2020-10-26

نهب الممتلكات الفلسطينية عام 1948 لم يكن عملًا فرديًا لبضعة جنود، إنها سياسة رسمية لدولة إسرائيل ما زالت قائمة ومستمرة

| إلياس نصرالله

أثار الباحث الإسرائيلي آدم راز في كتابه الجديد "نهب الممتلكات العربية في حرب الاستقلال" الصادر باللغة العبرية عن دار نشر كرمل، ضجة واسعة، ليس في إسرائيل، بل في الأساس في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، ووسائل الإعلام الفلسطينية والمواقع الفلسطينية على شبكة التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام العربية، وأؤكد على بعض، لأن غالبية وسائل الإعلام العربية مشغولة هذه الأيام في تمجيد عملية التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج وتلميع رموزها، إلى جانب القليل من وسائل الإعلام الأجنبية، الموالية في غالبيتها لإسرائيل والمشغولة في الوقت ذاته بقضايا مصيرية مثل حملة الانتخابات الأميركية وأزمة الكورونا التي تحصد أرواح الناس بشكل مستمر.

يبدو أن ما كشفه راز كان بالنسبة للإسرائيليين مجرد خبر عابر، إذ أن الإسرائيليين لم يعودوا يأبهون بفضائح حكوماتهم وسياسييهم التي تتعلق بنهب الممتلكات الفلسطينية عقب استمرار عمليات النهب بأشكال متنوعة على مدى أكثر من 72 عامًا، خصوصًا بوجود رئيس حكومة إسرائيلية غارق لأذنيه في الفساد.

الفلسطينيون هم الأكثر اهتماماَ بما كشفه راز، لأنه يحكي كيف نهب اليهود ممتلكات أو مقتنيات المنازل الفلسطينية إبان النكبة في المدن والقرى التي أفرغت من أصحابها وتحولوا إلى لاجئين. إذ تلقيت عددًا من الاتصالات من فلسطينيين أصبحت عائلاتهم في عداد اللاجئين في عام 1948 استفسروا عن كتاب راز وعن محتوياته. وكان هؤلاء قد قرأوا كتابي "شهادات على القرن الفلسطيني الأول" الذي صدر عام 2016 عن دار الفارابي في بيروت وأوردت فيه تفاصيل عن عمليات نهب وسطو بالقوة قام بها الجنود اليهود لأملاك عديدة ومنها أملاك تخص عائلتي، سآتي على ذكرها لاحقًا.

واضح أن راز وثّق ما أمكنه من عمليات النهب التي تعرضت لها منازل الفلسطينيين عام 1948، فأثار موضوعًا تجاهله الباحثون الفلسطينيون والمتضامنون معهم من مختلف الجنسيات، لكن في الوقت ذاته حرصت الحركة الصهيونية على التستر عليه وتشويهه قدر الإمكان، بالترويج لأكاذيب لا تنطلي على أحد، مثل أكذوبة أن الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم داخل إسرائيل عام 1948 هم الذين كانوا يسطون على المنازل في المدن والقرى المهجورة وينهبون محتوياتها، مثلما فعلت الكاتبة الصهيونية عدينا هوفمان في كتابها عن حياة الشاعر طه محمد علي.

ففي مقالي هذا أود إبراز حقيقة أن نهب الممتلكات الفلسطينية لم يكن عملًا فرديًا قام به مسلحون يهود في صفوف الهاغاناة بقيادة دافيد بن غوريون ولاحقًا الجيش النظامي الإسرائيلي، بل كانت سياسة رسمية لدولة إسرائيل التي أعلن عن تأسيسها في 15 أيار (مايو) 1948. وتأكدت هذه السياسة في حرب حزيران (يونيو) 1967، حيث تعرضت المتاجر في مدينة القدس لعمليات سطو ونهب على يد الجنود الإسرائيليين وشاهدت بأم عيني الأبواب المحطمة للمتاجر المنهوبة في البلدة القديمة في القدس المحتلة ووثقت ذلك في كتابي. كما أن الصحافة الإسرائيلية تحدثت بتوسع وبلا حياء عن عمليات الاستيلاء والنهب عام 1967 للمنازل الفلسطينية التي ظلت على حالها بعد الحرب عام 1948 لوقوعها داخل المنطقة الحرام التي كانت تفصل بين شقي مدينة القدس الغربي والشرقي وانتقال عائلات إسرائيلية للعيش فيها عام 1967 من دون إذن. ولتوضيح هذه الحقيقة والتأكيد عليها سأعيد هنا رواية ما حدث مع أملاك عائلتي المنقولة، أما الأملاك غير المنقولة، أي الأراضي والأبنية، فلها قصة أخرى. وسأقوم باقتباس فقرات من الكتاب لها علاقة بالموضوع.

