2020-10-23

لبنان: 17 تشرين حلم شعب سوف يتحقّق **

| د. حسن خليل *

لم تكن انتفاضة 17 تشرين مجرّد ردّة فعل عفوية على قرار وزير بزيادة بضعة سنتات على تعرفة هاتفية. كما لم تكن نزوة أو نزهة أو حلماً، ومَض ثم انتفى. لقد جفّ حبر الأقلام، وبُحّت الحناجر من الصراخ وهي ترسم مسارات تلك الانتفاضة وتتحدّث عنها؛ لقد استحضروا كل ما اختزنته عقولهم من مفردات وما ملكت أيمانهم وهم يسلخون جلد تلك «المولودة المستجدّة»، التي خاصموها حدّ التخوين وأحبوها حدّ الاختناق. وعلى ذلك مضوا غير آبهين بما فعلوه ولِمَ. لقد كانت انتفاضة تشرين، وبكل بساطة، الرد الطبيعي على سياسات وسلوكيات قامت بها منظومة سياسية - مالية متحكّمة ومرتهنة بجزء كبير منها لمشاريع، تتأرجّح بين الخارج والداخل؛ بعضها قامع والبقية مرتبكة.

لقد لامست بشموليتها حدّين أرعبا ركائز الحكم في لبنان: الأول، التمدّد الأفقي، والذي كسر حواجز المناطق والطوائف وتخطّى حدود الفدراليات اللبنانية المرسومة، بفضل نظامها السياسي الطائفي - المذهبي، والثاني، امتلاكها خطاباً سياسياً، وإن بتفاوت، كسر محرمات «الغيب المسيطر» على المشهد السياسي اللبناني الذي أعطى الحصانة لقضايا وأشخاص، كما لو أنهم من خارج المشهد: لا مسَّ بهم، ومن دونهم لكم ما تشاؤون.

لقد واكبت هذه السنة من عمر تلك «المستجدة»، أحداث وتطوّرات، مدّ وجزر ومقالات وتخوين وتحريض وكذب وافتراء... غطّت على فضاءات العالم اللامتناهي، وسيأتي اليوم الذي سيُقال فيه ما كان يدور خلف الغرف المقفلة عن اجتماعات مع قوى سياسية، ماذا كانت تقول وتطلب وتقترح، في الوقت الذي كان فيه أزلامها أو المفترض أنهم كذلك، يدورون ويجولون ـــــــ وهم للمناسبة من صغار القوم والكتبة الذين يعملون على الفاتورة ـــــــ يكيلون الشتائم للمنتفضين في الشوارع، ينعتونهم بالعمالة واسترضاء الخارج واستجلابه. هي درب تلك السنة الخصبة بكل أنواع التفنّن: من الإبداع والصمود في الساحات، إلى فرز الصحيح من الرديء وصولاً إلى كشف مرتزقة الوجوه الصفراء، الذين يعملون لمصلحة ولي الأمر وصاحب السلطة والمال، وفي أحيان كثيرة، كان أصحاب ذلك الأمر ينكرونهم ويرذلون قولهم!

هي سنة حافلة، لها ما لها وعليها ما عليها، جردة الحساب هنا ضرورية؛ فالبناء على الصحيح مطلوب استكماله، وتصحيح المعوجّ، في ما لو حصل، أيضاً مطلوب تقويمه. لقد استفاق الشعب اللبناني صبيحة اليوم التالي لـ17 تشرين، على مشهد من نوع آخر؛ ساحات لبنان وبلداته وقراه ومدنه تغص بجموع الناس الغاضبة، تهتف لإسقاط المنظومة، وفي المقابل، اتصالات سياسية تبارك ما يجري، مغتبطة فيه حدّ التبنّي، أو التي تسأل عن الذي يجري وما هي آفاقه. لقد دلّت تلك الصبيحة على أنّ ثمة مفاجأة حاصلة، لم تكن منظومة السلطة التي تحكّمت في إدارة البلد، منذ «الطائف» حتى اليوم تعتقد بها، ولم تكن تدرك أنها آتية. فبعدما أنهكت الشعب اللبناني بالفقر والجوع والديون والفساد، وصادرت قراره الجامع وحوّلته إلى شيعٍ ومذاهب يتحكّم بها أصحاب الكعب العالي، السياسيون منهم أو الدينيون، وبعدما أُهدرت كلّ مقوّمات اقتصادهم ودفعتهم إلى الهجرة أو التسكّع على أبواب الأمراء والسلاطين منهم، كي يمنّون عليهم ببعض من فتات موائد اللئام لاستثمارها في معارك وهمية، انتخابية كانت أم غيرها، وبعدما صادروا الحركة النقابية وأغرقوها بنقابات وهمية وغب الطلب، وشرذموا ما تبقّى... بعد كلّ هذا، لم يكونوا متوقّعين أن ثمة همّة بقيت لدى شعب أضناه الفقر والعوز وعدمته الحيلة من أن ينتفض.

