2020-11-18

تل الزعتر.. قتل الفلسطينيين مهر الصداقة مع إسرائيل 

| سعيد مضية

شهادة مناضلة أممية بصدد محنة مخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين 

 أطلت إيفا شتال من السويد، بواسطة الإليكترون، على جمهور نادي الندوة الثقافي بمدينة الخليل تحيي ذكرى تل الزعتر، المخيم الفلسطيني في إحدى ضواحي بيروت، سلطت عليه القوة الهمجية المسعورة حمم صواريخها ومدافعها، قتلت ودمرت ثم هجرت الأحياء الباقين بين فزع الأطفال والنساء، وتكسر مقاومة الرجال.

دشنت الكتائب اللبنانية عام 1976، بقيادة بشير الجميل وسمير جعجع وإيلي حبيقة، التحالف الرجعي العربي مع إسرائيل ممهورا بجثث آلاف الفلسطينيين ومطاردة الباقين."الطريقة الوحيدة كي ينتصر الإسرائيليون هي فقط باغتيال جميع الفلسطينيين، كل واحد من ملايين الفلسطينيين. وأعلم انه تبقى للفلسطينيين أعواما وربما عقودا من العذاب"، كتب في إحدى رسائله نيستور، الزوج الثاني لإيفا شتال.

كرمتها منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني في احتفالها بمرور خمسين عاماَ على تأسيسه. خطبت في الاحتفال مدة عشرين دقيقة حول تجربتها المريرة مع سكان المخيم الفلسطيني المندثر. "أصغى الجمهور لها بصمت في حين انهمرت دموع الآخرين. عندما انهت كلمتها . وقف الجميع تحية وتصفيقا". كتب نيستور، الذي رافقها في رحلتها الى أرض الفلسطينيين.

بندوة الخليل، التي عقدت بالتعاون مع نادي حيفا الثقافي، خاطبت إيفا الجمهور، ومعظمه صبايا درجن على مسرح الحياة بعد ربع قرن على المجزرة. هذه الأممية المكتنزة مشاعر إنسانية ، الممرضة السويدية التي اكتسبت حب واحترام آلاف المنكودين، داخل المخيم وخارجه، لم تزل، وبعد قرابة نصف قرن، تلهم الأجيال ازدراء همجية الفاشية المسعورة. حضر الندوة وتحدثوا بإيجاز للحضور، الدكتور حسن عبادي وآخرون ممثلون عن النادي وصديق، فراس حاج محمد من جنين، عاون في تحرير الكتاب "اممية لم تغادر'التل’"، الذي وضعه الدكتور حسن عبادي نقل شهادة إيفا شتال، مع مقتطفات من كتب ومقالات تحدثت حول مأثرة المتضامنة إيفا شتال (سميرة). عن الكتاب قمت بنقل مقتطفات في هذا التقرير علها تعطي صورة تقريبية لتوحش بلا ضمير ولا مروءة، رأيت أن استهله بمأساتها الملوعة بفقد زوجها يوسف حمد، مسئول الخدمات الطبية بمنظمة التحرير في لبنان..  

