2020-11-19

نظام عالمي يموت وثورة تولد

| سمير دياب

سقط ترامب بضربة الإنتخابات القاضية، لكنه يرفض الاستسلام بسهولة لغريمه بايدن. وفي وقت يغرد يوميا ليكيل الشتائم ويعمم الفوضى ويتسبب بالمزيد من التوتر في العالم كما فعل طيلة فترة حكمه.

كذلك، سقط العالم في مجاهل فيروس كورونا الذي يعشعش يوميا في اجساد ملايين الفقراء وينشر الذعر والفوضى، فيما اللقاحات لم تثبت فعاليتها بعد. وبينما يصول ويجول هذا الفيروس دون حمايات صحية يعمد  نظام الخداع الرأسمالي إلى نشر الاضاليل حول لقاحات غير موجودة بعد، لكسب الصفقات والسمسرات لتحقيق الارباح.

مشهد العالم كارئي بامتياز. والسمة الرئيسية للواقع الحالي تتمثل في سرعة تحرك الأحداث، وحًدة الانهيار الاقتصادي، ومنسوب ارتفاع معدل البطالة، وسقوط مفهوم الاستهلاك والإنفاق والصادرات الرأسمالية بشكل غير مسبوق.

هذه نتيجة، والسبب هو قوانين النظام العالمي الجديد التي انعكست وبالا على شعوب العالم، وزاد عليها ترامب سياسة "أميركا أولا" بعدوانية قل نظيرها التي وسعت جبهات اخصامه لتطال الصين واوروبا وكندا واليابان وروسيا وايران والمنطقة العربية.. وقد زاد وباء كورونا  الأوضاع سوءا، ما أدى إلى موجة جديدة من الحمائية، فضلا عن تراجع التجارة العالمية بنحو 13% . وما يعني أننا نتجه نحو كساد كبير لم نشهده سابقا. لذلك، فمن أجل تجنب الانهيار الفوري للنظام الرأسمالي فقد ضخت الحكومات تريليونات من الدولارات في الاقتصاد. وفي غضون أيام من الإغلاق وافق الكونغرس الأمريكي على حزمة تحفيزات تعد الأكبر في تاريخ اميركا في زمن السلم. وتم تبني نفس السياسات في جميع أنحاء العالم. وبحلول نهاية حزيران الماضي أعلنت مجموعة العشرين (G20) عن حزمة من التحفيزات بقيمة تساوي 10 تريليون دولار، أو ما يعادل 12% من الاقتصاد العالمي. ووافق الاتحاد الأوروبي على حزمة أخرى بقيمة 850 مليار دولار.

في الحقيقة ، لا تريد طغمة النظام الرأسمالي العالمي الاعتراف بأن فلسفة اقتصادها النيوليبرالي لم يعد قادرة على الاستمرار إلا بفضل ضخ كميات ضخمة من الأموال من طرف الحكومات. الامر الذي يؤدي الى تراكم أطنان من الديون التي سيتوجب عاجلا أم آجلا، تسديدها.

من سيدفع الثمن؟ هذا هو السؤال المحوري. اما جواب الدفع فسيقع على كاهل الفقراء من العمال والكادحين وكبار السن والعاطلين عن العمل وعلى جيل الشباب. وسيظل هذا العبء المالي الكبير لعقود زمنية قادمة، وسيمنع احتمال حدوث انتعاش اقتصادي جدي. وسيؤدي العجز الهائل إلى ارتفاع معدلات التضخم والضغط على الائتمان وانكماش فظيع في الاقتراض وانهيار جديد. هذا هو المنظور الحقيقي للمستقبل ... إنها الوصفة الجاهزة للصراع الطبقي.

لقد فقد منظرو الرأسمالية توازنهم. بحيث لا يدرون ماذا يفعلون. ولا يثقون بما يقولون، ولا يمكن أن نثق بما يقولون.