هو واقع مختلف استفاقوا عليه مذهولين؛ راحوا يسألون ويتبنّون ويرفضون وينكرون ويقمعون ويضربون ويقفلون المناطق والأحياء... وهذا الأمر موجود وموثّق ومعلن. مواقف القوى السلطوية كانت تنتقل من حدٍّ إلى آخر، ومن موقف إلى نقيضه، ومن سلوك مسؤول إلى آخر أرعن وغير ودّي. لقد كنّا في تلك الصبيحة، التي امتدت لأيام ثلاثة، نتابع، من جهة، تطوّر الموقف على الأرض وضبط الخطاب السياسي، ومن جهة أخرى، منع أصحاب العقول الميليشيوية من الاعتداء على الساحات، وفي العديد من المناطق.

لقد كان ذلك الفجر رائعاً؛ فالساحات عبّرت عن خيارها بشكل واضح لا لبس فيه؛ المشكلة كانت، برأيهم، في طبيعة النظام السياسي وتبعيّته، وفي انتهاج سياسات الدَين وتراكمه والعجز عن سداده. المشكلة كانت كامنة في الإدارة السياسية ـــــ الاقتصادية المتوارثة والمتبعة، والتي كانت مبنية على أوهام سلام مزعوم ومشتبه فيه ولوظيفة محددة مسبقاً، وأيضاً في عقلية استعلائية فوقية، تنفّذ مشاريع الخارج بأدوات الداخل وبتواطؤ معلن ومكشوف، مرتكزة إلى طبيعة نظام سياسي قائم لتنفيذ مثل تلك السياسات كي يبقي البلد مرتهناً للخارج، كل الخارج. هنا كان مكمن العلة، وليس في مكان آخر. لم يخطئ الناس في خياراتهم، بل كانوا شديدي الوضوح؛ لقد كانوا يأملون من قوى سلطوية وبعينها، أن تنحاز إليهم كي تفرض معادلات جديدة، تمنع إلحاق لبنان بمشاريع دولية مشتبه فيها، عملت في منطقتنا منذ غزو العراق، عام 2003، واستكملت مشروعها بعدوان تموز، عام 2006. هنا كان التحدي، وعليه كان يجب أخذ القرار الصحيح؛ من المؤكّد أنْ ثمة أناس في هذا البلد كانت لديهم ارتباطات بعكس ما أشرنا إليه سابقاً، لكن، وياللأسف، كانت تُخاض، بالتحالف معهم، انتخابات نيابية وبلدية وقطاعية ونقابية ومن موقع «الشريك في الوطن»، وهي الكلمة المحبّبة لأركان المنظومة، وكانت أيضاً حكومات «الوحدة الوطنية» لا تقوم إلّا معهم وبهم، وإذا جاء مواطن ليحتجّ على ذلك الانفصام أو التناقض، كانت جموع المذاهب والطوائف لهم بالمرصاد، وكهبّة رجل واحد كانت تقوم لقمعهم. هنا كان يجب أن تكون الرؤية أكثر جرأة والوجهة أكثر وضوحاً، وهذا الكلام قيل لمن هم بالأمر معنيّون، ولكن الجواب كان دوماً متناقضاً، ما بين ما يُقال في الغرف وما يُترجم في الشارع.