"استيقظْتُ مذعورة ثلاث مرات في تلك الليلة على إثر انفجارات هائلة، الألوان الخضراء والحمراء والصفراء تختلط مع بعضها البعض، واشتعلت نار حادة قرب ساقي الأيسر. شعرت في حينها اني ويوسف قد طرنا في الفضاء...ثم ساد المكان هدوء تام وخيم ظلام حالك على البيت وصرخت: "يوسف ..يوسف"! ولم يجب. حاولت ان أحرك نفسي باتجاهه لكني لم أقدر... ذراعي اليمنى فقدت الحركة . حاولت أن أحرك ساقي اليسرى لكنها كانت خاملة تماما. حركت يدي اليسرى ومسكت ذراعه وسحبتها الي وهززتها، وصرخت: "يوسف يوسف" ولكنه لم يجب، ولم يتحرك...! أدركت بعد لحظات اني قد جرحت، غير اني لم أشعر بألم. إنها الحالة التي تحدث عند الإصابة بشظايا القنابل: فعندما تصيب جسد الإنسان شظية فإنه لا يشعر بأي ألم في البداية، ولا يستطيع ان يقّدر حجم الجروح. وزحفت الى المطبخ بالسرعة التي أقدر عليها. وحين وصلت الى هناك شعرت ان جروحي خطيرة: كانت ساقي مثنية ومطوية تحتي وقد كسرت من عظم الفخذ. وعندما حاولت أن ارفع ذراعي اليمنى راحت تتدلى من أسفل الكتف بحرية ، سمعت أصوات أنفاسي اللاهثة؛ فيما كانت الدماء تنزف مني كمياه تجري من حنفية. ظللت أصرخ طول الوقت: "يوسف يوسف"!  ولففت بيدي اليسرى طرف البيجاما حول ساقي اليسرى لمنع النزيف وحملت بيدي الجزء المتدلي من ذراعي الأيمن الى الأعلى لأتمكن من السيطرة على توازني وأقف..

فكرت في نفسي وانا مطروحة على الأرض  التي امتلآت بالدماء: "ليس لي الآن شيء أعيش من أجله أكثر من ذلك. سحبت يدي التي كانت تضغط على طرف البيجاما، وتركت ساقي تنزف على هواها. لكني فكرت بالطفل الذي أحمله واحتمال ان يوسف ما زال حيا... فأسرعت ولففت طرف البيجاما حول ساقي مرة أخرى.

سمع الجيران صراخي فكسروا الباب وحملوني الى مستشفى الهلال الأحمر وحضر في الحال الطبيب السويدي ، لارس، وطبيبان فلسطينيان آخران[منهما الدكتور يوسف العراقي ، الف كتابا حول تل الزعتر ومأثرة إيفا شتال]،  حيث أجروا الإسعافات اللازمة وثبتوا الأجزاء المكسورة من عظامي بألواح خشبية. بعد حين لاحظت ان ذراعي اليمنى مبتورة من وسطها وقلت للأطباء: ستقطعون الذراع.. اليس كذلك؟ فأجابوني بحزن: سنحاول ان لا نفعل ذلك. ولكن هززت رأسي بيأس لأني أدركت ان الذراع من المستحيل إنقاذها. وسألت الطبيب لارس عليك ان تخبرني الحقيقة عن يوسف، هل مات ؟ قال "نعم"، فرحت أبكي ..."مكثت في المستشفى عشرة أيام، كنت أحس بآلام مبرحة؛ غير آن الأطباء امتنعوا عن إعطائي أدوية مخدرة فذلك، كما شرحوا لي، يشكل خطرا على طفلي".

هذا ما خطته إيفا شتال عن تلك الليلة الفاجعة. أرسلتها عام 1974 للعمل مع الفلسطينيين في لبنان منظمة يسارية سويدية، على أن تعمل مجانا وتؤمّن بنفسها أجرة سفرها. وصلت بيروت، حيث وجهوها الى تل الزعتر، وهناك تعرفت على يوسف حمد اللاجئ من قرية الخالصة، والمسئول عن الخدمات الصحية في المخيم وعموم المخيمات. اتفقا على الزواج وعادت الى السويد في إجازة وأخبرت أهلها،  ثم رجعت، وأقام الزوجان في مخيم شاتيلا؛ هناك اعطيت الاسم "سميرة" (الوردة المتفتحة)؛ غير ان يوسف احب الانتقال الى مخيم تل الزعتر حيث تقيم أسرته، وأقام الزوجان في بيت الأسرة. تفرقت الأسرة إثر الخروج من المنزل المعرض للقصف،  قتل البعض وأقام البعض الآخر في أمكنة اعتقدوا انها آمنة. رفضت عرضا من الصليب الأحمر الدولي بنقلها خارج  لبنان عبر ميناء جونيه.