العالم يعيش مآثر توحش الرأسمالية، فكل يوم يتم طرد أو تسريح ملايين العمال والموظفين، واغلاق مؤسسات، وتتزايد طلبات اعانات البطالة. وهذا مؤشر خطير على تسارع حدة انكماش سوق العمل.

ما شهده العالم من حركة احتجاج شعبية اميركية ضد العنصرية منذ أشهر في بعض الولايات الاميركية تشكل خطوة جيدة في مواجهة الامبريالية ونظامها العنصري. لكنها غير كافية لضمان تقدمها ونجاحها طالما تفتقد الى قيادة وتنظيم وتأطير قادرة على دفعها قدما نحو التغيير الاشتراكي.

لقد حاول ترامب لعب ورقة “القانون والنظام”، لكن هذا الامر أدى إلى نتائج عكسية.

لكن، بغض النظر عن من يحكم البيت الابيض الجمهوري أو الديمقراطي، فإن السياسات الثابتة العدائية واستراتيجيات هذا النظام لن تتغير، ولن نلمس أي تقدم على مستوى حل الازمة الرأسمالية العالمية.

لقد عجزت النظريات الاقتصادية الرأسمالية عن تقديم الحلول للازمة الراهنة. - ربما معهم حق - لأن التقدم في ظل النظام الرأسمالي قد توقف.

في المنهج الجدلي الماركسي كل شيء يتحول إلى نقيضه. وان وعي الطبقة العاملة لا يتطور في خط مستقيم. لكنه عاجلا أم آجلا يلتحق به. هذا بالضبط ما تعنيه "الثورة" التي نعيش في حالة سيرورتها الثورية .

فالتحركات الشعبية بدأت خلال العام الماضي في السودان ولبنان والعراق وفلسطين وتشيلي والإكوادور وفنزويلا واميركا...إلخ. والغضب ضد الحكومات والانظمة المستبدة والفاسدة يتجذر في وعي الجماهير. هي تحركات واتنفاضات شعبية لم تأت من العدم. بل راكمت عواملها خلال المراحل النضالية السابقة، وانفجرت مع تعمق الازمة في وجه النهب والفساد والعنصرية والظلم.

لقد ازاح فيروس كورونا قناع النظام الرأسمالي الوحشي. ودجل النظام الصحي، وحجم السرقات والصفقات التجارية بصحة الشعوب. بحيث ان نصف سكان العالم لا يحصلون على الرعاية الصحية الاساسية. فالمرض بالنسبة للفقراء هو حكم اعدام بحقهم. فيما يعمل مئات ملايين العمال مقابل أجور أقل من زهيدة ، بينما أسعار العملات المحلية  تنهار مقابل الدولار فإن المواد الغذائية والضروريات الأخرى  ترتفع كل يوم بفعل المضاربات والصفقات والسمسرات وتفلت الرقابة.

الرأسمالية تحتضر وترفض ان تموت. اما عواقب احتضارها على الإنسانية فكارثية إلى أبعد الحدود.

ومع هذه اللوحة المشهدية الصعبة، فإن هناك مجتمعات في هذا العالم تناضل وتقاوم من أجل أن يولد عالمها الانساني الجديد. قد لا تسميه (اشتراكي)، لكن لا أسم آخر له.

إن مسألة نجاح او فشل "الثورة" تعتمد على بناء العامل الذاتي والتحضير والاستعداد له. فلن يكون هناك وقت أفضل من الظروف الموضوعية الحالية.

يجب أن تخطو قوى التغيير الاشتراكية والديمقراطية خطوات منظمة ومبرمجة، وتحدد أهدافا مرحلية قابلة للتحقيق، ثم تتحقق من تنفيذها. لبناء قاعدة عمالية وشعبية من جديد من سلسلة هذه  الخطوات تمهد الطريق لتغيرات كبيرة تصب في مصلحة حرية وعدالة وصحة وسعادة البشرية جمعاء.