لها، أي لهذه الانتفاضة، اتّساعها وشعارها وشموليّتها وعدم الخطأ في القضايا الكبرى والرهان على بعض أطراف السلطة الذين لم يتلوثوا في أوكار الفساد. لها، صمودها الأسطوري في بلد لم تتورّع سلطته الحاكمة عن فعل كل موبقات الأرض كي تروّض الجمهور، وقد نجحت، مرات عديدة بذلك. لها، أنها حاولت تقديم محاولة حيّة، وفي كلّ ساحاتها، بأنّ الفرز لا يجب أن يكون مذهبياً أو طائفياً أو مناطقياً، وإن حاول البعض ــــــ القلّة، ذلك، قُمعوا وطُردوا، ليس من السلطة، بل من المنتفضين أنفسهم. لها، أنّ رهانها كان على الشعب اللبناني، على فقرائه وعمّاله ومزارعيه وموظفيه... هل كان هذا عملاً عدائياً؟ لها، أنها لفظت من استسهل الرهان على الخارج واستقوى به، كانوا موجودين ولكن قلّة ومحصورين. لكن، وفي المقابل، لماذا كانت تُفرد لهم الشاشات والمقابلات والكلام والانتقاد... أليس في هذا ما يشجّعهم ويعطيهم المساحة الأوسع في الإعلام؟ وألا يعدّ هذا تواطئاً أو عملاً مشتبهاً فيه؟ أليس هذا العمل مقصوداً؟ لها، أنها كسرت هيبة الزعيم الأوحد وعرّت نظام الزبائنية. لها، أنها منعت أيّ مسؤول في الدولة من حرية التبختر في الشارع بمواكبه وحرّاسه وزبانيته، ومن مال الشعب اللبناني وعلى حسابه. لها، أنها ردّت للمواطن اللبناني بعضاً من كرامة سُحقت على دروب آلام الارتزاق من منّة الزعيم عليهم بلقمة العيش والوظيفة والحماية المفترضة والولاء الأعمى. لها، أنها حمت ساحاتها من غزوتين تكمّلان بعضهما بعضاً: من أزلام المنظومة وصبيانها، ومن متسلّقي مطالب الناس وأحلامهم بالوطن الحر وبالكرامة الإنسانية، والمرتزقين من أموال مشغّليهم.

لهذه الانتفاضة، اتّساعها وشعارها وشموليّتها وعدم الخطأ في القضايا الكبرى والرهان على بعض أطراف السلطة الذين لم يتلوثوا في أوكار الفساد

عليها، في المقابل، تنوّعها الشديد الوضوح، واتّساعها لتعبُر كل أزقة البلد وشوارعه، تعبّر عن تناقضات المشهد الملتبس بين حدود الفدراليات الحاكمة، فحملت بعض مطالبها بشكل فئوي أو كما تمّ التعبير عن ذلك. عليها غياب المشروع السياسي الموحّد والبديل، والذي كان، من شبه المستحيل إنجازه بطريقة تواكب حركة الشارع واتساعها. نعم، هو واقع موضوعي لا يمكن القفز فوقه؛ لم تكن الجموع المنتفضة تهتف على مسار واحد، بل كانت مزيجاً من قضايا وطنية كبيرة، كمثل التصدّي لجر لبنان إلى خيارات سياسية تتماشى مع الانقسام الحاصل في المنطقة، أو طرح إسقاط النظام الحاكم فيه، من خلال تبديل الأكثرية بالأقلية أو بالعكس، وليس بضرب الأساس المذهبي للنظام السياسي القائم على ارتكازات خارجية، تندرج في ولاءات وتبعية مفرطة، تُفقد القرار السياسي الوطني مبرّر وجوده.

لقد كانت مطالب الجموع تترجّح من لقمة العيش بكرامة إلى الاستشهاد في سبيل حماية لبنان، ومن لقمة الخبز إلى مواجهة التبعية وكسر الهيمنة. هنا كانت المشكلة التي عجزت كلّ تنويعات الانتفاضة عن التعاطي معها بأريحية، ناهيك عن الانشغال بحماية ساحات الانتفاضة من خفافيش الليل والنهار؛ من قوى سلطوية معروفة ومن منتهزي الفرصة للسطو على أحلام الشعب اللبناني ومطالبه بهدف توظيفها في الميزان الخارجي لقوى ودول وهيئات معروفة بالاسم والعنوان. عليها، أيضاً، أنها راهنت على آنية سريعة تنقل بلداً مثل لبنان، جذوره تضرب وتغرز في وحول عميقة من التبعية والمذهبية والولاء الأعمى ومن مشاريع الهيمنة والوظيفة المُعطّلة، إلى خيار يغرد خارج تلك المسلّمات... إنّ عملية كسر بناء امتد على مئة عام، بهياكله المتعددة ودعائمه الداخلية والخارجية وبيوتاته المتنوعة... ليس من السهل على مواطنين، آمنوا بالتغيير خلاصاً من تلك المنظومة واستسهلوا سقوطها، أن يتمّوا الأمر بالسرعة المطلوبة: هو مسار وجب بناؤه كي ينتقل اليوم من الانتفاضة إلى الثورة.

هي سنة مرّت، تعبت الشوارع لكن لم تستكِن، بالأمس كانوا، وهم يسيرون رفضاً للمنظومة والوصايات والتدخّل الغربي وبالتحديد الأميركي؛ ديفيد شينكر وأمثاله، كانوا مرذولين في شعاراتهم كما دولتهم. كانوا يهتفون رفضاً لعودة الأمور إلى ما كانت عليه؛ ليس استعادة ما كان قبل 17 تشرين يا معالي السادة هو انتصار لكم، بل إدانة لكلّ كلمة قلتموها عن أحقية المطالب. هي رسالة خاطئة ترسلونها إلى الشعب اللبناني؛ التفاوض مع صندوق النقد الدولي ومع العدو الصهيوني على الترسيم، والاستجابة للمطالب الأميركية، هي أيضاً رسالة مشتبه فيها ترسلنوها إلى كلّ من وقف مع أحقية خيار المقاومة في التحرير والانتفاضة في التغيير، في ظلّ انهيار اقتصادي ومالي وسياسي. أليس هذا الانصياع، كفيل وحده بفرض الشروط السياسية؟

هي مواجهة مستحقَّة يخوضها اليوم الشعب اللبناني، وهي امتداد لمراحل ومحطات عديدة. لذلك، فإنّ الحل يبقى حصراً بيده وبيد قواه التي تعي جيداً صعوبة المواجهة وطبيعتها، وعليها بالتحديد سوف تقع مهمة المواجهة. على قوى التغيير الديموقراطي، التي كانت بالأمس في ساحاتها وبشعاراتها الواضحة وضوح الشمس، أن تتحمّل مسؤوليّاتها التاريخية في مواجهة الخطر المصيري والوجودي الذي يتهدّد لبنان، ومتابعة المواجهة وبكل الإمكانات المتاحة وبذل الجهود لإنجاز البرنامج السياسي البديل، الجدّي والحقيقي، بهدف فرض الانتقال السلمي للسلطة من خلال حكومة انتقالية ومن خارج منظومة الحكم. على قوى الانتفاضة الوطنية تجميع طاقاتها وجهودها من أجل إقامة إطار سياسي موحّد، والإسراع في تنفيذ برنامجها البديل الرامي إلى تكوين سلطة بديلة تأخذ على عاتقها مهمة بناء دولة وطنية ديموقراطية قادرة وعادلة، كبديل لنظام المحاصّة والتبعية والارتهان للخارج، وعزل القوى المتسلّقة على الانتفاضة وكشف محاولات إمرار مشاريعها السياسية وفق أجندات خارجية. هذا ليس حلم ليلة خريفية، بل هو مسار نضالي صعب ومعقّد يلزمه مناضلون وليس شتّامين؛ أَما من نصير إضافي للشعب اللبناني بدل شحذ سكاكين الطعن في جسده المضرج بدمائه وفقره... الساحات ستجيب عن ذلك.

* عضو المكتب السياسي، مسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني

** نشر في جريدة الأخبار اللبنانية