2020-11-28

نظرة سريعة على توجهات الادارة الاميركية الجديدة في الشرق الاوسط

| هاني عرفات

التعيينات التي قام بها الرئيس المنتخب بايدن لا تحمل جديداً، بقدر ما هي عودة إلى ما كانت عليه الادارات الاميركية قبل أربع سنوات مع بعض التغييرات الطفيفة هنا وهناك آخذين في عين الاعتبار التغيرات التي جرت على الأرض منذ ذلك الحين.

وزير الخارجية الجديد أنطوني بلينكن ليس بجديد على العمل الدبلوماسي، خدم في إدارة الرئيسين كلينتون واوباما وعمل مساعداً في نفس المجال لنائب الرئيس في حينه و الرئيس المنتخب حالياً جو بايدن، وحسب تصريحات منسوبة إليه في العام ٢٠١٧ يوضح فيها أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية يجب أن تركز على إعادة بناء تحالفاتها الخارجية لا سيما مع أوروبا وأن الولايات المتحدة لا يمكنها مواجهة التحديات الخارجية والتغلب عليها منفردة دون تعاون من الأصدقاء والحلفاء العالميين وأن الخروج من الاتفاق النووي الايراني وضع الولايات المتحدة في تعارض مع حلفائها الطبيعيين في أوروبا وعزل أميركا عن العالم ، كما أكد على أن الدعم المطلق للسعودية من قبل الرئيس طرامب ساهم في الإضرار ببلد حليف هو قطر حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم خارج حدود البلاد. أما لناحية الازمة السورية فمن المعروف أن بلينكن كان من المتحمسين لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا بعد اتهام الحكومة السورية بإستعمال السلاح الكيماوي في الغوطة .

يتضح من تصريحات بلينكن أن الادارة الاميركية القادمة ستضع الاعتبارات بعيدة المدى للمصالح الاميركية  فوق أي إعتبار وتحديداً علاقاتها مع أوروبا التي تأتي  فوق رغبات نتنياهو، بمعنى أن الإدارة الجديدة سوف تسعى إلى إعادة الاتفاق النووي مع إيران ولكن ذلك لن يتم بشكل أوتوماتيكي، حيث ستحاول ادارة بايدن الاستفادة من الضائقة التي تعاني منها إيران بعد العقوبات المشددة والحصار الذي فرضه طرامب على هذه الدولة، وأعتقد جازماً بأنه سيتم وضع ضغوطات كبيرة على إيران لإبرام صفقة مطلوب منها أن تقدم تنازلات خارج حدودها في كل من العراق، سوريا، لبنان واليمن وأتوقع أن يقدم كلا الطرفان على تقديم تنازلات معينة والوصول إلى صفقة ما تحت الضغط، فمن ناحية التزمت حملة بايدن خلال المعركة الانتخابية بإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، بالإضافة الى أنها بحاجة لإثبات أن السياسة الاميركية عادت إلى ما كانت عليه قبل عهد طرامب أمام الحلفاء الأوروبيين، أما إيران فلم يعد خافياً على أحد مدى الضرر الذي لحق بها وباقتصادها نتيجة الحصار المشدد من إدارة طرامب، لا شك أن مفاوضات قد تستمر لأشهر بين الطرفين بوساطة أوروبية ستفضي إلى تنازلات متبادلة، السؤال يبقى من سيقدم تنازلات أكبر، لأن نتيجة هذه المفاوضات ستحدد شكل المنطقة السياسي لسنوات قادمة.

أغلب الظن أن التركيز سيكون أكثر على سوريا ولبنان حيث سيكون مطلوباً من إيران أن تقدم تنازلات أكبر هناك، ولكن ذلك لن يتوقف على رغبة الطرفين كون هناك لاعب أساسي آخر على الساحة السورية وهي روسيا التي ربما سيحاول الطرف الاميركي المقايضة معها في أمور أخرى. فيما يمكن أن تتفهم أميركا الوضع الخاص بالعراق، وربما تسوية تضمن نوع من تقاسم النفوذ في اليمن.

أما فيما يتعلق بالشق الفلسطيني من الموضوع فإنه من غير المرجح حصول إختراق ما مع الاسف خصوصاً بعد الإعلان عن إستئناف العلاقات مع الاحتلال الاسرائيلي بحيث أن هذا الاعلان وفي هذا الوقت بالذات يعطي الانطباع بأن السلطة الفلسطينية تكافح لأجل البقاء ولم يعد لديها أي شيء لتضعه على الطاولة إذا ما أضفنا لذلك انكشاف الظهر بعد عمليات التطبيع المتلاحقة، فلا عمق عربي ولا وحدة وطنية. كل ما تستطيع هذه الادارة تقديمه هو إجراءات شكلية مثل إعادة فتح مكتب م ت ف في واشنطن و إعادة فتح القنصلية الاميركية في القدس الشرقية و استئناف بعض المساعدات و إعادة ضخ أموال لوكالة الغوث ولكن بأقل مما كان عليه الحال قبل وصول طرامب إلى السلطة. ربما يستطيع الفلسطينيون تحسين وضعهم قليلاً إذا ما أتموا الوحدة وأجروا الانتخابات وقاموا بعملية إصلاح حقيقية ولكن هذا يبدو بعيد المنال .

أما لناحية الخليج العربي فإن الادارة القادمة ستمارس ضغطًا شديداً على السعودية والامارات لتصحيح العلاقة مع قطر ربما من خلال ملف خاشقجي أو ملفات حقوق الإنسان ، لذلك على ما يبدو سارعت إدارة طرامب إلى لقاء القمة الذي جمع وزير خارجيتها بومبيو مع ولي العهد السعودي ونتنياهو لتقديم تطمينات للسعودية بأن إسرائيل ستكون إلى جانبها في حال مورست عليها ضغوطات من الادارة القادمة .

على أي حال فإن السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة ستركز على الموضوع الإيراني و إنعكاساته أكثر من أي شيء آخر، لكن الثقل الاساسي لهذه السياسة لن يكون في الإقليم بأي حال من الأحوال ولكن في أمكنة أخرى أكثر أهمية للمصالح الاميركية.