2020-11-08

هل سيغادر طرامب البيت الأبيض طواعية؟

| هاني عرفات *

باستثناء بعض الركلات الخلفية التي ما زال الرئيس طرامب يقوم بها هنا وهناك فإن الغبار بدأ ينقشع عن معركة إنتخابات الرئاسة الاميركية فيما النتائج الاولية تشير لفوز المرشح عن الحزب الديمقراطي جوزيف بايدن. رغم العيوب الكثيرة للنظام الانتخابي الأميركي الذي يعتمد على نظام المندوبين الكبار، رغم كل ذلك أثبتت المؤسسة قدرتها على الصمود أمام كل المخاطر وإستكمال العملية الانتخابية على أتم وجه.

وفي سابقة هي الاولى من نوعها يقوم رئيس أميركي بإعلان فوزه في الانتخابات قبل أن يتم الانتهاء من فرز أصوات الناخبين ويطالب الولايات المعنية بوقف فرز الاصوات، ويدعي بأن هناك من يحاول سرقة الفوز منه، بينما جاء الرد حاسماً وفورياً من مسؤولي هذه الولايات (بعضهم ينتمي لنفس حزب الرئيس) ومن وسائل الاعلام الاميركية بشجب تصريحات الرئيس مما حال دون تماديه في النكوص عن الاسس الديمقراطية للبلاد، مما دفعه للعودة و الانزواء في البيت الأبيض مع أنه واظب على إطلاق تغريداته هنا وهناك وإرسال طواقم قانونية لرفع قضايا في عدة ولايات للطعن في النتائج التي لم تظهر بعد، فيما أشارت مصادر لوكالة سي ان ان أن الرئيس بدأ يفقد أعصابه ويصرخ في حاشيته وتحديدا كوشنير زوج إبنته وكبير مستشاريه ورغم صمود المؤسسة الدستورية في وجه التحدي الذي وضعه أمامها الرئيس، إلا أنه لا بد من تسجيل بعض الملاحظات الهامة:

فقد ثبت فشل نظام "الاليكتوريال كوليدج" أي الناخبين الكبار وعدم ملائمته واستجابته لمتطلبات الديمقراطية المباشرة، خصوصاً وأن غالبية الولايات الاميركية تنقسم إلى أغلبية ديمقراطية أو جمهورية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقرير مصير الانتخابات غالباً فيما يسمى بالولايات المتأرجحة، ليس هذا فحسب بل أن هذا النظام لا يعطي وزن متكافئ للصوت الانتخابي فمثلاً الصوت الانتخابي في ولاية صغيرة مثل أوريغون يعادل تقريباً ثلاث أصوات في كاليفورنيا وينتج عن هذا التوزيع غير المتكافئ، إحجام بعض الناخبين من الولايات الموسومة لأي من الحزبين عن المشاركة لإنعدام الوزن الانتخابي للصوت، على أي حال جرت محاولتان لإلغاء هذا الشكل الانتخابي الغريب مرتين، مرة في أوائل القرن التاسع عشر ومرة في العام ١٩٦١، وقام نواب الجمهوريات الجنوبية بإفشال التغيير لأن ذلك يضعف تأثيرها في الاتحاد الفيدرالي. وللتوضيح فقط فإن عدد الناخبين الكبار البالغ تعدادهم ٥٣٨ يقوم على أساس المحاصصة يماثل عدد نواب كل ولاية زائد عضوي مجلس الشيوخ، المجلس الأول يتكون من ٤٣٨ نائباً و الثاني ١٠٠ يساوي مجموع ال٥٣٨ مندوباً.

تم صرف ما يقارب ال١٤ مليار دولار في هذه الانتخابات وهو ما يعد الرقم الأعلى على الإطلاق، حيث يعتمد النظام الانتخابي الاميركي على التبرعات والتي غالباً ما تكون من أصحاب مراكز النفوذ والشركات الضخمة ذات المصالح مثل شركات الادوية، مصانع السلاح، اللوبي اليهودي وهكذا، شذ عن هذه القاعدة السيناتور بيرني ساندرز، حيث بلغ متوسط التبرع لحملته الانتخابية ثلاثون دولاراً فقط .

لكن ما هي العبر المستخلصة من هذه الانتخابات ؟

لعل أهم ما يمكن استخلاصه هو تصويت نصف الناخبين تقريباً للرئيس دونالد طرامب رغم الفشل الذريع لإدارته على مختلف المستويات مما يدلل على أن قاعدته الانتخابية هي قاعدة عقائدية بإمتياز بمعنى أنها لا تتأثر بأداء الادارة بقدر ما تحدد موقفها الانتخابي على أساس أمور ثابتة مثل التفوق العرقي والديني والموقف من الاجهاض وحمل السلاح ، بينما في المعسكر الاخر فإن حجم التأييد متحرك تبعاً للبرامج والأداء.

