2020-10-22

الرأسمالية مستنبت الفاشية (من 1- 5)

  (الحلقة الأولى)

| سعيد مضية

ترمب نفذ انقلابا فاشيا بطيئا بالولايات المتحدة

كريس هيدجز صحفي تقصي، نال جائزة بوليتزر على تحقيقاته الصحفية. عمل مراسلا ورئيس مكتب لصحيفة نيويورك تايمز في الشرق الأوسط ثم البلقان، كما عمل في مجالات إعلامية أخرى. نشر له الحوار المتمدن تحقيقا حول محنة المحامي دونزيغر مع الاحتكار النفطي، تشيفرون، كسب ضده قضية تدمير البيئة بالأكوادور، فرد الاحتكار بقضية تآمر فيها النظام القضائي والشرطة والإعلام في الكيد للمحامي. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=690546

في هذا الموضوع يقدم كريس هيدجز تقريرا عن القاعدة الانتخابية لترمب ، مكنها خلال إدارته من المحكمة العليا ومن النظام القضائي وتعاون معها في تشييد نظام فاشي بالولايات المتحدة. اطلق هيدجز على القاعدة الانتخابية تسمية "المسيحيين اليمينيين" والمسيحيين الفاشيين"، ومرة نقل عنهم انهم "أصوليون"؛ والغرابة انه تجاهل اسمهم الأصلي "المسيحيون الصهاينة"، تبنوا المشروع الصهيوني بالكامل ونجحوا في فرض قوانين بمعظم الولايات الأميركية تجرم انتقاد إسرائيل، وإرضاء لهم نقل ترمب السفارة الى القدس وطرح صفقة القرن. اغفل الصحفي لسبب او أسباب الارتباط العضوي للمسيحيين الفاشست بالصهيونية ودولة إسرائيل.

فيما يلي تقرير كريس هيدجز مترجما عن الإنجليزية:

جميع الحركات الفاشية الشمولية تستر أنظمة معتقداتها المنحطة بغلالة رقيقة من الأخلاقية الدينية. اليمين المسيحي يرضيهم أن تتركز حملتهم من أجل تعيين آمي كومي باريت مرشحتهم للمحكمة العليا كي تدور حول معارضتها للإجهاض وعضويتها في منظمة كاثوليكية يمينية متطرفة (اناس يستحقون المديح) تمارس [كومي] طقوسا تصدر أصواتا تعزوها الى روح مقدس.

وما لا تود المسيحية المتطرفة ان يطرح للجمهور خضوع آمي الحقير لمصالح الشركات الكبرى، وعداؤها لمصالح  العمال وللحريات المدنية والاتحادات العمالية وحركات الحفاظ على البيئة. نظرا لكون الحزب الديمقراطي مملوكا لنفس الطبقة المتبرعة بالمال السياسي، شان الحزب الجمهوري، وحيث ان الميديا استبدلت منذ زمن بعيد الحروب الثقافية بالسياسة، فإن اخطر ما يمثله تعيين آمي بالمحكمة العليا يظل مغيبا.

ان الحركات الفاشية والشمولية جميعا تستر نظم معتقداتها بغلالة من الأخلاق؛ فهي تعلن التقوى، والسعي لاستعادة القانون والنظام، الصحيح والخطأ، طهارة الحياة الفضائل المدنية والأسرية، الوطنية والتقليد، وذلك بهدف التستر على تفكيك المجتمع وإسكات واضطهاد كل من يعارضهم.

تلك هي اللعبة التي يلعبها الفاشيون المسيحيون، الذين راحوا يشكلون منذ سبعينات القرن الماضي جمعيات  ومؤسسات تمول بعشرات ملايين الدولارات، من تبرعات الشركات الكبرى، كي يستولوا على السلطة.

[معلوم أن الفاشية في إيطاليا والنازية في المانيا تدفقت عليهما تبرعات الشركات الكبرى بملايين الدولارات.] دونالد ترمب، بلا إيديولوجية، سمح لليمين المسيحي ملء فراغه الإيديولوجي؛ إنه الأبله المفيد. واليمين المسيحي يغرق بأموال الشركات الكبرى المدركة لغاياتها السياسية الحقيقية، عازم في الانتخابات الحالية على استخدام كل أداة، بغض النظر عن أسلوب المخادعة، من ميلشيات اليمين المسلحة، الى عدم شرعية الاقتراع، لمنع بايدن ومرشحي الحزب الديمقراطي من الوصول الى السلطة. الطريق الى الاستبداد معبدة دوما بالتوجهات اليمينية. وهذا ما سيحدث بالولايات المتحدة.

