2020-12-10

البنك الدولي عدوّ القطاع العام

ماهر سلامة

يمثّل البنك الدولي أحد أبرز أعداء القطاع العام. هي سياسة متّبعة منذ إنشائه على أسس النيوليبرالية التي دفعته إلى تخصيص 60% من ميزانية مواجهة تداعيات (كورونا) البالغة 14 مليار دولار، للقطاع الخاص، علماً بأن 68% منها صبّت في جيوب المؤسّسات المالية. أما القروض التي حصل عليها القطاع العام، فقد جاءت بشروط تتعلّق بالأسواق مثل تحرير الأسواق وخصخصتها ورفع الحمايات التجارية.

من خلال رصد الخطوات والإجراءات التي يقوم بها البنك الدولي لمواجهة تداعيات (كوفيد-19)، استنتجت دراسة تبنّتها ونشرتها مجموعة (الشبكة الأوربية للديون والتنمية) أن البنك الدولي يحابي القطاع الخاص على حساب القطاع العام. فعلى مدى العقد الأخير، كان البنك الدولي يلعب دوراً قيادياً في إعادة توجيه التنمية، مركّزاً على استعمال المال العام والمؤسّسات العامة كرافعة من أجل التمويل الخاص. جوهر هذه المقاربة يتعلّق بتحريك المساعدات الرسمية المخصّصة للتنمية من أجل تقليص مخاطر القطاع الخاص. هكذا صارت معايير القطاع العام في خدمة تشجيع الاستثمار الخاص. هذه المعايير اتّخذت أشكالاً مختلفة من تقديم المساعدة التقنية لإصلاح السياسات والمؤسّسات في بلد ما أو قطاع ما، وصولاً إلى تحميل القطاع العام خسارة أو تأمين قروض له مدعومة الفوائد.

مشروع (كاسكاد)

في عام 2017 أطلقت مجموعة البنك الدولي مقاربة رسميّة لهذا النهج بعنوان (توسيع التمويل من أجل التنمية)، أو ما سُمّي بـ(كاسكاد) التي صُمّمت لتكون ضمن رؤية البنك الدولي لعام 2030. في إطار هذه المقاربة، كان لتمويل القطاع الخاص أولوية قصوى من أجل (استدامة) الاستثمار. فالبرنامج يعتمد استراتيجيات ممنهجة ومحدّدة بهدف تعزيز تطوّر القطاع الخاص من خلال تحويله إلى محرّك أساسي لخطط التنمية المرتبطة بتقديم الخدمات العامة. وهذا المسار يأتي من رحم توجّهات معروفة للبنك الدولي على مدى العقود الماضية، حين كان يشجّع التقشف واستراتيجيات الخصخصة في القطاعات الصحية العامة. هذا ما أدّى إلى خنق تطوّر شبكات الحماية الاجتماعية العالمية، كما أنه من دون أدنى شكّ، غذّى الانهيار الدراماتيكي حول العالم بسبب الجائحة. وفيما يمضي البنك الدولي في هذا المسار خلافاً للأصوات الكثيرة التي طالبت بزيادة الدعم الموجّه للقطاع الصحي العام الذي تبيّن أنه يحتاج إلى الدعم لمواجهة تداعيات (كورونا)، تبيّن أن هذا القطاع (وقف شبه وحيد في مواجهة هذه الجائحة) كما جاء في الدراسة.

من هم الأكثر استفادة؟

خلافاً لذلك، استغلّ البنك الدولي جائحة (كوفيد-19) وتداعياتها من أجل فرض هذه الأجندة على الدول الفقيرة. فبحسب دراسة أعدّتها أورانيا ديماكو وآخرون ونشرتها مجموعة (الشبكة الأوربية للديون والتنمية) الشهر الماضي، تبيّن أن البنك الدولي خصّص ميزانية فورية بقيمة 14 مليار دولار لمواجهة هذه التداعيات وزّعت بنسبة 60% للقطاع الخاص، مقابل 40% للقطاع العام.

