2020-11-18

لا يا شيخ

| هاني عرفات *

لا نكاد نخرج من حفرة حتى نقع في دحديرة، من الصعب تقبل إنعدام الرؤيا الذي تعاني منه القيادة الفلسطينية أو بعضها هذه الايام، قبل أسابيع قليلة كان اجتماع الأمناء العامين الذي إنطلقت على أثره اجتماعات المصالحة الوطنية، الناس وربما الامناء العامون كانوا ينتظرون الدخان الأبيض الصادر عن اجتماعات الوحدة ليفاجئوا جميعاً بدخان أسود مصدره هذه المرة بيت إيل.

الأنكى من كل ذلك أن تخرج علينا القيادة بالقول أن هذا إختراق عظيم، وأيضاً بأن هذه هي المرة الاولى التي تصلهم ورقة مكتوبة في عهد نتنياهو وأن إسرائيل تعهدت بالعودة للإتفاقات إلى ما قبل أيار من العام ٢٠٠٠.

الورقة التي رأيناها ممهورة بختم منسق (المناطق المدارة) والمرسلة إلى وزير الشؤون المدنية لا تقل أياً من هذا، هي تقول أنها أي الحكومة الاسرائيلية ما زالت متمسكة بالاتفاقيات ذات الشأن (دون تحديد) لكن الرسالة تعود لتؤكد على الجانب الخاص بأموال المقاصة التي كما تقول الرسالة أن توقفها جاء بسبب السلطة الفلسطينية. الأمر لا يحتاج الكثير من الذكاء لنعرف أنهم يقصدون بالاتفاقات موضوع المقاصة لا غير، وأن هناك في السلطة الفلسطينية من يحاول أن يعظم من شأن هذه الورقة لأسباب نعرفها ولأسباب أخرى نجهلها. ولكن ما أصبحنا نعرفه الآن أن السلطة عائدة إلى المربع الأول لنبدأ رحلة الـ٢٨ سنة القادمة، وما نعرفه أيضاً أن المصالحة أصبحت خبر كان غير قابل للصرف، كما أصبح يقيناً الان أن الادارة القادمة في البيت الابيض سوف يكون سقفها في  التعامل مع الفلسطينيين من مصطبة منسق الادارة.

من يقرأ الرسالة يدرك ذلك جيداً، كما أن العودة إلى ما قبل أيار ٢٠٠٠ على الاقل إسرائيلياً يجب أن يصدر عن أعلى مستوى في الحكومة الاسرائيلية وليس عن ضابط تنسيق مهما علت رتبته. وبالمناسبة هل هذا ما كانت القيادة الفلسطينية تعمل لأجله؟ العودة إلى ما كان قبل أيار ٢٠٠٠، وماذا عن التغول الاستيطاني منذ ذلك التاريخ، وعن صفقة القرن وخطة الضم وكل الاجراءات الاحادية الجانب التي قامت بها حكومة إسرائيل ؟ هل يراد لنا كما هي العادة أن نبتلعها ونمضي ؟ بالمناسبة حتى الآن لا ندري إذا ما كانت أموال المقاصة هذه ستدفع كاملة أو منقوصة، وحتى إن دفعت بالكامل فنحن نعلم أن إسرائيل لا تقدم الهدايا المجانية وبدون مقابل، ما هو المقابل ؟ هل له علاقة بضيف الطائرة المروحية لرام الله قبل أسابيع، أم مرتبط بالقمة الثلاثية في البحرين، من يعلم؟

لن أتحدث عن الديمقراطية والانتخابات وحرية الرأي وكل هذه الرفاهيات على المستوى الفلسطيني ولكن لماذا في كل مرة تقع فيها القيادة الفلسطينية في ورطة سياسية تنادي القوى والفصائل والامناء العامين والجماهير لأن تهب للتصدي للمؤامرات وبعدها تلبس هذه القيادة طاقية الاخفاء ولا ندري ماذا تعمل في الكواليس لتخرج علينا بما ينكد ويحبط.

لامني الكثير من الاصدقاء على مدار الشهور الاخيرة على كتاباتي التي كانت تحث دائماً على الوحدة الوطنية وضرورة تجميع كل طراف الطيف الفلسطيني تحت مظلة واحدة والدفاع عن القيادة الفلسطينية في وجه الدخلاء والعابثين والمأجورين. المشكلة أن البديل لهذا الطرح يعني الدمار الشامل للقضية، لن يكون هناك ناجون، وعلى القيادة الفلسطينية أن تتحمل نتائج هذه السياسة المدمرة التي لن تجلب إلا الخراب وبضع ملايين من الشواقل.

حينما كنت طفلاً كنت حينما أطلب شيئاً غير معقول كان والدي رحمه الله يقول: لا يا شيخ. لم أكن أفهم ما يقصد ولا عن أي شيخ يتحدث ولكن بعد أن كبرت فهمت أنه كان يستهزئ بما كنت أقول لإستحالته أو لعدم صحته.