كما أظهرت هذه الانتخابات أن الاقلية من أصول لاتينية لا تصوت لنفس الاتجاه، فقد صوت الأميركيون من أصول كوبية و فنزويلية و بكثافة في جنوب فلوريدا لصالح الرئيس طرامب أكثر مما كان عليه الحال في إنتخابات ٢٠١٦ لاعتقادهم أن الحزب الديمقراطي يجنح نحو الاشتراكية، فيما صوت ناخبو الاقلية اللاتينية في نيفادا وأريزونا لصالح المرشح بايدن .

رغم تصويت غالبية الاقلية السوداء لصالح المرشح بايدن إلا أن نسبة من صوتوا للرئيس طرامب ازدادت بنسبة ٤٪ عما كانت عليه في ٢٠١٦ ولعل ذلك يعود إلى الموقف من الهجرة وتحديداً من المكسيك حيث طرامب أكثر تشدداً في هذا المجال خصوصاً لناحية منافسة هؤلاء المهاجرين في سوق العمالة الرخيصة وما يؤكد على ذلك هو أن إرتفاع هذه النسبة كان من ذكور الأقلية السوداء دون الإناث .

أمر آخر ميز هذه الانتخابات هو تصويت نسبة مرتفعة من الجالية العربية في ولاية ميتشيغان لصالح المرشح بايدن، الذي كان بأمس الحاجة إلى هذه الولاية، رغم اعتقادي أن العرب الأمريكان لم يستغلوا قوتهم لاستثمارها ما قبل الانتخابات وجاء كأنه تحصيل حاصل لبايدن .

هناك مسألة مهمة أخرى تستحق أن تراقب بعناية وهي الوضع الداخلي للحزب الجمهوري، فبينما يضغط الرئيس طرامب وبقوة على قيادات الحزب لتأخذ موقفاً مطابقاً لموقفه بالادعاء بأن الانتخابات مزورة، يجد هؤلاء أنفسهم في وضع صعب فاذا ما لم يجاروا رغبات الرئيس فإن قاعدة الحزب قد تعاقبهم على ذلك الموقف، وحسب وجهة نظري فإن الحزب الجمهوري مقبل على وضع صعب قد ينتج عنه انشقاقات، وربما إذا ما أراد طرامب استئناف نشاطه السياسي قد يعمل على تأسيس حزب جديد.

يبقى السؤال الذي يحير كثير من المحللين السياسيين… هل سيوافق طرامب على تسليم السلطة طواعية ؟

جرت العادة بعد كل إنتخابات رئاسية أن يتصل المرشح المهزوم بالفائز لتهنئته بالفوز وحينما وخلال الشهرين الفاصلين بين اعلان نتائج الانتخابات وحفل التنصيب تبدأ المرحلة الانتقالية حيث يقوم الرئيس المغادر وإدارته بتسليم المؤسسات والملفات للرئيس الجديد، على ما يبدو وحتى الان أن الرئيس طرامب لن يقبل بالهزيمة وسيحاول تحدي النتائج عبر المحاكم وفي هذه الحالة لا بد أن ترفع الدعاوى في محاكم الولايات المعنية وليس كما أراد وصرح سابقاً بالتوجه مباشرة للمحكمة الدستورية العليا التي يحوز الجمهوريون على أغلبية ٦ قضاة مقابل ثلاثة للديمقراطيين، رجال القانون يشككون بجدوى هذه الخطوة لعدم وجود أسباب موجبة لها أساساً، مما يعني أن على طرامب تسليم مفاتيح البيت الابيض والمغادرة وحسب مختصين في القانون الدستوري فإن طرامب بعد إعلان النتائج النهائية سيكون مجرد ضيف في البيت الابيض و بعدها إن بقي ولم يغادر سيكون ضيفاً غير مرغوب فيه وحتى يوم تنصيب الرئيس الجديد إن لم يغادر ستقوم خدمة البوليس السري (حرس الرئاسة) بإعتقاله حسب القانون. لكن ذلك لا يمنع من أن يصعب طرامب عملية الاستلام والتسليم لطبيعة شخصيته التي ترفض التسليم بالخسارة.

أما ما سيكون من سياسات الإدارة المقبلة فستتعرض لها في موضوع لاحق، الأمر المؤكد الشهور الستة الاولى غالباً مخصصة لمعالجة المشاكل الداخلية، لاسيما وضع الاقتصاد ومكافحة جائحة كورونا أكثر من الاهتمام بالقضايا الدولية .

* كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة