2020-11-14

نادي «دول الفوضى» يرحب بالولايات المتحدة

كتب: علاء أبوفرّاج

تزداد حدة الصراع الداخلي الأمريكي مع اقتراب الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات الرئاسية. فعلى الرغم من أن الفرز الأولي للأصوات حسم فوز بايدن بهذه الانتخابات، لا يعترف دونالد ترامب بهذه النتيجة، ويقدم الشكوى القانونية حول فرز الأصوات ونزاهة العملية. لكن وبعيداً عن عملية الفرز وما سيرافقها من إجراءات قانونية لا بد لنا أن نقف قليلاً لنرى الإعصار القادم.

سنسمع في الولايات المتحدة الأمريكية في الأيام والأسابيع القادمة كثيراً من العبارات التي ألفناها في دول العالم التي تعيش اضطرابات سياسية، ففي الولايات المتحدة «رئيسٌ منتخب» و«رئيسٌ منتهي الصلاحية» سيخوضان الكثير من المعارك لا كأفراد، بل كتيارات منقسمة ومختلفة تتوزع فيما بينها كتلتان كبيرتان من نخب السياسية الأمريكية.

اعتبر وزير الدفاع الألماني أن الوضع في الولايات المتحدة قابل للانفجار، وأن ما يجري يمكن أن يؤدي إلى أزمة دستورية، أما رئيس البعثة الأوروبية التي أرسلتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمراقبة انتخابات الرئاسة الأمريكية، قال: «إن على مستشاري ترامب إبلاغه بأنه خسر عندما يحين وقت الرحيل». ومن جانبه قال المتحدث باسم حملة جو بادين: إن «حكومة الولايات المتحدة قادرة تماماً على مرافقة من يتعدون على ممتلكات الغير إلى خارج البيت الأبيض»، وقال مسؤول آخر: إن أفراد الخدمة السرية سيرافقون ترامب إلى خارج البيت الأبيض «وسيعاملونه كأي رجل عجوز يتجول في ممتلكات الغير». أما ترامب فيرى أنه لم يخسر الانتخابات وفي تصريحاتٍ له قال: إنه «لم يفكر بعد في خطاب الاعتراف بالهزيمة، أو خطاب القبول».

كل هذا وغيره من التصريحات تؤكد طبيعة الأزمة القادمة التي لن تقتصر على التصريحات فقط، بل ستصل إلى درجات عالية ستؤثر بلا شك على الاقتصاد العالمي، ووحدة الولايات الأمريكية والشعب الأمريكي الذي سيجري تحميله لهذا العبء الكبير الجديد.

الشعار المستحيل ذاته!

نقاش نتائج الانتخابات والأزمة السياسية الأمريكية موضوع واسع جداً لا بتفاصيله فحسب، بل بنتائجه أيضاً. ويرى البعض في نقاش شعارات الحملات الانتخابية باباً ضيقاً لنقاش التطورات السياسية في البلد المأزوم، إلا أن لهذه الشعارات دلالات سياسية لا يمكن إغفالها! فدونالد ترامب اختار في حملته الانتخابية في 2016 شعاراً ملفتاً، «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً». الملفت في هذا الشعار هو اعترافه بواقع تراجع الولايات المتحدة عن «عظمتها» لكن وضع استعادة هذه «العظمة» هدفاً كان شعاراً مستحيلاً، والمضحك أن يرى ترامب في عنوان حملته لعام 2020 «لنبقي أمريكا عظيمة» عنواناً جدّياً كما لو أنه لم يسمع ما الذي جرى في بلاده في السنوات الأربع الماضية! ولا يختلف الأمر كثيراً عند النظر إلى سلوك جو بايدن فشعار هذا الأخير كان يحمل المضمون ذاته، «لنعيد البناء بشكل أفضل». ورأى بايدن فيما يفعله «معركة من أجل استعادة روح أمريكا»، و«فرصة لوضع الانقسام والفوضى وراء ظهرنا». فهل هذه الشعارات ممكنة حقاً؟!

