2020-11-18

حوار| المفكر الأمريكي التقدمي تشومسكي 

كيف سيسلك بايدن؟ القرار بيد الشباب واليسار

حوار: ليلاخ بن دافيد - ترجمة: حسن مصاروة

ننشر فيما يلي أجزاء واسعة من الحوار الذي أجرته الصحفية الاسرائيلية "ليلاخ بن دافيد" من موقع "سيحا ميكوميت" العبري، وترجمه الصحفي حسن مصاروة، مع المفكر اليساري التقدمي الأمريكي نوعام تشومسكي، حول الانتخابات الأمريكية الأخيرة، نتائجها وتداعياتها المحتملة، وخلفيتها ومصادر قوة وضعف متنافسيها.

* لحسن الحظ، انتهت الانتخابات الأمريكية ونتائجها واضحة.  وبالنظر إلى مدى تقارب النتيجة بين المرشحين، هل تعتقد أن مرشحًا آخر بتوجه مؤسساتي أقل، مثل بيرني ساندرز على سبيل المثال، كان ملائمًا أكثر لإلحاق هزيمة أكبر بترامب؟

تشومسكي: هذا ليس أمرًا يمكن التأكد منه. قاعدة الناخبين في الحزب الديمقراطي منقسمة. هناك قطاع أكثر تقدمية، وخاصة الشباب، وهو داعم جدًا لساندرز، وهناك قطاع أكثر محافظة وتقليدية وربما كان أقل احتمالاً للتصويت لساندرز.

من المثير للاهتمام أن ننظر الى الأمر عن قرب. تعتبر مواقف ساندرز"راديكالية للغاية" بالنسبة للأمريكيين. إذا قرأنا بعض المعلقين اليساريين في جريدة نيويورك تايمز مثلا، فإن شخصا مثل بول كروغمان، يقول عن افكار ساندرز"هذه أفكار سياسية جيدة، لكنها متطرفة للغاية بالنسبة للأمريكيين".

هذه اشارة مثيرة جدًا للاهتمام. دعونا نلقي نظرة على مواقف ساندرز. السياسة الرئيسية التي يروج لها هي التأمين الصحي للجميع، وهو الموجود في كل مكان في العالم باستثناء الولايات المتحدة. وهذا يُعتبر "راديكالي" للغاية بالنسبة للأمريكيين. السياسة الثانية التي يروج لها هي التعليم العالي المجاني. إنه موجود في كل مكان تقريبًا: في البلدان الفقيرة مثل المكسيك، وفي البلدان الغنية مثل ألمانيا، في كل مكان. لكنها أيضًا تعتبر "راديكالية" للغاية بالنسبة للأمريكيين.

في رأيي، أخطأ ساندرز عندما وصف نفسه بالاشتراكي. في الولايات المتحدة، تعتبر كلمة "اشتراكي" شتيمة، وفي أماكن أخرى من العالم، إذا كان شخص ما اشتراكيًا، فلن يلاحظ أحد الامر، مثل كونك "ديمقراطيًا" في الولايات المتحدة. لكن في الولايات المتحدة، منذ مائة عام، هذه الصفة تعتبر تهمة وشتيمة، لذلك لا يمكن استخدامها ببساطة. إنه مجتمع يعاني من تلقين موجه شديد، وهناك أشياء ببساطة لا يمكن قولها. إذا التزمنا فقط بمواقفه، فهي تحظى بشعبية كبيرة، اما كلمة "اشتراكي" فهي ترتبط مباشرةً في العقل الامريكي بـ"الغولاغ". ومن الصعب جدًا التعامل مع هذا الامر في هذا المناخ.

بالعودة إلى سؤالك، من الصعب جدًا الإجابة. لا نعرف كيف سيكون رد فعل جمهور الناخبين العام على عاصفة الهجمات  المضادة التي كانت ستنتج من ترشيح ساندرز. إنها مسائل تحت السطح: يهودي، اشتراكي، راديكالي. من الصعب الإجابة على ذلك.

* وكيف ترى الانتخابات كما جرت بين دونالد ترامب وجو بايدن؟

تشومسكي: لقد شعرت بالارتياح لأن ترامب سيغادر المنصب، إذا ترك المنصب اصلاً، وهذا سؤال مفتوح. لكن على افتراض أنه تركه وتم انتقال السلطة، فهذا يبعث على الارتياح. من ناحية أخرى، كانت الانتخابات كارثية بشكل كبير. فكرة أن نصف الجمهور يمكن أن يصوتوا لشخص مثل ترامب هي فكرة خطيرة للغاية. لنلاحظ أن هذا حدث مباشرة بعد أن قتل عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من الأمريكيين. إنه لأمر مدهش أنه كان بإمكانه حتى الترشح للرئاسة اصلاً. حقيقة أنه كان بإمكانه الترشح وحدها تشكل انتصارًا كبيرًا لليمين المتطرف.