الرأسمالية تخالف أخلاقية رسالة المسيح من خلال انحرافين، تعظيم الأرباح وتخفيض كلف الإنتاج عن طريق الجور على حقوق العمال وأجورهم؛ وهي أيضا مخالفة لتعاليم التنوير ، كما شرحها إيمانويل كانت.

غير ان الرأسمالية، بأيدي الفاشية المسيحية، اكتسبت مسحة اجتماعية على شكل رسالة الرخاء، اعتقاد زائف بان المسيح جاء متجاوبا مع المادية، يبارك المؤمنين بالثروة والقوة[وهكذا يعظ دعاة الإسلام].

رسالة الثراء تبهج الشركات الكبرى التي نفذت انقلابها بالحركات البطيئة. ولهذا نجد الشركات الكبرى مثل تايسون فودز، التي عينت زعماء اليمين المسيحي في مشاريعها، بوردو، وال – مارت وسامز ويرهاوس، الى جانب عدد آخر من المؤسسات تصب الأموال في الحركة ومؤسساتها مثل ليبرتي يونيفرسيتي  ومدرسة الحقوق باتريك هنري. ولهذا تقدم الشركات الكبرى ملايين الدولارات لجماعات مثل شبكة الأزمة الحقوقية  وغرفة تجارة الولايات المتحدة كي تنفذ حملات من أجل تعيين آمي باريت في المحكمة العليا. أصدرت باريت أحكامها باضطراد لصالح الشركات الكبرى لكي تتحايل على العمال بصدد العمل الإضافي، و هي تشرعن استخراج الوقود الأحفوري والتلوث وتعطل حماية المستهلكين من غش الشركات الكبرى. وجدت (ووتش دوغ اكاونتابل .يو إس) أن باريت وهي قاضية في  محكمة سيركوت [محاكم في الولايات المتحدة تطلب من القاضي السفر بين المناطق بقصد التقصي والتحقق] أن باريت "واجهت 55 قضية على الأقل رفعها المواطنون ضد الشركات الكبرى وانحازت في 76بالمائة منها لجانب الشركات الكبرى".

رؤيتها للكثلكة تتعارض مع مواقف البابا فرانسيس والتعاليم المسيحية التقليدية حول حقوق المرأة، وحقوق الاقتراع وحقوق المهاجرين والرعاية الصحية وحماية البيئة. كما تعارض دعوات البابا للمسحوقين لأن يغيروا النظام الاقتصادي ويرفضوا ما أطلق عليه "الكولنيالية الجديدة" المفروضة من قبل نفوذ المال الخفي: الشركات الكبرى، وكالات الإقراض، معاهدات "تجارة حرة" معينة، وفرض إجراءات 'تقشف’، تضيق الخناق دوما على الفقراء والعمال." تحدث البابا عن 'الحقوق المقدسة’ للعمل، الإقامة والأرض. يقول أيضا أن الركض بلا عوائق خلف المال هو"خنفساء او جعران الشيطان"، وبسياط النقد جلد الأمم الصناعية على استغلال المواد الخام ولنشاطها في الدول النامية. البابا فرنسيس حذر مرارا من ان الوقت ينفذ بسرعة قبل انقاذ كوكبنا من أضرار بالنظام البيئي ربما يستحيل علاجها . "عدم الخوف من القول: نريد التغيير، تغيير حقيقي، تغيير بنيوي"، كما قال البابا، منددا بنظام " فرض ذهنية الربح بأي ثمن، دون أدنى اهتمام بمغبة الإقصاء  الاجتماعي او تدمير الطبيعة".

ان هذا النظام لا يطاق: العمال الزراعيون يرونه غير محتمل، العمال يرونه غير محتمل، جمعيات تجده لا يطاق، الشعب لا يطيقه. الأرض نفسها- امنا الأرض، حسب تعبير القديس فرنسيس- أيضا تجده لا يطاق".