قصة شركة باصات الكرمل

في كتابي "شهادات على القرن الفلسطيني الأول" رويت قصة شركة باصات الكرمل التي كانت قائمة في حيفا زمن الانتداب البريطاني على فلسطين. وهي شركة حافلات لنقل الركاب كانت تعمل في مدينة حيفا، وكان والدي مقيمًا في حيفا زمن الانتداب البريطاني فأصبح أحد المساهمين في الشركة، التي تأسست عام  1934 بمبادرة من المحامي حنا عصفور، إبن مدينة شفاعمرو، الذي كان له مكتب محاماة في مدينة حيفا وأصبح في عام 1935 عضوًا في مجلس بلديتها، واشتهر في دفاعه عن رجال المناضل السوري الشيخ عز الدين القسام الذين قاوموا الاحتلال البريطاني لفلسطين والاستيطان اليهودي فيها.

"كان حنا عصفور تزعم في النصف الأول من عقد الثلاثينيات من القرن الماضي تحركًا قام به الفلسطينيون في مدينة حيفا ضد المهاجرين اليهود الجدد، الذين بدأوا يتدفقون على المدينة واستوطنوا في حي الهدار، لمنعهم من السيطرة على حركة النقل داخل المدينة، إذ تقدم اليهود بطلب إلى بلدية حيفا وحكومة الانتداب البريطاني من أجل الحصول على ترخيص لإنشاء شركة حافلات لنقل الركاب (باصات) داخل المدينة التي اتسعت وانتشرت أحياؤها فوق جبل الكرمل شرقًا وغربًا".

وكما ذكرت في الكتاب "سارع حنا عصفور وعقد اجتماعًا حضره عدد من أبناء شفاعمرو واقترح عليهم تأسيس شركة نقل مساهمة لنقل المسافرين أطلق عليها اسم "شركة باصات محطة الكرمل المحدودة"، التي عُرفت لاحقًا باسم "باصات الكرمل" أو "باصات نمرة 5" نسبة إلى رقم خط السير، وفقًا للترخيص الذي صدر عن حكومة الانتداب البريطاني عام 1934. وبالفعل تأسست الشركة، وكان جميع المساهمين فيها من أبناء شفاعمرو من ضمنهم والدي لدرجة أن أبناء حيفا أطلقوا على هذه الشركة اسم "شركة أبناء شفاعمرو"، وأصبح حنا عصفور رئيسًا لمجلس إدارتها، وعُين كريم خوري سكرتيرًا لها".

وأقام والدي في حيفا منذ بداية الانتداب البريطاني على فلسطين إلى عام 1941 حين اشتعلت الحرب العالمية الثانية فعاد إلى شفاعمرو، وعندما وقعت الحرب عام 1948 انتقل إلى لبنان لمدة قصيرة ما لبث أن عاد بعدها إلى شفاعمرو. وإلى جانب السهم في شركة باصات محطة الكرمل، امتلك والدي سهمين آخرين في محطة ساحة الحناطير لسيارات الأجرة (التاكسيات)، وذلك إلى جانب عمله في مصفاة تكرير النفط التابعة لشركة نفط العراق (آي بي سي)، بعد افتتاحها قبيل انضمام بريطانيا إلى الحرب العالمية الثانية بوقت قصير.

