2020-11-12

بصدد الكفاح المسلح وتعدد أشكال النضال التحرري

| سعيد مضية

لم تكد تصدر نتيجة الانتخابات الأميركية بفوز بايدن حتى شرعت القيادة الفلسطينية الرسمية استجداء تدخل الامبريالية الأميركية لفرض حل الدولتين. القرار الأميركي لا يرتبط بإدارة دون أخرى؛ فما يدعي الدولة العميقة أو الملآ الأعلى (إستابلشمينت) هي صاحبة القرار، وهي التي قررت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ربما  تُقرِر تقديم "جائزة ترضية"، كيانا مسخا من نمط المقترحات السابقة لعهد ترمب، ونظل ندور في الحلقة المفرغة. ترمب سحب القناع عن حقيقة الموقف الأميركي من إسرائيل ووظيفتها بالمنطقة. وقد يعاد ستار الغموض الشفيف على الموقف الأميركي بقصد التضليل والعودة الى عبثية التفاوض، بينما تترك إسرائيل تواصل ممارساتها.

وبذا فقد يفتح جو بايدين صندوق شرور على القضية الفلسطينية من شأنها ان تقزم صفقة القرن الترمبية، إن لم يأخذ الفصيلان الرئيسان على الساحة لفلسطينية حذرهما ويلتزمان بالأناة وبالحكمة، وإن لم تنحرف الأنظار عن ضرورة تصفية الاحتلال ونظام الأبارتهايد.

يجدر أيضا الانتباه الى أن نداء تصفية الأبارتهايد له صدى أقوى من نداء إنهاء الاحتلال؛ والتركيز على الأبارتهايد وعنصرية دولة إسرائيل تلقى الاستجابة الأعظم ؛ ذلك أن الكثيرين في أوروبا واميركا يصدقون حكايات التوراة ولم يطلعوا على معطيات العلم بشأنها. الثقافة الشعبية في المجتمعات المسيحية، ولدى سلفيين إسلاميين، تتقبل ادعاء العودة الى وطن الآباء؛ وفي بيان الاستقلال جرى تعمد إدراج مفهوم "إعادة إنشاء"دولة إسرائيل. لكن أحدا يملك الحس السليم لا يتقبل وضعية الأبارتهايد التي يعيشها الفلسطينيون فوق تراب وطنهم منذ قيام دولة إسرائيل. وكانت الدعاية الناجحة ضد ترمب انه داعية تمييز عنصري. ويحظى نضال السود بالولايات المتحدة بعطف واسع لأنه نضال ضد العنصرية والأبارتهايد.

طرح مشروع ترمب- نتنياهو خيارا لا يقبل به فلسطيني؛ وعمليا وحّد قوى وفصائل الشعب الفلسطيني في التصدي والمقاومة. فضحت مخططات ترمب – نتنياهو حقيقة أهداف الصهيونية التي اختزلت في قرار الكنيست حول يهودية دولة إسرائيل. وانطلاقا من رفض فكرة اضطهاد شعب، فقد باتت حتى أطراف مؤيدة لإسرائيل او محايدة تشكك في جدوى نهج ترمب – نتنياهو؛ فيكتب ألون بن مئير، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط في معهد السياسة الدولية، "يجب على الإسرائيليين التذكر أنه بغض النظر عن عدد الدول العربية التي تقوم بالتطبيع، فإن الصراع مع الفلسطينيين لن يختفي، ويجب معالجته إذا كانت إسرائيل تريد ضمان استقرارها وأمنها على المدى الطويل".

العودة للتفاوض تحمل في طياتها خطر إهدار ردحا آخر من الزمن في انتظار عبثي للذي لا يجيء طوعا، وخطر أفدح العودة للتشظي داخل الصف الفلسطيني الهش كي يزداد هشاشة. وخطر أشد فداحة يتمثل في  دفع باتجاه المواجهة العنفية بمسوغ عنف مقابل عنف، والتي قد لا تختلف نتيجتها عن مواجهات سبقت. والسبب هو الجهل بنواميس والتباسات الكفاح المسلح وانه ليس مجرد نزوة انفعالية، ولا هو مرتهن بتصرفات الآخر. العنف المسلح له ظروفه وملابساته، وله التزاماته ونواميسه وقانون تطوره.