أثناء عملها ممرضة بالمخيم وبفضل غيريتها وحدبها أحيطت برعاية العاملين بالمستشفى وبسكان المخيم. بسرعة اندمجت بسكان المخيم ومع أسرة زوجها. إيفا تتحدث عن "أسرتنا"، عائلة يوسف، و"مخيمنا" تل الزعتر. نواصل شهادتها المعبرة عن اممية صلبة معطاء.

قبل  إصابتها أوردت إيفا في شهادتها مكابدة سكان المخيم جراء القصف المتواصل من قوات الكتائب بقيادة بشير الجميل وسمير جعجع وإيلي حبيقة. كانت الخطة، كما أبلغ بشير شارون عام 1982 أن يحيل كل مخيم فلسطيني دير ياسين، كي يخلق حالة هلع تحمل اللاجئين الفلسطينيين على مغادرة لبنان.

تجسدت الخطة في قذف كل شيء بالمخيم بالصواريخ والمدفعية وحصد الناس بالرشاشات وقنص كل من يتحرك على مرأى القناصين: " في يوم أحد والمستوصف مغلق كنت وزوجي في البيت. جاءنا صبي وصاح بصوت عال وهو يبكي: تعالوا الى المستوصف ، أسرعواّ.

"في شارع صغير تجمع خمسة وعشرون شخصا أمام فرن .. كانت مغامرة لكنهم كانوا جياعا؛ فجأة سقطت قذيفة صاروخية وسطهم، وأصيب الجميع بجروح. شاب يبلغ الثالثة والعشرين كان نائما في بيت قريب، سمع الانفجار وانطلق، "وما إن وصل الفرن حتى انفجرت قنبلة أخرى واخترقت ظهره شظية استقرت في بطنه. وزعنا الجرحى ولم نستطع إجراء عملية للشاب، لم نكن نملك التجهيزات الطبية اللازمة، أعطيناه اكسجين من قنينة هي الوحيدة بحوزتنا... فجأة راح يغني ترنيمة حزينة لحنها بنفسه، يلوم نفسه لماذا انطلق بعد أن أفاق من نومه. ظل يرددها الى أن توقف و.. مات".

"علينا معالجة جميع الجرحى بإمكاناتنا البسيطة، ولمدة أربع وعشرين ساعة، كان الكل يعمل بدون انقطاع. كنت أعمل وأبكي، وكان اليأس يعصر قلبي لأني لا أستطيع ان افعل المزيد.. يأس من النقص الشديد في الأجهزة الطبية  المتوفرة ، يأس من الحرب، وأدركتُ حينها ماذا تعني الحرب..."

في المناطق الخطرة ثبتت ملصقات تحذر سكان المخيم من الاقتراب. "ولكن ذات يوم جيء بطفل الى المستشفى والدماء تسيل منه بغزارة، بعد أن أصابته إحدى رصاصات القناصين. عمره ست سنوات فقط،  ولم يكن-طبعا- بقادر على قراءة التحذير، وقبل ان يموت كان جسده قد برد جدا، نزف الكثير من دمه قبل ان يوصلوه المستشفى... بنت عمرها تسع سنوات خرجت لتلعب في نفس المنطقة بعد الهدوء النسبي في ذلك الوقت. لم تكن هي الأخرى تعرف القراءة والانتباه الى التحذير . أصيبت برصاصة في رأسها اخترقت خدها وخرجت من إحدى أذنيها. بقيت تنزف على الأرض ولم يستطع احد الاقتراب منها لمدة نصف ساعة لآن الرصاص انهمر بغزارة. الجميع يراقب الموقف الى أن غامر أحدهم وانتشل الطفلة، ونقلها الى المستشفى، وكان كل شيء قد انتهى؛ ماتت الطفلة بعد ربع ساعة من وصولها المستشفى".