عندما سقطت حيفا عام 1948 استخدم عدد من سائقي شركة باصات الكرمل الحافلات التي كانوا يعملون عليها، فخرجوا من المدينة والحافلات مليئة بالهاربين من أبناء حيفا إلى أن وصلوا إلى لبنان. و"كان جزء من باصات الشركة دُمّر في مقر الشركة في محطة الكرمل في بداية الهجوم المفاجئ الذي شنه اليهود على حيفا. وسيطر المهاجمون اليهود على عدد من الباصات التي بقيت في المقر، بعد سقوط المدينة، واستخدموها في حملتهم العسكرية وسلموها لاحقًا لشركة باصات "شاحر" اليهودية، فيما تمكن عدد من المساهمن في شركة باصات الكرمل من أبناء شفاعمرو من نقل عدد من باصات الشركة إلى شفاعمرو، قبل سقوط حيفا بقليل. واستجابت إدارة دير الراهبات في شفاعمرو بتقديم المساعدة لمساهمي الشركة، وبالاتفاق مع إدارة الدير تم فتح ثغرة كبيرة في السور العالي المبني من الحجر والمحيط بالدير وسط البلدة، وأدخلت منها الباصات إلى الساحة الخلفية للدير، وأعيد بناء السور من جديد حيث سُدت الثغرة بسرعة، كما رُفعت الباصات ووُضعت على أحجار وتم تفكيك عجلاتها التي أخفوها في كهوف تقع خارج شفاعمرو في مكان يطلق عليه إسم المحفرة، وذلك لمنع اليهود، في حال سقطت شفاعمرو في أيديهم، من الاستيلاء على الباصات، مثلما جرى للباصات التي بقيت في حيفا، وكانت الباصات موجودة في ساحة الدير عندما غادر والدي شفاعمرو، لكن عندما احتل اليهود شفاعمرو لم يكترثوا لحرمة الدير أو غيره، ولم يصغوا لتوسلات الراهبات، ودخلوا إلى ساحة الدير، فوجدوا الباصات من دون عجلات، فحاولوا عبثًا العثور عليها، ففتشوا الدير وعندما عجزوا في العثور عليها اتهموا الراهبات بالتواطؤ لإخفاء العجلات، لكنهم عادوا بعد بضعة أيام وأحضروا معهم عجلات أخرى تم تركيبها للحافلات، فهدموا السور وأخرجوا الحافلات وعددها تسع ووضعوها تحت تصرف الجيش الإسرائيلي في البداية، قبل أن يتم تسليمها إلى شركة "شاحر" اليهودية لنقل الركاب. وقدم الجيش الإسرائيلي رسالة رسمية إلى إدارة الدير يعترف فيها بمصادرة الباصات التسعة، وما زلت احتفظ بصورة عنها إلى اليوم".

شملت الخسارة التي مني بها أصحاب "شركة باصات الكرمل" لدى سقوط حيفا وشفاعمرو، فقدانهم مقر الشركة الذي ضم مكاتب الشركة وقاعة كبيرة للاجتماعات وورشات تصليح الباصات وكامل محتوياتهم من أثاث وأدوات عمل، بالإضافة إلى قطعة الأرض الكبيرة المجاورة التي كانت تستخدم موقفًا للباصات في الليل والتي لا تقدر بثمن، نظرًا لموقعها القريب من الميناء ومحطة القطارات الرئيسة الجديدة في حيفا قرب مفرق الألمانية مع شارع يافا.

علاوة على ذلك خسر والدي جراء النكبة سهمين وسيارتين كانتا تعملان في "محطة ساحة الحناطير" في حيفا وهي، كما حدثني والدي، أول محطة لسيارات الأجرة في المدينة، بدأ العمل بها إبان العهد العثماني عندما كانت الحناطير التي تجرها الخيل هي المستخدمة للسفر ونقل المسافرين لانعدام السيارات أو ندرتها في ذلك الوقت. "كانت الساحة التي تقع فيها المحطة تدعى في السابق ساحة الخمرا، نسبة لعائلة الخمرا التي كانت تملك الساحة في عهد الاحتلال العثماني، ثم أصبحت تدعى ساحة الحناطير، نسبة للحناطير التي كانت تقف فيها، والتي كانت تنقل المسافرين من حيفا إلى عكا وشفاعمرو والناصرة ويافا والقدس، ولاحقًا إلى بيروت ودمشق وغيرهما، علاوة على تقديمها خدمة للنقل داخل أحياء حيفا نفسها. واحتفظت الساحة باسم ساحة الحناطير حتى بعد أن تدفقت السيارات على فلسطين عقب الحرب العالمية الأولى وحلولها تدريجًا محل الحناطير في نقل المسافرين".

...واستولت الحكومة الإسرائيلية على الأملاك

لدى احتلال حيفا في عام 1948 ألغيت محطة ساحة الحناطير، كما ألغيت لاحقًا الساحة ذاتها من جانب بلدية حيفا وخُصص جزء منها كان يستخدم لوقوف السيارات لتقام عليه المحطة الرئيسة لقطار الأنفاق الذي بني في حيفا خلال الخمسينيات من القرن الماضي والذي أطلق عليه اسم "الكرمليت".