كثيرون من أوساط الفلسطينيين، مدعي اليسارية، يقاربون الكفاح المسلح بخفة ونفاذ صبر، مجرد حمل السلاح. بالمناسبة يتوجب القول أن اليسارية ليست التشدق بالجمل الثورية؛ وكل من لا يعتبر مهمته السياسية النشاط في اوساط الشعب بهدف التعبئة والحشد وسيلة لتوليد حراك شعبي ديمقراطي لا يعتبر يساريا ، وإن نادى بضرورة التغيير الاجتماعي. الذين يحجمون عن تعبئة الجماهير وتنشيط حراكها إنما يغفلون الشروط التي لا بد منها لخوض كفاح ظافر، سلمي أو مسلح. النشاط الثقافي المتواصل في الأوساط الشعبية هو النضال الثوري الحقيقي، ذلك أن الصراع الدائر في الوقت الراهن يتمحور حول اكتساب عقل الجمهور. في المرحلة الراهنة يجب التذكر ان السيطرة الثقافية هي أشد سطوة من السيطرة السياسية او الاقتصادية.

لنترك قضية البيئة الطبيعية الحاضنة للنشاط المسلح، ولنتناول طرح ماركس ولينين لقضية الكفاح المسلح. ماركس، الذي شارك بنشاط في ثورة 1847، واستخلص منها الدروس، حذر عمال باريس من اللجوء الى العنف المسلح عام 1870، حين احتُلت فرنسا بجنود بيسمارك الألماني. ولما اضطرت الطبقة العاملة في باريس للانتفاض دفاعا عن شرف فرنسا وكرامتها القومية دعمها ماركس وأشاد ببطولاتها وحشد لها التضامن. غير ان التضحيات الجسام التي قدمتها الطبقة العاملة في كومونة باريس لم تمنع النهاية المأساوية لتجرؤ الطبقة العاملة على التمرد. ماركس لم ينظر الى النشاط المسلح الرد الطبيعي الوحد على الاستغلال الطبقي في كل مكان وزمان. وفي معرض الحديث عن أشكال النضال كتب لينين ان من يصر على شكل محدد للنضال إنما يتخلى عن الماركسية.

وحذر لينين من "طرح شعار الثورة قبل ان تنضج الشروط العامة للثورة، وحتى تظهر الجماهير بلا مواربة نهوضها وانها على استعداد للعمل، وحتى تفضي الظروف الخارجية الى أزمة مكشوفة. ولكن حالما يصدر الشعار  فمن المشين للغاية التراجع" [بروليتاري، عدد21، اكتوبر1905].

وبصدد شروط الثورة الناجحة حدد لينين لثورة 1905-1907 شروط الانتفاضة المسلحة مؤكدا ضرورة "تغير العلاقات الطبقية مع التقدم المضطرد للثورة، وكل تقدم ثوري حقيقي يعني جذب جماهير أوسع الى الحركة". تغير العلاقات الطبقية في المجتمع يتم من خلال الحراك الشعبي، أي نهوض الجماهير عنصرا فعالا في السياسات الوطنية. الجماهير المحبَطة أو المروعة تخل بالتوازن الطبقي لصالح أعدائها. وهذا يستدعي بالضرورة "مزيدا من الوعي بالمصالح الطبقية؛ يسفر عن المزيد من تجمعات حزبية سياسية اكثر تحديدا، وفراسة طبقية بمختلف الأحزاب، وفق خطوط دقيقة التحديد، ونتيجة ذلك كله استبدال المطالب السياسية والاقتصادية العامة والغامضة في تجريديتها، بمطالب عيانية متنوعة، محددة بوضوح لمختلف الطبقات"[البروليتاري عدد 16، 2 أيار1907]. الكفاح المسلح أداته الاجتماعية بالضرورة والحتم جماهير اوسع باضطراد وأكثر وعيا واغزر ثقافة وفراسة، حيث يتغذى الكفاح المسلح بالنهوض الشعبي، ويغذيه بالمقابل. الكفاح المسلح لا يقتصر على بضعة افراد بينما يعزل مجموع الشعب مكتف الأيدي بانتظار "المهدي المخلص". هكذا مضت عمليات الكفاح المسلح الفلسطيني .