أما آمي باريت، فبتدين، شان بقية المسيحيين الفاشست، تخلص في خدمة كل ما يدينه البابا؟

غلالة إيديولوجية

هذه الشركات الكبرى لا تدين الإجهاض، أو امتلاك السلاح أو طهارة زواج الرجل بالمرأة؛ لكنها مثل الصناعيين الألمان دعموا النازيين، يعلمون ان اليمين المسيحي يقدم الغلالة الإيديولوجية لطغيان الشركات الكبرى الذي لا يرحم. هذه الاحتكارات تنظر الى الفاشيين المسيحيين بنفس نظرة الصناعيين الألمان للنازيين. هم يعون ان الفاشيين المسيحيين سوف يهدمون ما تبقى من ديمقراطيتنا المصابة بفقر الدم، والنظام الطبيعي والبيئي. لكنهم يعلمون أيضا انهم سوف يجنون أرباحا طائلة في هذه السيرورة، بينما يتم الدوس بلا شفقة على حقوق العمال والمواطنين.  

ان كنت فقيرا، إن عزت عليك الرعاية الطبية، اذا خفضت الأجور وإذا هبطت الى الطبقات الدنيا،  وإذا كنت ضحية العنف البوليسي، فذلك، طبقا للأيدلوجيا المسيحية اليمينية،  لأنك لست المسيحي الطيب، ولم يباركك الرب. وحسب نظام الاعتقاد هذا فأنت تستحق ما تناله. ما من خطأ، فهؤلاء الفاشست المسيحيون نبتوا في التربة المحلية ويمارسون دعوتهم مع هياكل القوة او أنظمتها. انها تعويذة "اخدم نفسك"، التي صنعت معلمي حرف، من امثال أوبرا وطوني روبينز اصحاب ثروات باعتبارهم صوت الرب. الفاشيون المسيحيون يتحالفون مع منظمات مثل المجتمع الفيدرالي، عينوا اثنين في المحكمة العليا- نيل غورسوخ وبريت كافانا – وكذلك حوالي المائتي قاض آخر مدى الحياة في المحاكم الفيدرالية خلال فترة ترمب الأولى، ويزعمون انهم "أصوليون" صارمون. يتبنى الأصوليون فكرة ان النص الدستوري ثابت وعصي على التفسير. ويستنكر الأصوليون الحقوقيين ممن يتبنون فكرة أن القانون الدستوري يجب أن يستجيب لتغيرات الظروف والقيم . ولدى الأصوليين خمسة أعضاء في المحاكم العليا للجمعيات الفيدرالية. باريت ستكون السادسة( اثنان منهم، كلارينس ثوماس وانطونين سكاليا، يحظيان بدعم جو بايدن لدى التعيين).

لم يعد المنهاج الحقوقي لليمين المسيحي يدور حول مفهوم الحقوق الإنسانية الشاملة، إنما حول اهتمامات  "المسيحيين المؤمنين بالكتاب المقدس"؟، أولئك الذين يفترض انهم كتبوا الدستور. شرائح كبيرة من الجمهور محرومة من الاستحقاق الأخلاقي والحماية القانونية. هذه العملية تتم بصورة تدرجية ، وهي في الغالب غير مرئية.

أفضل دعاية

 جوزيف غوبلز، كان وزير دعاية النازيين (هاينريخ هوفمان). وبصفته المشرف على الدعاية ادرك: "ان أفضل دعاية هي تلك التي تعمل بصورة مخفية، كما كان يجري حينذاك، تخترق الحياة بمجملها دون ان يدري  الجمهور مبادرة الداعية.

 أما فيكتور كليمبيرير، الذي فصل عام 1935 من وظيفته كأستاذ للغة الرومنسية بجامعة درزدن بألمانيا،  بسبب ديانته اليهودية، فقد لاحظ بعبقرية ان النازيين في البداية "غيروا القيم، تردد الكلمات في الأحاديث اليومية، (ثم) حولوها ملكية عامة، كلمات كان ينطق بها أفراد او جماعات صغيرة. صادروا المفردات لصالح الحزب، أشبعوا الكلمات والعبارات والجمل بسمومهم. صنعوا لغة تخدم نظامهم الرهيب. استولوا على الكلمات وحولوها أدوات الدعاية القوية (ويريبميتل) فاجأوا بها الجمهور وبسرية تامة." ولاحظ  كليمبيرير، ان الجمهور كان غافلا، بينما كان يجري إعادة تعريف المفاهيم القديمة.

ادرك هؤلاء المسيحيون الفاشيون المرض العميق الذي يجتاح المجتمع الأميركي. وهم يعرفون كيف يستغلون التداعي الأخلاقي والفيزيقي، كما يدركون ما يخلفه من قنوط، كي يُغْروا أتباعهم بصيغة الاستبداد الذي يحاولون فرضه.