"كانت الباصات التي وصلت إلى لبنان موجودة في مكانين الأول في مدينة صيدا، والثاني في بيروت، ولم توافق الحكومة اللبنانية على تشغيلها وتحويلها إلى مصدر للدخل لمساعدة المساهمين الذين أصبحوا لاجئين في لبنان. ولم يكن المساهمون الموجودون في لبنان، ومن ضمنهم رئيس مجلس إدارة الشركة المحامي حنا عصفور، قادرين على اتخاذ أي قرار بشأن الحافلات، فيما سيطرت في حينه على عقول المساهمين الذي لجأوا إلى لبنان فكرة العودة إلى الوطن، واعتقدوا أن اللجوء القسري هو مسألة طارئة لن يطول أمدها كثيرًا، وسيعود اللاجئون إلى ديارهم وتعود معهم الحافلات أيضًا إلى حيفا. لذلك تقرر الاحتفاظ بها في مدينتي صيدا وبيروت إلى حين اتضاح الصورة".

"أذكر كيف كان الحديث يدور في مجلسنا عن حصول اليهود على تعويضات من ألمانيا عن الأضرار التي لحقت بهم خلال الحرب العالمية الثانية، مما شجع والدي على المطالبة باستعادة ما فقدته عائلتنا خلال الحرب عام 1948"..."شجع ذلك والدي وسعى بالاشتراك مع مساهمين آخرين في "شركة باصات محطة الكرمل"، منهم نديم السلباق (جارنا)، ونديم الأرملي، وأخوه فريد الذي ظل بعد النكبة مقيمًا في حيفا، إلى توكيل محام يهودي من حيفا يدعى تي تشيرنياك، كان معروفًا في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين وقيل أنه متمرس وقدير، للدفاع عنهم وتحصيل أملاك وأموال الشركة المصادرة. غير أن تشيرنياك أبلغهم لاحقًا أنه ليس بإمكانهم المطالبة بأملاك الشركة وهم أقلية بين المساهمين فيها، في حين أصبح غالبية المساهمين لاجئين في لبنان. فانهمك والدي مع النديمين في التفكير بمخرج من هذا المأزق، فكانت الجلسات تعقد في ديوان بيتنا على نحو شبه يومي للتباحث في الأمر. وتقرر أكثر من مرة إرسال رسائل إلى صديقهم رئيس مجلس إدارة الشركة المحامي حنا عصفور الموجود في لبنان مع عدد من المساهمين الآخرين للاستنجاد بهم من أجل التوقيع على تنازلات خطية عن حصصهم في الشركة لصالح المساهمين المقيمين في فلسطين ومن ضمنهم والدي والنديمين".

لم تسفر الاتصالات التي جرت بين الطرفين عن نتيجة فاستولت الحكومة الإسرائيلية على أملاك شركة باصات الكرمل من حافلات وأراضي ومبان ومحتوياتها إلى يومنا هذا. وفقد والدي أي أمل في تحصيل أي تعويض عن خسارته لأملاكه مثل التعويضات التي حصل عليها اليهود من ألمانيا. كان بإمكان الحكومة الإسرائيلية أن تعتبر نفسها قيّمة على أملاك الغائبين وتحتفظ لنفسها بحصص المساهمين الذين لجأوا إلى لبنان وهو ما فعلته مع أملاك عديدة للاجئين قد وضع القيم على أملاك الغائبين يده عليها وتصرف بها، وأن تعطي المساهمين الموجودين حصصهم، لكنها لم تفعل ذلك. أجل مارست الحكومة الإسرائيلية عملية قرصنة في وضح النهار.

فقصة ما تعرضت له أملاك عائلتي والعائلات الفلسطينية الأخرى من نهب والطريقة التي تصرفت بها الحكومة الإسرائيلية معها لهي دليل ساطع على أن المسألة ليست مجرد مقاتلين يهود أفراد أساؤوا استخدام موقعهم، بل هي سياسة دولة بأكملها. دولة قامت على أساس مصادرة أراضي الفلسطينيين وما زلت مستمرة بها إلى اليوم. دولة قامت على أساس تنظيف فلسطين عرقيًا، وتضع حكوماتها الخطط لتهجير الفلسطينيين، مرة إلى باراغواي، ومرة ثانية إلى سيناء، وثالثة إلى السودان، وأخرى إلى الأردن، وإلى العراق، والجزيرة العربية.