ولينين هو مبتكر حرب الأنصار، على إثر إدخال المدافع تدك متاريس العمال المنتفضين: وحدات صغيرة تشاغل الجيش المنظم. حينذاك حذر لينين من التلاعب بسلاح الثورة؛ حمْل السلاح يوجب على المناضل درجة عالية من الانضباط ومستوى رفيعا من الثقافة توفر متانة أخلاق تشكم زناد البندقية، فلا يوجه السلاح ضد الشعب، وهو المنذور للدفاع عن الشعب وتحريره. حمْل السلاح لابد ان تسبقه تربية سياسية وفكرية تدرك ان الجماهير الشعبية هي المغيرة للواقع وليس الأفراد مهما عظمت شجاعتهم وتضحياتهم. وحمل السلاح له قواعده كي يفضي الى النتيجة المظفرة. وذلك ما استرشدت به التحضيرات لثورة اكتوبر.

 فقد طرح لينين مهمات حزبه بعد ثورة شباط 1917: لا ثقة بالحكومة المؤقتة وتكثيف النشاط من اجل إنضاج شروط الإطاحة بها. بادر البلاشفة النشاط في أوساط الطبقة العاملة بالمدن والفلاحين بالأرياف والجنود على الجبهة، وشرعوا في التربية السياسية والتعبئة الثقافية. بات معيار نجاح جهود التوعية تغير تركيبة مجالس السوفييتات. انجزت المهمة في بطرسبورغ وموسكو في تموز، غير أن لينين، الذي اعتبر التلاعب بالثورة خيانة، أجّل الهدف الاستراتيجي ريثما تنضج المهمة التثقيفية في الأرياف ، وذلك امتثالا لمبدأ تحالف العمال والفلاحين، شرط  نجاح الثورة. وأنجزت المهمة في أكتوبر.

الكفاح المسلح ليس خيارا مزاجيا ولا هو مجرد قوة مقابل قوة ؛ فهو نشاط اجتماعي يلتزم بظروف موضوعية وحالة نفسية للجماهير وعلاقات طبقية تنم عن انهيار الثقة بالسلطة القائمة، وعدم استطاعة السلطة الحكم بالطرق السابقة، مثلما هو -الكفاح المسلح- ظاهرة اجتماعية تحكم سيرورتها نواميس. يضاف لذلك كله عوامل  ذاتية تتمثل بإعداد الكوادر الحزبية للعمل في أوساط الجماهير وقيادة تحركها. فقد ألح لينين على"تكوين المناضل الواعي والثوري" وذلك بوجوب "أن يرتسم في ذهنه صورة واضحة للطبيعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المميزة لمالك الأرض ورجل الدين وموظف الدولة الكبير والفلاح والطالب، ويجب أن يعرف ما هي نقاط القوة ونقاط الضعف في كل منهم، وان يدرك معنى كل عبارة منمقة  ومغالطة تحاول بها كل طبقة أن تموه مساعيها الأنانية وحقيقة ما يعتمل داخلها."

المبدأ الثوري واجب المراعاة هو عدم جواز إكراه الجماهير على أمر لم ينضج وعيها للقيام به. فلا تقاد الجماهير بسلاسل الى جنتها الأرضية؛ وعلى الحزب الثوري أو الأحزاب الثورية، خاصة كوادره/ها العاملة في الأوساط الشعبية، أن يلقي اللوم على الذات ان أبدت الجماهير ترددا او إحجاما يفشيان عدم الرضى عن توجه سياسي. وحين نقوم بمراجعة نقدية، بهذا الضوء، لتجربة المقاومة الفلسطينية خلال عقود، ندرك سبب أو أسباب تكسر المقاومة المسلحة. لا بد من الإجابة على السؤال: هل تمت مراعاة الظروف الموضوعية وتوفر لوازم الغلبة، أم هو الانجرار خلف الاستفزازات الماكرة والكيدية، والانطلاق بعفوية وارتجال وبلا يقظة ثورية؟. ورغم الانكسارات تتكرر دعوات الشروع بالكفاح المسلح بدون المقدمات اللازمة لخوض كفاح مسلح غلاب!