وكذلك هناك حقيقة أنه على عدة مستويات كان الديمقراطيون أقل نجاحًا في الانتخابات مما كانت عليه الامور في انتخابات عام 2016. فقدوا مقاعد في مجلس النواب وخسروا في المجالس التشريعية للولايات. هذا مهم للغاية في الولايات المتحدة، فإحصاء السكان والناخبين على وشك الانتهاء هذه الأيام، وستقوم المجالس التشريعية للولايات بترسيم حدود الدوائر الانتخابية للعقد القادم.

إذا سيطر الجمهوريون على المجالس التشريعية للولايات، فسوف يرسمون الحدود بحيث يتم تجميع الناخبين الديمقراطيين في مناطق صغيرة، حيث سيتم إهدار معظم الأصوات، وستذهب معظم السلطة إلى المناطق الريفية التي يسيطر عليها الجمهوريون. لذا فإن الخسارة في الهيئات التشريعية للولايات تعني في الواقع خسارة في الانتخابات القادمة بسبب التلاعب بالنظام الانتخابي.

هذا أمر خطير للغاية، كما أن أسبابه مثيرة للاهتمام؛ إن اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي (DNC)، التي تدير الحزب الديموقراطي، مكونة من أناس محافظين جدًا- إنهم ليبراليون من الـ"كلينتونيين الجدد" الذين ينوون إرضاء وول ستريت – ولا يهتمون كثيرًا بالناخبين.

لقد أنفقوا مبالغ طائلة من المال على جهد مهدر تمامًا لتغيير عقول الناخبين الأثرياء من الضواحي. هذا هو جمهورهم. لم يفعلوا شيئًا تقريبًا في مجتمعات الفقراء والطبقة العاملة في جميع أنحاء البلاد. وكانت النتائج واضحة.

اذا القينا نظرة فاحصة على الأماكن التي فاز فيها الديمقراطيون بعدد كافٍ من الأصوات للفوز في الانتخابات، فهذه هي بالذات الأماكن التي تم فيها نشاط بواسطة التنظيم المحلي دون أي مساعدة من قيادة الحزب الديمقراطي.

على سبيل المثال، في أريزونا، حيث أعيش، كان هناك نشطاء لاتينيون عملوا بجد لسنوات داخل المجتمعات اللاتينية، وهناك واصلوا التصويت للديمقراطيين. لم يتلقوا أي مساعدة من مكتب الحزب في البلاد. حدث نفس الشيء في ولاية بنسلفانيا وجورجيا ومع مجتمعات السود في نيفادا.

كانت الولايات التي انتقلت إلى الديمقراطيين هي الولايات التي يحدث فيها النشاط التنظيمي في مجتمعات المهاجرين والطبقة العاملة والفقيرة. لم تبدِ مؤسسات  الحزب الديمقراطي العليا اي اهتمام بهؤلاء. لقد خسروا في مناطق لم يصوت الناخبون فيها للديمقراطيين منذ مائة عام لأنهم لم يفعلوا شيئًا في تلك المناطق.

الجمهوريون أسوأ، لكنهم على الأقل يتحدثون إلى الناس. إنهم يتظاهرون بأنهم يحمون الجمهور ويدافعون عنه، لذلك على الأقل يستمع الناس إلى كلماتهم. أما ادراة الحزب الديموقراطي فلا تفعل شيئا بهذا الصدد.

إن الأمر مشابه جدًا لإنجلترا، حيث دمر أتباع توني بلير المحافظين في حزب العمال جيريمي كوربين تمامًا. إنهم يفضلون أن يخسروا الانتخابات على أن يخسروا الحزب لصالح شخص نزيه وشعبي ويساري يجعله حزباً تشاركياً للعمال. لم يريدوا ذلك.

وفي الحقيقة، كما تعلمون، طريقة القضاء على كوربين كانت من خلال الاتهامات القاسية والكاذبة بمعاداة السامية، والتي روجت لها الجالية اليهودية في بريطانيا بقوة. لقد كانت عملية احتيال كاملة، لكنه لم يكن مقاتلًا، ولم يقاوم بشدة، وهذا ما دمره. شاركت جميع وسائل الإعلام بهذه الهجمة، بما في ذلك وسائل الإعلام التقدمية مثل الجارديان. وشيء مماثل حدث هنا مع ساندرز.

في كلا البلدين هناك انقسام: البليريون، أتباع كلينتون، الليبراليون الجدد، وهم في الحقيقة جمهوريون معتدلون، أو التاتشريون المعتدلون، هم لا يريدون أي تغيير نحو اليسار. وقاعدة الناخبين، وخاصة الشباب، مختلفة جدا عنهم. إنه انقسام حاد.

* ماذا تتوقع من إدارة بايدن، وكيف تعتقد أن الناشطين الليبراليين والراديكاليين يجب أن يروه ويعاملوا ادارته؟

تشومسكي: علينا أن ننظر إلى الوراء إلى أوباما. عندما تم انتخاب أوباما، بالكثير من الكلمات اللطيفة التي خاض فيها حملته الانتخابية - "الأمل"، "التغيير"، "سنفعل أشياء رائعة"- انسحب مجتمع النشطاء وقالوا "حسنًا، سوف نثق به" وكان ذلك خطأً كبيرًا.