"إن الذي ىؤلمني أكثر هو أن غالبية المصابين من الخطرين كانوا من الأطفال والنساء. لقد اضطررنا الى ربط بعضهم بالحبال للحد من الهيستريا التي انتابتهم بسبب الآلام... كثافة القصف وتطاير الشظايا قريبا جدا من المبنى جعل من المستحيل دفن جميع الموتى. كانت معظم الجثث تلقى في حفرة تقع على بعد 35 مترا من الملجأ. وذات مرة سقطت قذيفة وسط هذه الحفرة وتطايرت الجثث أشلاء وتناثرت في الشوارع القريبة... تقرر إخلاء المستشفى، وتحول القصف الى البيوت التي كانوا يخمنون ان الجرحى نقلوا إليها".

"تحركت شاحنات لتنقل المرضى خارج المخيم وبعد ساعة عادت اللوريات وبداخلها جميع الجرحى مضافا اليهم جريح جديد؛ فقد أطلقت عناصر القوات الكتائبية النار على الشاحنات وأجبرتها على العودة أدراجها".

"في إحدى الليالي جاء من يقول لي: 'نحن نتوقع هجوما كبيرا، وعليك أن تكوني في المستشفى’، وفي الحال اتجهت الى المستشفى، وفي الطريق أوقفني أحد الأشخاص وقال لي،'أصيب يوسف في ذراعه وهو بالبيت’، وهرولت الى البيت. لم تكن إصابته خطيرة، ولكننا شعرنا بالفزع، ذلك أننا بدأنا نشعر أكثر ان شيئا خطيرا سيحدث يوما، وان أحدنا سيقتل."

"كانت الحرب تقترب منا ، أصبح كل شيء بيني وبين يوسف بعد ذلك ساكنا، ولكنه كئيب. لعل يوسف كان يدرك اكثر مني ما الذي تبيته الأيام من أحداث ؛ غير أنه لم يتحدث عن شيء من هذا أبدا. على أني كنت سعيدة.. كل شيء غريب! كنت اشعر بابتهاج صباح كل يوم وأنا في طريقي الى المستوصف، فقد أصبحت العلاقة بيني وبين يوسف رائعة جدا، وبدا لكلينا أننا غدونا كيانا واحدا".

وبعد الإصابة والنوم بالمستشفى تتحدث عما سمعته أو نقل اليها، خاصة القصف الهمجي للمساكن:

"في احد الأيام ضربت قذيفة الطابق الأول من بيت يقع على بعد عشرة أمتار فقط من البيت الذي نقلت اليه. كانت ضربة عنيفة، فرأيت سحابة من دخان أسود وصخور تطايرت هنا وهناك، تحطم البيت بكامله  لم أسمع هذه المرة صراخا على الإطلاق؛ لم يخرج أفراد العائلة، بل خنقت أنفاسهم  القذائف الوحشية في لحظات." ... تواصل سقوط القنابل، "تهوي القنابل على احد البيوت ويسمع صرخات الناس وأحيانا لا يسمع شيء".

في 11 آذار"كان مخيمنا قد طوق تماما من قبل القوى اليمينية (اقرأ الفاشية)، وقطعت جميع الطرق. لم يستكمل قصف المخيم صورته الوحشية حتى يوم 22 حزيران. لن أنسى هذا اليوم، كان مأساويا لا يوصف، وكان القصف الوحشي من الكثافة وكأنّ السماء قد انشقت وألقت قنابلها. بدأ القصف عند السادسة صباحا وحتى الثامنة مساءً، سقطت خلالها على المخيم البائس ما بين عشرة واثني عشرة ألف قذيفة، بمعدل 28 قذيفة كل دقيقة... المرضى والجرحى يزحفون حيث لا يدرون الى أين. الموت يحصد السكان حصدا. صراخ الأطفال وعويل النساء يضيع مع قرقعة القنابل وأصوات المدافع الوحشية. رأيت أطفالا كثيرين ماتوا من غير جروح، وإنما بفعل الفزع؛ ليس هناك من وقت عند أي فرد للالتفات اليهم....عرف الأعداء تدريجا مواقع الأماكن التي أخذ سكان المخيم يتجمعون فيها (الملاجئ، المستشفيات والمستوصفات) ، فراحوا يقصفون هذه الأماكن بكثافة شديدة... أبكي وأردد مع نفسي: "كان عليك ان تموتي يا إيفا لكي لا تشهدي ما حدث!"؛ ولكني في أحيان أخرى اؤنب نفسي واستجمع شجاعتي واقول:" عليك يا إيفا ان تخرجي من هنا حية وبأي طريقة لكي تخبري العالم بما حدث في تل الزعتر.. يجب"!!