وعامل ذاتي آخر يجري نسيانه على الدوام. إن إقدام الجماهير على التحدي والتضحية مشروط بوعيها لحقوقها المصادرة، واستشراف الهدف الذي تضحي من أجله. أحيانا في بدايات النهوض تطرح أمام الجماهير مهمات بسيطة يفضي إنجازها بنجاح الى رفع المعنويات والثقة بالنفس. وتكرار المحاولات من شانه ان يصلب المعارضة الشعبية للأوضاع القائمة. وهذا احد نماذج النشاط السياسي في ظروف الإحباط الشعبي. المقاومة الفلسطينية أغفلت شرح عدالة الحقوق الوطنية الفلسطينية وتطابقها مع منطق العلم ومعطياته. معاناة الفلسطينيين في ليل الأبارتهايد باتت مكشوفة للرأي العام العالمي والإقليمي. وكذلك فإن للقرارات الدولية دور في التعبئة، بل إن وظيفتها تعبوية ولا تتحقق في واقع السياسات الدولية الراهنة . كما أن حركات التضامن الدولي تعزز الثبات وتحدي الصعوبات وقهر السلطة المستبدة. تبقى الحقائق العلمية تبدد كل الشكوك في عدالة القضية. فقد خدع البعض بالمرجعية الدينية لادعاء الصهيونية بوطن الآباء. وهناك حركات سلفية إسلامية تروج بصحة ما جاء بالتوراة، وبان له ما يؤيده بالقرآن الكريم؛ وبذلك يعتبر التشكيك  في صحة الوطن التاريخي لليهود بفلسطين تشكيك بالمقدس. هكذا تمضي الأمور مع الجهل بمكتشفات العلوم الأثرية، ومعطيات التنقيب الأثري المنقطع عن حكايات التوراة.

 حقنت الصهيونية أتباعها اليهود وأنصارها من غير اليهود بثقافة عنصرية عصابية ابعدتهم عن إقامة علاقة سليمة مع الواقع ومع شعب فلسطين. تساعدهم في مساعيهم الخبيثة حركة المسيحية الأصولية ولاهوتها غير المعترف به من كنائس مسيحية رئيسة. حقا تؤمن أغلبية الكنائس بحكايات التوراة؛ لكنها لا تؤمن بـ"لاهوت ما قبل الألفية" الذي تروجه المسيحية الأصولية، ومحوره ان عودة المسيح مشروطة بثلاثة مقدمات - عودة اليهود الى فلسطين وإقامة دولة يهودية وبناء الهيكل الثالث.

منطويات شروط عودة المسيح هي تأييد الصهيونية بدون تحفظ. تحقق شبه إجماع لدى الجمهور اليهودي يصر على الاستحواذ على كامل فلسطين وتهجير الفلسطينيين من ديارهم؛ يهيمن هذا التوجه رغم أن معطيات البحث الأركيولوجي فندت حكايات  التوراة بصدد وطن الآباء وارض الميعاد، والتي استمدت منها الصهيونية نظراتها الاستعلائية العنصرية، وأشاعت ثقافة العدوان والكراهية. العدوان الإسرائيلي وظف العدوان الثقافي أحد أهم أدواته؛ اما المسيحية الأصولية أو المسيحية الصهيونية، واطلق عليها في الآونة الأخيرة المسيحية الفاشية، فهي القاعدة السياسية لترمب، وبها يتحدى الدولة العميقة بالولايات المتحدة، حيث منحته في الانتخابات الأخيرة سبعين مليون صوت، أي ازيد بسبعة ملايين صوت عما ناله في الانتخابات السابقة. وهذا راجع الى تعهد ترمب للتيار الأصولي خلال السنوات الأربع الماضية، منه انتقى نائب الرئيس ووزير الخارجية والنائب العام وكبار المستشارين ومئات من القضاة الفيدراليين وثلاثة من قضاة المحكمة العليا.

ساعدت إدارة ترمب التيار الأصولي ودعمته الرأسمالية بالأموال كي ينفق على مشاريعه الاجتماعية وليوسع نفوذه داخل المجتمع الأميركي، تماما مثلما تصرفت الاحتكارات الإيطالية والألمانية في دعم تيار الفاشية والنازية. في عهود الأزمات تلوذ الرأسمالية بالفاشية وتتخلى عن الليبرالية الديمقراطية. وتيار المسيحية الصهيونية اداة رئيسة لفرض الفاشية والفرد المنقذ والسوبرمان في الولايات المتحدة. وفي إسرائيل يمضي نتنياهو صوب الفاشية المتفاعلة مع نظام الأبارتهايد، ومن أجل  تكريس سلطة الفرد السوبرمان.

هكذا يندمج العدوان على الحقوق الفلسطينية بزحف الفاشية، إقليميا ودوليا؛ مثلما ان النضال ضد الفاشية والأبارتهايد انتصار للحقوق الوطنية الفلسطينية.