إذا كنت تثق في الرئيس، فسوف يخونك. وأول ما فعله أوباما هو خيانة الطبقة العاملة والطبقة الوسطى واليسار. باع نفسه بالكامل لطبقة المتبرعين في"وول ستريت". كان بمقدورنا رؤية ذلك على الفور.

ونتذكر أن أوباما كان يسيطر على مجلسي الشيوخ والنواب معا خلال العامين الأولين. كانت هذه فترة أزمة السكن والازمة  الاقتصادية. سن الكونجرس قوانين لإنقاذ أولئك الذين تسببوا في الأزمة: البنوك، وبيوت الاستثمار، وأولئك كانت ممارساتهم الاستغلالية والفاسدة - الرهون العقارية عالية المخاطر التي كانوا يعرفون أنه لا يمكن سدادها - هي التي تسببت في الأزمة. لذلك أنقذهم المشرعون في كونغريس اوباما.

كان هناك جزء آخر من وعود اوباما التشريعية، القوانين المخصصة لدعم ضحايا المستثمرين، الأشخاص الذين طردوا من منازلهم، الذين لم يعد لديهم مكان للعيش فيه، بدون وظائف جيدة. لم ينفذ أوباما هذا الجزء أبدًا من وعوده. لا شيء منه البتة. فقط انقذوا الأغنياء الذين تسببوا في الأزمة، وألقوا بالضحايا  في النار. وكانت النتائج واضحة. في غضون عامين تقريبًا، انقلبت الطبقة العاملة والفقراء ضده، وبحق. لقد تعرضوا للخيانة الكاملة. وهذا ما وضع الأساس لصعود ترامب. تشبع الناس بخيبات الأمل، اصبحوا غاضبين وبحق، وذوتوا أن الحزب الديمقراطي باعهم.

يُطرح نفس السؤال اليوم. إذا عاد النشطاء واليسار إلى بيوتهم وقالوا "نثق  ببايدن" ، ستعود البلاد مباشرة إلى سيطرة اليمين، تحت ضغط من طبقة المتبرعين الديموقراطيون في "وول ستريت". إذا استمر النشطاء في العمل، وبقوا على اهبة الاستعداد للنضال، واستمروا في الضغط وما إلى ذلك، فيمكنهم إحداث فرق. لذا أعتقد أن الإجابة على سؤالك إلى حد كبير في أيدي نشطاء اليسار. نحن نعلم ما سيفعله الجانب الآخر. سوف يدفعون بالسياسة إلى اليمين، بغض النظر عما يفعله الناخبون. إذا ظلت الحركات الشعبية نشطة وقوية، فيمكنها تغيير الأمور.

* كيف تصنف الأحزاب السياسية الأمريكية مقارنة ببقية العالم؟

تشومسكي: النادي "الرجعيي الدولي" المتمركز في البيت الأبيض لديه أعضاء في أوروبا. على سبيل المثال فيكتور أوربان في المجر. يدمر اوربان الديمقراطية المجرية، ويؤسس دولة استبدادية للغاية وفاشية. إذن فهو عضو في النادي. ويوجد علاقات جيدة جدا لترامب مع رئيس المجر.

في بلدان أوروبية أخرى، هناك أحزاب يمينية اعضاء في النادي. في إيطاليا، هناك ماتيو سالفيني والرابطة الشمالية ، ليس لديهم الكثير من القوة الآن، لكنهم مؤثرون للغاية. في إنجلترا هناك حزب المحافظين بشكل أساسي، لكن بعض أولئك الذين على يمينهم يتم تقديرهم لدى ترامب أكثر منهم، مثل نايجل فاراج (مؤسس حزب UKIP الذي دفع باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي) إنه يعمل حاليًا في الخلفية، لكنهم قد يعود إلى مقدمة المسرح.

في الواقع، إذا نظرنا إلى المقارنات الدولية بين الأحزاب السياسية، فهناك بعض الدراسات المستقلة التي حاولت تصنيف الأحزاب السياسية حول العالم على نوع من محوري "يمين – يسار". تم تصنيف الحزب الديمقراطي الأمريكي مع أحزاب يمين الوسط في أوروبا ومناطق أخرى من العالم المتقدم. ويصنف الجمهوريون في صفوف الأحزاب الفاشية الجديدة في أوروبا: AFD في ألمانيا، والجبهة الوطنية التابعة للوبان في فرنسا، وما إلى ذلك. وهذا هو أساسًا هيكل السياسة الأمريكية.

من ناحية أخرى، إذا نظرنا إلى قاعدة الناخبين في امريكا، فهم يميلون إلى أن يكونوا ديمقراطيون اجتماعيون، وخاصة الشباب منهم. من المحتمل أن يتم تصنيفهم مع الأحزاب في الدول الاسكندنافية، إذا كان لديهم أي تأثير يذكر. لكن حتى الآن على الأقل، يتحكم الكلينتونيون، الذين يطلق عليهم مسمى "الديموقراطيون الجدد" - نيوليبراليون، جمهوريون معتدلون، عازمين على إرضاء وول ستريت - بخط الحزب. والجمهوريون ببساطة هم خارج هذا الطيف التصنيفي  تمامًا.