"ولكن الحياة في المخيم لم تنته، وبدل الاستسلام واليأس شعر الجميع بأحاسيس جديدة من الشجاعة والتحدي رغم ان الحياة عامة غدت أكثر خطورة من ذي قبل".

"في تلك الفترة الرهيبة من حياة المخيم كانت الأخبار الوحيدة المتناقلة (هي) او (هو) قتلا، او جرحا. كان الجرحى والقتلى يتساقطون باستمرار... تحدث معي صحفي سويدي، هتفت هل تكلمني من السويد؟! أجابني كلا يا إيفا .. من بيروت.لا أدري لم انتابتني تلك الرعشة الخفيفة من السعادة وانا أسمع صوته. أحسست كأني عدت ثانية الى بلادي. لكن هذه الرعشة الطبيعية من الفرح هدأت بعد لحظات لأن مأساة الناس في تل الزعتر تجبرك، مهما كانت الظروف إلا ان تفكر بهم وحدهم، ووحدهم فقط."

"ذات مرة اجبر العطش القاسي عشر أمهات على التسلل في الظلام لإحضار المياه لهن ولأطفالهن. ولكن ستة منهن فقط عدن الى الملجأ خاليات الوفاض، اما الأخريات فقد قتلن برصاص الكتائبيين. أخبرتني وداد، شقيقة يوسف، ان عددا من النسوة تجمعن في إحدى الليالي بهدوء حول مصدر صغير للمياه، فانفجرت قنبلة بينهن ، قتل على أثرها ثمانية وجرح عشرون. كان معدل ما تحصل عليه عائلة من ماء الشرب لا يتعدى لترا واحدا من الماء في اليوم في ذلك الحر القاتل. مات الكثيرون من الأطفال وكبار السن من العطش بعد أن جفت اجسادهم."

"في19 تموز شهد المخيم قصفا مركزا بالصواريخ والمدفعية... اشتد القصف في تلك الليلة، لم يغد بيتنا مأمونا فنقلت الى بيت آخر يعيش فيه زوجان، وانضم الينا أربعة أشخاص بعد ذلك بساعات. في الليلة ذاتها شعرت بآلام الولادة ونزفت دما كثيرا. وفي صباح اليوم الخامس اجريت لي عملية إجهاض. قبل هذا كنت اخاطب نفسي: 'عليك أن تخرجي من المخيم من أجل الطفل ولتخبري الجميع في الخارج ما حصل’."

"في أحد الأيام عاد اليّ المرح عندما جاءني فلسطيني، وقال: سميرة، لقد استلمنا برقية  من والديك، وانهما يبعثان لك بتحياتهم الحارة ولجميع أفراد المخيم ال 30 الفا. بكيت من الفرح، وأدركت ان أهلي عرفوا ما يجري في تل الزعتر. يجب ان يعرف هذا الآخرون كذلك... مرة أخرى جدد أهالي المخيم طلبهم اليّ ان احكي عن الحياة في المخيم، إذا حدث واتصلت باللاسلكي ثانية. كثير منهم سألوني أن أتحدث عن الرعب الذي يصيب الأطفال. اخبريهم يا سميرة عن الأطفال الذين يبكون داخل الملاجئ. وكيف يجلسون حول حنفيات المياه الجافة، وكيف يموتون من العطش!"