بن غوريون:"تبين أن معظم اليهود هم لصوص..."

فيما يلي اقتباس من تقرير نشره مؤخرًا الصحفي عوفر أديرت في جريدة "هآرتس"، حول كتاب الباحث أمنون راز الجديد

في 24 تموز 1948، بعد شهرين على قيام الدولة، قال رئيس الحكومة دافيد بن غوريون أشياء قاسية جدا عن المجتمع الاسرائيلي. "تبين أن معظم اليهود هم لصوص... أنا اقول ذلك بصورة متعمدة وبساطة. لأنه للأسف هذه هي الحقيقة". هذه الاقوال مكتوبة، حرفيا، في محضر جلسة لمركز مباي، المحفوظ في متحف حزب العمل. "أبناء الغور سرقوا! الرواد من بين الطلائعيين، وآباء ابناء البلماخ! وقد شارك الجميع في السرقة، الحمد لله، ايضا ابناء نهلال!... هذه ضربة شاملة. هذا أمر مخيف، لأن هذا يكشف بعض الخلل الاساسي. سرقة وسطو – من أين جاءنا هذا؟ لماذا ابناء البلاد، البناؤون والمنتجون والطلائعيون وصلوا الى هذه الاعمال؟ ما الذي حدث؟"، اضاف.

هذا المحضر عثر عليه مؤخرا المؤرخ آدم راز في إطار بحث لكتاب جديد من كتابته. والذي يتناول موضوع مشحون وحساس ومتفجر جدا: "سرقة الممتلكات العربية في حرب الاستقلال" (اصدار الكرمل، بمشاركة معهد عكفوت). المهمة التي اخذها على عاتقه كانت صعبة ومتحدية – يجمع مرة واحدة، في كتاب واحد، كل المعلومات الموجودة عن سرقة الممتلكات العربية من قبل اليهود في حرب الاستقلال، من طبرية في الشمال وحتى بئر السبع في الجنوب، من يافا وحتى القدس ومرورا بمساجد وكنائس وقرى منتشرة بين المستوطنات. لهذه الغاية استعرض جيدا حوالي 30 متحف في ارجاء البلاد وتصفح صحف تاريخية وقرأ ادبيات البحث الموجودة. النتيجة كانت صادمة.

"اجزاء كبيرة من الجمهور الاسرائيلي، مواطنون ومحاربون على حد سواء، كانوا مشاركين في سرقة ممتلكات الجمهور العربي"، قال في أحد المقابلات. "السرقة تفشت مثل النار في الهشيم في اوساط الجمهور اليهودي". حسب اقوال راز، السرقة شملت محتويات عشرات آلاف البيوت والحوانيت، المعدات الميكانيكية، المصانع، المحاصيل الزراعية، الاغنام وغيرها. وشملت ايضا: اجهزة بيانو، كتب، ملابس، مجوهرات، طاولات، اجهزة كهربائية، محركات وسيارات. النقاش حول مصير الاراضي والمباني التي تركها خلفهم الـ 700 ألف لاجئ عربي الذين هربوا أو طردوا في الحرب، يتركه لباحثين آخرين. في الكتاب الحالي ركز راز على الممتلكات المنقولة فقط. الممتلكات التي كان يمكن تعبئتها في اكياس وتحميلها في سيارات.

بن غوريون ليس الشخصية الكبيرة الوحيدة التي اقتبست في هذا السباق في كتاب راز. ايضا اسحق بن تسفي، زميل الدراسة لـ "الختيار" والذي بعد ذلك أصبح الرئيس الثاني، شهد على ذلك. من وصفه يظهر أنه شارك في السرقة وفي السطو "يهود محترمون اعتبروا السطو شيء طبيعي ومسموح به". في رسالة لبن غوريون، اقتبسها راز، كتب بن تسفي أن ما يحدث في القدس يضر "بصورة مرعبة" بشرف الشعب اليهودي والقوات المحاربة."لا أستطيع المرور بصمت على السطو، سواء كان منظم من قبل مجموعة أو غير منظم، وتم من قبل اشخاص منفردين. السطو أصبح ظاهرة عامة... الجميع يتفقون مع الرأي الذي يقول بأن لصوصنا سينقضون على الاحياء المتروكة مثل انقضاض الجراد على حقل أو بيارة".