هم ليسوا مخطئين حين يهجون القسوة والفساد والفراغ ونفاق النخب الحاكمة،  خاصة نخب الليبراليين. وليسوا مخطئين حين  يسخرون من النسبية الثقافية، ومن الفكرة القائلة ان الطيب والشرير، الصحيح والخطأ، الحقيقة والزيف غير موجودين. فذلك جزء من السخرية الحزينة أن اليمين المسيحي يستغل بفعالية النسبية الثقافية كي يستولي على السلطة. إن تخلف الكنيسة المسيحية الليبرالية عن التنديد باليمين المسيحي بصفتهم هراطقة، باسم التسامح والنسبية الثقافية، قد منح الفاشيين المسيحيين الشرعية الدينية. في ذات الوقت يبذل اليمين المسيحي مساعيه لنزع الشرعية عن الكنيسة الليبرالية بصفتهم أعداء للمسيح، وقد بيّن التاريخ ان من غير الحكمة التسامح مع من لا يتسامح. [في الحلقة التالية معطيات فكرية ووقائع تاريخية تؤكد تعاون الليبرالية مع اليمين لدعم الفاشية، نظرا لتفضيل البديل الفاشي من قبل الاحتكارات، التي ينصاع لها الليبراليون.]

الفاشيون المسيحيون، شأن جميع الحركات الفاشية، تخلق حقيقتها الخاصة. تنفي مصداقية الحقيقة التي يمكن التحقق منها، والعلم والقانون، تعِد بعالم جديد وعظيم، عالم التجدد الأخلاقي والرفاه. تعد بخالق يقوم بالمعجزات للمؤمنين ولأميركا. تدعو الأتباع هجر عالم السبب والنتيجة لتحل بدلا منها عالم السحر. ومثل جميع الأنظمة الشمولية تقمع المسيحية الفاشية العالَم القائم على الحقيقة.

ترمب يزرع

زرعت إدارة ترمب الفاشيين المسيحيين في المراكز العليا للحكومة، بما في ذلك مايك بنس نائبا للرئيس، مايك بومبيو وزيرا للخارجية، بيتسي دي فوس وزيرة للتعليم، بن كارسون وزير إسكان وتنمية الحضر، وليام بار مدعيا عاما، نيل غورسوخ وكافيناه للمحكمة العليا ، والإنجيلية باولا وايت مسئولة مبادراته للعقيدة والفرص.

منح ترمب اليمين المسيحي حق النقض وسلطة التعيين للمراكز الرئيسة بالحكومة ، خاصة المحاكم الفيدرالية [ماذا يتبقى من حرية القضاء او استقلاليته؟!]. جميع القضاة تقريبا ممن عينتهم إدارة ترمب جرى انتقاؤهم من قبل الجمعية الفيدرالية واليمين المسيحي. والعديد من المتطرفين الذين نفذوا التعيينات القضائية اعتبرتهم جمعية الحقوقيين الأميركيين غير مؤهلين. والجمعية اكبر ائتلاف من الحقوقيين غير المنحازين.

اعتنق ترمب اسلاموفوبيا اليمين المسيحي لمنع هجرة المسلمين والتخلي عن تشريعات الحقوق المدنية. وشن ترمب حربا ضد حقوق الإنجاب أو الحقوق الإنجابية، وهي حقوق وحريات محمية قانونياً تتعلق بالإنجاب والصحة الإنجابية، وذلك من خلال تقييد حق الإجهاض والكف عن تمويل تنظيم النسل. أقر تمويلا خاصا للمدارس المسيحية؛ نزع الحاجز الفاصل بين الكنيسة والدولة ، حيث الغى تعديل جونسون، الذي يحظر على الكنائس، المعفاة من الضريبة، من تأييد المرشحين السياسيين.

وباستمرار يلجأ المسئولون من اليمين المسيحي، امثال بومبيو، دي فوس، وبينس الى تبريرات من الإنجيل لقرارات سياسية، بما في ذلك ما يتعلق بالبيئة، الحرب، تخفيض الضرائب واستبدال المدارس العامة بمدارس خاصة، وهو تصرف يسمح بنقل أموال التعليم بالمدارس الفيدرالية الى مدارس خاصة" مسيحية".

المدعي العام، باريت، يسد ثغرة أخرى بالجدار. ولسوف يشيدون جدارهم بوجود ترمب او في غيابه.  المسيحيون الفاشيون لم ينتهوا، طوبة على طوبة يشيدون دولة  مسيحية فاشية.

(يـتـبـع.. الحلقة الثانية)