2020-11-27

«الجمعة السوداء»... اسم مناسب من نواحٍ عديدة  

كتب: ريم عيسى

يحتفل الأمريكيون بـ«عيد الشكر» في الخميس الرابع من شهر تشرين الثاني من كل عام. لوقت طويل، كان يجري تعليم الأطفال أنّ هذا الاحتفال يجمع المستعمرين والأمريكيين الأصليين معاً لتقديم الشكر ... ولكن على ماذا  بالضبط، لا يبدو أن أحداً يثير هذا السؤال. ومع ذلك، ففي السنوات الأخيرة، ظهرت قصص أخرى حول هذا الاحتفال تعيد أصوله إلى إحدى المذابح التي نفذها الجنود الاستعماريون للمئات من الأمريكيين الأصليين.

ما أوردناه هو نسخة قصيرة جداً من الجذور الرهيبة لهذا "العيد" الذي أصبح تقليداً أمريكياً أساسياً... ولكن إلى جانب عيد الشكر، يأتي ما أصبح يُعرف باسم «الجمعة السوداء»، وهو يوم الجمعة الذي يلي يوم عيد الشكر مباشرةً، والذي يُفترض أنه أحد أكثر أيام التسوق ازدحاماً، إن لم يكن أكثرها ازدحاماً في الولايات المتحدة. يرجع هذا في الغالب إلى صفقات البيع والتسوق والتنزيلات التي يعرضها تجار التجزئة في الولايات المتحدة لتحفيز المستهلكين الأمريكيين على شراء سلعهم.

نشأ الاسم في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي في مدينة فيلادلفيا، حيث غمرت جحافل من الناس المدينة في اليوم التالي لعيد الشكر، وحيث احتاجت شرطة المدينة إلى دعم وإلى العمل في نوبات طويلة حتى تتمكن من السيطرة على الفوضى والاختناقات المرورية، في وضع تزداد فيه جرائم معينة مثل سرقة المتاجر. ظل اسم اليوم عالقاً في فيلادلفيا حتى عندما ارتبطت خصائصه الرئيسية بنشاط التسوق المرتفع. لم يتم تبني الاسم على الصعيد الوطني حتى منتصف الثمانينيات وأصبح مرتبطاً بـ "البداية الرسمية" لموسم التسوق في عيد الميلاد.

تبدو التسمية رغم ذلك منطقية تماماً، بالنظر إلى الوضع الذي كانت فيه الرأسمالية، لا سيما في الولايات المتحدة، في الثمانينيات، حين تبني اسم "الجمعة السوداء"... وربما الأكثر «سواداً» في العيد نفسه هو جعله يوماً "رسمياً" يحتفل بالنزعة الاستهلاكية الجماهيرية.

الجمعة السوداء تجذب عدداً هائلاً من الأمريكيين إلى مراكز التسوق والمتاجر، وغالباً ما يدوس هؤلاء بعضهم البعض، للحصول على صفقات "مذهلة" ولينفقوا مبالغ ضخمة من المال على أشياء نادراً ما تكون منتجات أساسية، وبالتالي غالباً ما يشترون أشياء لا يحتاجونها، وبمال لا يملكونه بالفعل (عبر الهوامش العالية للدين ضمن بطاقات الائتمان)، وهذا كله يؤجج الحلقة المفرغة للرأسمالية التي تلتهمهم ببطء.

بعد قرون قليلة من وقوع الأعمال المروعة التي ارتكبها المستعمرون ضد الأمريكيين الأصليين، ثم منحها طابعاً إيجابياً بتحويلها إلى عطلة وتسميتها "عيد الشكر"، يبدو أن الرأسمالية تفعل بـ«الأمريكيين المعاصرين» الشيء نفسه الذي فعلته مع الأمريكيين الأصليين، وبطريقة قد تكون أقل دموية، ولكن بالتأكيد... ليست أقل فتكاً...