"سنحت لي الفرصة ان اتحدث مرة أخرى باللاسلكي. ولكن لم أقل سوى بضع كلمات، فجأة دخل رجل الغرفة راكضا، أصيب بجروح  وحروق بالغة. كانت الدماء تغطي جسمه بالكامل، فسقطت السماعة من يدي وأجهشت بالبكاء ولم أستطع تكملة المكالمة؛ إذ كيف يستطيع المرء وصف ما حدث بينما الذي يجري في كل دقيقة أفظع.. اصبح حجم المخيم من ناحية المساحة أصغر؛ فجميع الجهات قصفت وحرقت ودمرت، والقوات الكتائبية تقترب أكثر وأكثر، وأصبح الزحام داخل البيوت على أشده. احد البيوت كان يقع تحته ملجأ  ازدحم فيه أكثر من خمسمائة شخص، ضرب بالقنابل؛ هرعت العوائل التي كانت تسكن البيت- نساءً وأطفالا فقط- باتجاه الملجأ حصدوا جميعا برصاص القناصة الكتائبيين.. كانت أضواء القنابل تسهل لهم أهدافهم بوضوح... خلال الأسبوع الأخير من وجودي بمخيم تل الزعتر تهدم الملجأ القريب منا بكامله، نتيجة القصف العنيف المكثف، وانهارت جدران البنايات  المجاورة فوق بعضها البعض، واستمر القصف لعدة أيام ؛ فتحول الملجأ الى قبر للخمسمائة إنسان المساكين الذي احتموا داخله! كنت أعرف جيدا بعض من كانوا في الملجأ القبر، منهم خالة يوسف وأطفالها الأربعة ، وعمة يوسف وزوجها وولداها كانوا هناك أيضأ."

"أخيرا وصلت بعثة الصليب الأحمر الى المخيم بعد انتظار طويل. اهتززت عندما وقفوا بباب غرفتي، وتحدثت اليهم بارتباك، باللغة السويدية أولا، فالعربية وأخيرا الانجليزية حتى تفاهمنا. اعد كل شيء للرحيل؛ توافد علي الأصدقاء ليودعوني . غالبيتهم كرر القول'الأن انت يا سميرة عليك ان تخبري وتقُصّي كل شيء’. كان الوداع مؤثرا وعاطفيا بغير حدود. وجدت نفسي عاجزة تماما فاكتفيت بالصمت والبكاء؛ فأي شيء عليك أن تقوله للآخرين عندما يسمح لك أنت بمغادرة الجحيم بينما يجبرونهم على البقاء؟! هل هناك كلمات مناسبة في موقف كهذا في لغة لا يعرفونها؟!

"نقلت الى السيارة وقف كثير من الناس يودعونني، وهم ملتصقون بالجدران والزوايا. بعضهم كان صامتا مثلي، والبعض الآخر كان يلوح لي بالأيدي (وداعا)، وآخرون اندفعوا نحوي وصافحوني".

"وبعد مسيرة كيلومتر واحد توقفنا. لا أعرف المكان، إذ لم أجرؤ على النظر خارج السيارة، فقد حذرني رجال الصليب الأحمر ان أبقى  ساكنة بلا حراك. فجأة قفز أحد الكتائبيين الى داخل إحدى الشاحنتين التابعتين للبعثة اللتين كانتا تحملان عددا من الجرحى، واختار جريحا من بينهم وطعنه بحربة بندقيته، ومع الصراخ سمعت بعض الجنود من خلال النافذة يقول: ها هي هنا.. الأجنبية زوجة يوسف حمد. آخر وثالث نفس الشيء، كانوا يحاولون استفزازي ولكني بقيت جامدة كميتة، وطبقت تعليمات الصليب الأحمر. دار نقاش في الخارج وسمعت مسئول الصليب الأحمر يقول بتوسل: 'الكل هنا جرحوا بسبب انفجار في أجهزة الغاز’، لم أعرف وقتها ماذا تعني هذه الكلمات ولكنهم سمحوا لنا بمواصلة السير.

لم أكن سعيدة على أي حال؛ كنت أفكر بالثلاثين ألف إنسان في تل الزعتر. فكرت بما حدث وبالذي أتوقع حدوثه كل دقيقة للعوائل هناك.