2020-11-21

بين مصطهج ومتشائم

| هاني عرفات *

انقسم الرأي العام الفلسطيني إثر إعلان السلطة الفلسطينية عن عودة العلاقات مع دولة الاحتلال إلى ما كانت عليه قبل أيار ٢٠٢٠. البعض عبر عن رفضه لهذه الاعلان، آخرون رأوا في ذلك صدق تحريهم لهلال خروج السلطة عن الخط الوطني، فيما هلل البعض الآخر للنصر المؤزر الذي تحقق بفضل صمود الرئيس في وجه المؤامرة.

للحق أقول أن من لا يرى خطورة ما جرى ودلالاته مصاب بعمى سياسي لا شفاء منه، ومن يرقص فرحاً لتحقق رؤيته لا يدرك عواقب ما جرى على القضية برمتها، يجب أن لا نخدع أنفسنا بالتمني بأن هذه القيادة ستسقط وتتلاشى، وإن حصل فما هو البديل ؟ طوال الفترة الماضية عجزت الحركة الوطنية من أقصاها إلى أقصاها عن إيجاد حلول جذرية لكبح توجهات القيادة الفلسطينية التي تماهت إلى حد الاندماج مع منظومة القيادات العربية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها. لكن ماذا فعلت بقية القوى سواء المعارضة بشدة أو باستحياء أو بتعفف خلال كل هذه السنوات سوى أن تشكل ديكور هش ومثير للشفقة؟ ما هو تأثير هؤلاء جميعاً في الشارع ؟ إن فقدان الثقة بالقيادة الرسمية سيأخذ معه أيضاً فقدان الثقة بكل الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي يأس وإحباط عام من إمكانية تحقيق المشروع الوطني ولسان حال الناس  يقول فلتذهب إلى حيث ألقت.

نحن أمام معضلة حقيقية سببها الاساس تفرد القيادة الفلسطينية، وحينما نقول هذا نعني تفرد مجموعة من القيادات قد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة باتخاذ القرارات المصيرية التي قد تعني حياة أو موت للقضية برمتها وثانياً تخلف الفصائلية الفلسطينية عن أن تشكل حاضنة لرأي الجماهير أو أن تكون نداً للتفرد. وحتى لا يظن البعض أننا نحمل الامور أكثر مما تحتمل في هذه المسألة فهي في النهاية (كما يظن البعض) مجرد تحصيل حقوق أصيلة تعود للشعب الفلسطيني أساساً.

إن التوقيت الذي تم الإعلان فيه عن إستئناف العلاقات من أسوأ ما يكون فلسطينياً، عربياً وعالمياً، فقد أعطى الانطباع للشارع العربي بشقيه الرسمي والشعبي أن الفلسطينيون ماضون في عملية (السلام) وأن ما قامت به أنظمة عربية لناحية التطبيع مع إسرائيل مسألة طبيعية، وفلسطينياً في الوقت الذي لا زالت فيه جرافات الاحتلال تنهش الارض الفلسطينية والاعلان عن بناء آلاف المستوطنات في جنوب وشمال القدس لا يهز للقيادة الفلسطينية قصبة، عدا عن أنه يطلق رصاصة الرحمة على مشاورات الوحدة التي كانت لا زالت تعقد اجتماعاتها في القاهرة لحظة الإعلان المشؤوم.

أما على المستوى العالمي وتحديداً في أميركا فهي اشارة واضحة للإدارة القادمة في البيت الابيض عن سقف توقعات الفلسطينيين خصوصاً وأن هذه الهدية تم تقديمها في ظل الادارة القديمة التي أرادت أن تقبر القضية برمتها ، ناهيك عن أثر ذلك على الموقف الاوروبي الذي لا زال حتى هذه اللحظة يرفض شرعنة الاستيطان.

أما الاعلان نفسه بإعادة الالتزام بالاتفاقات إلى ما قبل ١٩/٥/٢٠٢٠ إنما يعني أن السلطة مستعدة لتقديم كل الخدمات المطلوبة منها لإسرائيل وفقاً لهذه الاتفاقيات ففي المقابل وكما نعرف جميعاً أن إسرائيل ستستمر في خطواتها أحادية الجانب لتهويد الأرض الفلسطينية وهذا ليس الثمن الوحيد لإرجاع هذه الأموال .

الجميع يعلم مدى هشاشة الوضع الفلسطيني الداخلي، كذلك الحملة الغاشمة عربياً ودولياً ضد القضية الفلسطينية والحصار المفروض من كل الجهات ومحاولات تجفيف المصادر المالية، إلا أن ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال الذهاب في هذا الطريق الذي سوف يشجع لاحقاً على ممارسة ضغوطات مماثلة لانتزاع تنازلات أكبر.

ما قامت به القيادة الفلسطينية ليس سقطة ولا هفوة ، هذا أصبح نهجاً وممارسة يومية يجب التوقف عندها ووضع ضوابط حقيقية حتى لو كلف الامر فصائل م ت ف تجميد عضويتها، بغية إنتزاع صلاحية القرارات السياسية من يد موظفي السلطة لصالح اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

لا يجوز ولا يمكن في هذا الوقت بالذات السماح بتشظي الفلسطينيين في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الموقف، رغم التصرف غير المسؤول الذي قامت به السلطة، هناك الكثير يمكن القيام به تحت المظلة الفلسطينية لممارسة الضغط لوقف الانحراف وخصوصاً من قبل القيادات الفلسطينية: أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح والمجلس الثوري وأعضاء المجلس الوطني والمركزي وأعضاء المكاتب السياسية والمركزية للفصائل الفلسطينية للإعلان الصريح عن موقفهم بصفتهم الشخصية والتمثيلية وتحمل مسؤولياتهم أمام الشعب والتاريخ، كذلك الأمر بالنسبة للنخب السياسية والثقافية لا يحق لأي من هؤلاء أن يختفوا خلف أصابعهم.