2020-10-23

“أردوغان” .. ذاكرة الاستعمار

| فريدة النقاش

يستطيع من يتابع مواقف السلطة التركية والرئيس “إردوغان” أن يكتشف كيف أن ذاكرة الإمبراطورية العثمانية، والاحتلال التركي للبلدان العربية لم تغادر أبداً وعي ولا أحلام “إردوغان” والتي كثيرا ما تتحول إلى أحلام يقظة، لكنه يظل على اقتناع تام بقدرته على تحقيقها رغم كل شيء، فهو على يقين أن استعادة ما يعتبره هو “العصر الذهبي” للإمبراطورية العثمانية، يزال ممكنا، بل إنه القضية الأولى على جدول أعماله.

وبناء على هذا التصور الوهمي تحتل تركيا أجزاء من العراق وسوريا وتمد بصرها إلى المتوسط طامعة في ليبيا ويبرم “إردوغان” إتفاقية مع “فائز السراج” مكنته من إرسال جيوشه إلى هذا البلد العربي مستهدفا في المقام الأول إزعاج “مصر” ومحاصرتها .

وكانت الخلافة التركية قد انشغلت في مطلع القرن التاسع عشر باستغلال مصر واحتلابها على حد تعبير “رجائي عطية” نقيب المحامين المصريين في مقالاته عن التركية العثمانية، والتي يكشف فيها عن التاريخ المظلم والدامي للغزو التركي للبلدان العربية، وهو التاريخ الذي يقدم مادة بالغة الثراء لكتاب الدراما، الذين بوسعهم لو انتبهوا له أن ينتجوا أعمالاً تاريخية غنية، يمكنها أن تواجه بالحقائق ما تقوم به الدراما التركية التي تجتاح بلدان الوطن العربي جنبا إلى جنب البضائع الأخرى، ولا تجد هذه الدراما، للأسف الشديد، متابعة نقدية لائقة تضعها في المكان الصحيح ضمن هذا التراث التركي البغيض، وتعرية حقائقه أمام الأجيال الجديدة التي اعتادت غالباً أن تحصل على معلوماتها من وسائل التواصل الاجتماعي كشذرات متفرقة، بينما تبقى الحقائق الكلية، والشاملة قابعة في بطون الكتب مادة للتخصص وللباحثين الذين يعدون رسائلهم الجامعية، وهو ما يطرح علينا مجدداً مسألة علاقة البحث العلمي بالمواطن العادي، وبقدرة هذا البحث على الإسهام في صناعة الرأي العام، وإضاءة المناطق العمياء في التاريخ الإنساني كله، وفي موضوعنا هذا نحن أحوج ما نكون للقضاء على عملية تزييف الوعي حول تاريخنا وما حدث فيه حقيقة لا تزويراً .

اعتاد المتاجرون بالدين أن يستبعدوا الغزو التركي للبلدان العربية من القائمة الاستعمارية المتعددة البلدان والمنابع والأفكار لأن الاتراك هم مسلمون، ولا يجوز في زعمهم أن نتعامل معهم بنفس المعايير والمواقف مثلما تعاملنا مع الاستعمار الآخر غير الإسلامي .

ولا يدرك الحالمون الأتراك بعودة الخلافة وما يسمونه مجد الاستانة مدى تغير وعي الشعوب التي طالما تطلعت للانعتاق لا فحسب من قبضة الاستعمار أيا كانت جنسيته أو أشكاله، وإنما تطلعت أيضاً عبر المقاومة المبدعة ومتعددة الأشكال إلى القضاء على الاستغلال، ومبكرا جدا عرفت هذه الشعوب زيف الاستغلال الشكلي، ولم تتقبل مفهوم العلم والنشيد القومي فقط كعلامات على التحرر والاستغلال .

يتجاهل “أردوغان” كل هذا وهو يعيش في أحلام اليقظة يغذي رؤيته الرجعية لعودة الخلافة، يفعل ذلك وهو يلغي كلية ما استقر في ضمير شعوب المنطقة من ذاكرة الاستعمار التي طالما اقترنت بالمقاومة .. ولا ينسى اليونانيون حتى هذه اللحظة كيف أن مقاومتهم للغزو التركي الذي ضرب بلادهم المتحضرة العريقة أن هذه المقاومة الباسلة قد جذبت إليهم واحداً من أفضل شعراء عصره . وهو الشاعر الرومانسي اللورد “بايرون” الذي قاتل مع المقاومة اليونانية .

ومالا يعرفه الكثيرون عن الأوضاع في تركيا الآن بعد الانقلاب الفاشل الذي حدث عام 2016 هو أن “أردوغان” أخذ يبني نظاماً إستبداديا بكل المعايير بينما تتراجع الليرة التركية بانتظام وتتردى الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية، وتفتح السجون والمعتقلات أبوابها لآلاف المعارضين، يقدر البعض أن عددهم تجاوز الستة آلاف مواطن.

وبتقاربه مع ” قطر” يجد ”أردوغان” كنزاً من الأموال في محاولة للخروج من الأزمة الاقتصادية، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي رفضه لانضمام تركيا، ويبرر الاتحاد الأوروبي موقفه هذا باعتراضه أساساً على تعامل “أردوغان” الوحشي أحياناً مع الأكراد منطلقاً من تعصب قومي تركي بغيض أدى إلى القتال في أحيان كثيرة مع الأكراد بعد أن كانت السلطات التركية قد نجحت في اصطياد زعيم حزب العمال الكردستاني “عبد الله أوجلان” المسجون الآن مدى الحياة في جزيرة “مرمرة”.

يرى بعض المحللين أن الصراع في منطقتنا الآن يدور بين عدة قوميات، القومية العربية، والقومية الفارسية، والقومية الصهيونية المدعاة والقومة التركية، والمساواة بين هذه القوميات الأربعة هو عمل غير عادل وغير علمي لأن القومية العربية هي في موقع المجني عليه، إذ تتطلع “إيران” لتمديد نفوذها في المنطقة العربية بعد أن أصبح لها موطأ قدم في عدد من البلدان، وتحتل تركيا بالفعل أجزاء من العراق وسوريا، وتحتل إسرائيل كل فلسطين وهضبة “الجولان” وتدعي أن اليهود يشكلون قومية عائدة بتاريخ الحضارة إلى الخلف.

ولا يبدو أن هناك بديلا أمام العرب إلا استعادة روح المقاومة في مواجهة ذاكرة الاستعمار التي تجنيها كل هذه الأطراف، وعلى رأسها “أردوغان” ولأننا لسنا في زمن المقاومة المسلحة فإن هناك مساحات شاسعة لكل أشكال المقاومة الأخرى وعلى رأسها ثقافتنا التي تكونت فيها على مر التاريخ ولكثرة ما عانينا من أشكال الاستعمار عناصر قوية لهذه المقاومة المنشودة، فالعرب لا يتطلعون لاحتلال أي من بلدان جيرانهم بل إنهم هم بثرواتهم وتاريخهم وثقافتهم موضوع طمع الآخرين، وإن كانت بلداننا قد قطعت أشواطاً كبرى على طريق الاستقلال فلا تزال لديها طاقات كامنة عليها أن تعرف كيف تستثمرها دفاعاً عن نفسها .