المتحدة لم تنتقل من حربها المزعومة ضد الإرهاب نحو حرب مع الصين وروسيا، بل ولم تعد تخفي عملها على تعويم تنظيمات إرهابية في أماكن مختلفة من العالم كتنظيمات «مدنية»... من ذلك مثلاً محاولاتها المستمرة تعويم النصرة في سورية، واتفاقها الموقع مع طالبان مؤخراً...

كان كبار المسؤولين الأمريكيين يهاجمون الصين في كل فرصة ممكنة، وهو أمر مفهوم مع صعود الصين اقتصادياً وفي مجالات أخرى، معظمها إن لم يكن كلها على حساب الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. زادت هذه الهجمات بشكل حاد مع جائحة فيروس كورونا. وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على وجه الخصوص، كان يدلي بتصريحات متزايدة حول الصين، لكنه استخدم مؤخراً، وبشكل لجوج ومتكرر، "الحزب الشيوعي الصيني" عند الإشارة إلى الصين، لربط "مخاطر" الصين بالشيوعية.

على مدى الأشهر القليلة الماضية، مع تزايد حدة الحملات الانتخابية الأمريكية، كان اتهام ترامب الرئيسي للديمقراطيين ومرشحيهم أنهم يريدون تحويل الولايات المتحدة إلى دولة اشتراكية، وهو ما رفضه الآخرون، بما في ذلك بايدن. إنهم لا يريدون تحويل الولايات المتحدة إلى دولة اشتراكية. قال ترامب بشكل متزايد، خاصة مؤخراً، إنه لن يسمح للولايات المتحدة بأن تصبح اشتراكية. ليس للجمهوريين ولا للديمقراطيين أي علاقة بـ "الاشتراكية"، لكن استخدامها كنقطة هجوم ودفاع يساهم في جعلها "عدواً".

أكثر تجليات هذا "العدو" الجديد إثارة للفضول هو إحياء القوانين المتعلقة بالارتباط بالحزب الشيوعي، وهو الأمر الذي نناقشه بالتفصيل أدناه. في حين أن هذه التشريعات لم يتم إزالتها من القانون، إلا أنها كانت نائمة إلى حد ما لعقود. ومع ذلك، فقد عادت إلى الظهور مؤخراً.

الجانب "القانوني"

الآن بعد أن عملت الولايات المتحدة على إنشاء أو إحياء هذا "العدو" القديم الجديد، فإنها ستخلق أو تعيد إحياء الأسلحة التي ستستخدمها لمكافحته، والهدف الأكثر أهمية هو ضمان عدم وجود فرصة داخلياً لأي حركة يمكن أن تتبنى الشيوعية أو حتى المثل العليا الاشتراكية.

حدث هذا في الماضي، في الأربعينيات، عندما كانت هناك حركة اشتراكية قوية تكتسب زخماً بين الأمريكيين، خاصة بعد الكساد الكبير، والذي كان له التأثير نفسه (وربما أقل) على الأمريكيين الذي نراه اليوم نتيجة لأزمة COVID-19، والذين خاب أملهم في الرأسمالية ومُثُلها.

بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت إدارة ترومان حملة واسعة النطاق ضد الشيوعيين، وطردت المسؤولين الذين لديهم ميول يسارية أو روجوا لسياسات يسارية، وتضمنت القائمة السوداء أي شخص (لا سيما الممثلين والكتاب وغيرهم ممن قد يكونون في مناصب مؤثرة) قد يكون شيوعياً أو على اتصال بالشيوعيين، وطرد القادة العماليون المتعاطفون مع الشيوعية. عُرفت هذه الفترة باسم «الرعب الأحمر الثاني»  the Second Red Scare واتخذت ممارساتها اسم "المكارثية" McCarthyism نسبة إلى السناتور جوزيف مكارثي الذي ترأس التحقيقات المتعلقة بالأنشطة الشيوعية في الولايات المتحدة.

خلال هذه الفترة، تم سن قانون الهجرة والجنسية لعام 1952، وأصبح فيما بعد مقنناً باعتباره العنوان 8 من قانون الولايات المتحدة: الأجانب والجنسية. تمت مناقشة هذا القانون بشكل خاص في سياق حقبة مكارثي والمخاوف التي غرسها بين «الأمريكيين من الشيوعيين والمتعاطفين مع الاتحاد السوفياتي الذين يتسللون إلى الولايات المتحدة ومؤسساتها ويستهدفون الأمريكيين والقيم الأمريكية وكل شيء أمريكي». هل يبدو الكلام مألوفاً ومكرراً؟ يجب أن يكون، لأنه كذلك، وجرى استخدامه اتجاه كل «أعداء» الولايات المتحدة، بغض النظر عن اسم ونوع أولئك الأعداء.

وفقاً لهذا القانون، يمكن للحكومة إبعاد المهاجرين أو المواطنين المتجنسين المنخرطين في «أنشطة تخريبية» وكذلك منع «المخربين المشتبه بهم» من دخول البلاد. على سبيل المثال، فيما يتعلق بأسباب رفض الدخول إلى الولايات المتحدة، يعدد هذا القانون ضمن "الأسباب الأمنية والأسباب ذات الصلة" الفئات التالية: أولئك الذين شاركوا في أنشطة إرهابية، وأعضاء الحزب الشيوعي أو أي حزب شمولي (محلي أو أجنبي)، وأولئك الذين شاركوا في الملاحقات النازية أو الإبادة الجماعية.

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من القوانين في الولايات المتحدة، حتى لو أصبحت قديمة ونادراً ما يتم تطبيقها أو لم يتم تطبيقها، غالباً ما تظل سارية المفعول. نادراً ما طُبق جزء هذا القانون، الذي استخدم الانتماء إلى حزب شيوعي كأساس لمنع الأجانب من دخول الولايات المتحدة والتجنس منذ السبعينيات، واستناداً إلى مصادرنا، ربما تم تجاهله كلياً منذ منتصف التسعينيات. ومع ذلك، من الغريب أنه على الرغم من عدم تغيير أي شيء في القانون نفسه، فقد أصدرت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية في 2 تشرين الأول الحالي 2020 توجيهاً سياسياً بشأن "عدم قبول (الدخول إلى الولايات المتحدة) على أساس العضوية في الحزب الشيوعي أو الانتماء إليه".

في حين أن هذا يستهدف بشكل أساسي المواطنين غير الأمريكيين الذين يسعون إلى الدخول إلى الولايات المتحدة، فإن الهدف الرئيسي لمثل هذه السياسة هم الأمريكيون أنفسهم. أحد أهداف ذلك هو إبعاد أولئك الذين قد يعملون على «تخريب النظام والقيم الأمريكية» من الداخل. لكن الأهم من ذلك، أن هذا بطريقة ما هو اعتراف بوجود بيئة خصبة وجاهزة داخل الولايات المتحدة لنوع التغيير الذي تقترحه الشيوعية. أي أن الشيوعية هي بديل قوي للغاية يمكنه أن يكتسب الزخم في الولايات المتحدة اليوم، ويجب إيقاف ذلك بكل صرامة من وجهة نظر النخبة الأمريكية.

إذن، هل يمكننا أن نكون على أعتاب "ذعر أحمر" آخر وعهد مكارثي آخر في الولايات المتحدة؟ تشير جميع المؤشرات إلى أن الإجابة هي "نعم، بالتأكيد".

* كاتبة صحفية سورية - المصدر: "قاسيون"