ترامب الذي يصّر على أنّه وفى بالعهود الانتخابية التي قطعها، ينسى أنه فشل في الوصول إلى هدفه الأساسي المعلن من حملته، ويستعد بايدين– إن وصل إلى رئاسة الولايات المتحدة– لملاقاة المصير ذاته. فلا شك أن لترامب وبايدين تصورات مختلفة حول عدد لا بأس به من القضايا، لكن الانقسام الداخلي سيكون معيقاً في كلتا الحالتين، فترامب لم يستطع بسبب توازنات القوى الداخلية التصرف على هوى التيار الذي يمثله وبايدين سيواجه ظرفاً مشابهاً إن لم يكن أكثر صعوبة من ترامب. فتمسك الأخير بالبيت الأبيض له دلالة رمزية. فأرواح ساكنيه القدامى سترافق بادين وتقلق نومه المتقطع.

هل من الممكن انتقال السلطة!

إذا ما تم الإعلان عن النتائج قريباً وحسم رسمياً موضوع الفائز في الانتخابات الرئاسية سيجري كما ينص الدستور والقانون الأمريكي نقلٌ تدريجي سريع للسلطة، التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي الحالي إلى الرئيس الجديد، لكن وبعيداً عن الإطار القانوني الشكلي لهذه العملية، ينبغي أن نطرح سؤالاً جدياً حول إمكانية إنجاز هذه العملية في الواقع، فالانقسام والتنافر العالي الموجود لن يسمح بممارسة هذه السلطة بشكلٍ فعلي، فترامب واجه خلال سنوات حكمه الأربع عوائق صعبة التجاوز وضعت أمام «سلطته» بكل الطرق «القانونية» الممكنة، وهذا لن يكون مختلفاً عن أي رئيس جديد يحكم هذه البلاد المضطربة. فأية خطوة وبأي اتجاه كانت ستكون كمن يمشي على الجمر، وتجد في وجهها عقبات لا تنتهي فالصراع الدائر في الداخل وصل إلى ذروته، والمنافسون الدوليون لا يتركون مجالاً للولايات المتحدة لأخذ الأنفاس.

المثال الأول على ما نحاول قوله هو حول العلاقات الأمريكية– الروسية، فترامب أراد علاقات جيدة مع روسيا، وكان قد تطرق لهذا الأمر مرات عدة في كثير من المناسبات أثناء حملته الانتخابية السابقة، وأثناء فترة رئاسته، لكن ما جرى على أرض الواقع مختلف كلياً، فترامب لم يستطع تطوير العلاقة مع روسيا لا بل تراجعت إلى مستوى غير مسبوق. فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصف هذه العلاقة في 2018 بأنها الأسوأ في تاريخ العلاقات بين واشنطن وموسكو! أي أن رغبة ترامب هذه لم تترجم على شكل أفعال ملموسة، بسبب درجة المقاومة من قبل خصومه داخل المنظومة القائمة، وهذا ما نراه أيضاً في إستراتيجية ترامب للتعامل مع إيران، فقد بدأ الرئيس الأمريكي «منتهي الصلاحية» بالانسحاب من الاتفاق النووي، وحاول بشكل نشيط عزل إيران وحصارها، وانتهت محاولاته بالفشل أيضاً بعد فشل مساعيه لإعادة فرض حظر التسلح الدولي في مجلس الأمن، في هذه المرة كان للمنافسين الدوليين الدور الأبرز في إعاقة هذه المحاولات المحمومةـ

بغض النظر عن العوائق التي وضعت في وجه ترامب، والتي لا يمكن الفصل بينها، سواء أكانت التراجع والانقسام الداخلي، أو كانت وجود قوى أخرى في العالم، مثل: روسيا والصين اللتين نجحتا بوضع حدٍ للنفوذ الأمريكي العالمي، لم ينجح الرئيس الـ 45 للولايات المتحدة بتحقيق مبتغاه، ولن ينجح الرئيس الذي سيليه للأسباب ذاتها، فالانقسام والتراجع حاصل ويتصاعد، والتوازن الدولي يتغير بغير صالح الولايات المتحدة.