تقول الدراسة إن دلالة توزيع المبالغ تشير مباشرة إلى توجّهات البنك الدولي السلبية تجاه القطاع العام وتقطير حصوله على المبالغ التي يحتاجها. فمن أصل 8 مليارات دولار التي حصل عليها القطاع الخاص، استحوذ القطاع المالي على 5.7 مليارات، أو ما يوازي 68% منها. المصارف كان لها النصيب الأكبر من هذه الأموال. (هناك مصرف عالميّ كبير هو أحد المستفيدين، وهناك مصرف آخر يعدّ بمثابة أكبر مؤسسة تمويل في منغوليا، فضلاً عن مجموعة كبيرة من المصارف التجارية التي تختصّ بتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة ومقرها في ألمانيا).

يزعم البنك الدولي أن المستهدَف من هذا الدعم هو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز صمودها في مواجهة تداعيات الأزمة، لكنّ الأرقام تُظهر أمراً آخر. فبحسب مجموعة (الشبكة الأوربية للديون والتنمية)، 50% من الأموال التي جرى توجيها إلى القطاع الخاص، تلقّتها شركات مملوكة بأكثريتها من شركات متعدّدة الجنسيات، أو شركات تمثّل جزءاً من تجمّع شركات دولية international conglomerates. هذا الأمر يعزّز الشكوك بأن تكون أموال الدعم قد وصلت إلى من هم بحاجة لها فعلياً. فبدلاً من استغلال الفرص التي توفّرها أزمة (كوفيد -19) لإجراء إصلاح شامل في توجهات البنك الدولي، بما في ذلك تعزيز نظام ضريبي أكثر عدالة، والعمل على تخفيف الديون من أجل تعزيز قدرة القطاع العام على إعادة البناء بشكل أفضل، يتم استغلال هشاشة القطاع العام لمواصلة تعزيز الحلول للقطاع الخاص.

إلى جانب هذه المحاباة للقطاع الخاص، برزت معضلة ثانية تتعلّق بشفافية التمويل المقدّم من البنك الدولي للقطاع الخاص عبر ذراعه التنفيذية (مؤسسة التمويل الدولية). فالدراسة تشير إلى أنه لا تزال هناك معلومات مهمّة مفقودة تمنع رسم صورة كاملة عن هوية المستفيدين من التمويل الذي حصلت عليه المؤسسات المالية من مؤسسة التمويل الدولية. آلية التمويل الخاصة بـ(كوفيد -19) هي عبارة عن (خطّ سريع) استُعمل كمبرّر من أجل تقديم استثناءات مرتبطة بالإعداد والتنفيذ السريع للبرامج التي يتم تطبيقها. هذا الأمر بحسب الدراسة، يستبعد إشراك الأطراف المناسبة المخوّلة تقديم الاستشارات المطلوبة للحفاظ على الشفافية. غياب هذه الاستشارات يجعل التزام الشفافية التي يتعهّد بها البنك الدولي غير مضمون.

(الإصلاح العام) لحساب القطاع الخاص

في مقابل هذا التهاون مع القطاع الخاص، فإن التمويل الممنوح للقطاع العام جاء بشروط. فبحسب الدراسة، طُلب من الدول التي حصلت على قروض لتعزيز قدرة أنظمتها الصحية العامة في مواجهة الجائحة، أن تقوم بـ (إصلاحات بنيوية) من خلال التركيز على تحرير الأسواق وإعادة تنظيمها. في اجتماع أمام قادة الدول الـ20 في آذار الماضي، قال رئيس البنك الدولي: إن الدول التي ستستفيد من الدعم عليها أن تقوم بعملية إصلاح تؤدّي إلى تقليص فترة التعافي وتخلق الثقة. سنعمل مع الدول التي لديها أنظمة وقواعد تتضمّن الدعم، أنظمة التراخيص، الحمايات التجارية أو أي نوع آخر من العوائق، من أجل احتضان الأسواق والخيارات، وتسريع النمو والازدهار أثناء التعافي.

تقدّم الدراسة أمثلة عدّة عن الإصلاحات المطلوبة من الدول:

– تنفيذ إصلاحات لتعزيز مشاركة القطاع الخاص الأجنبي في الاقتصاد الوطني، خصوصاً في مجالات الطاقة والاتصالات، كما في أثيوبيا.

– تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في تعزيز قدرة القطاع العام على فرض أجنداته الخاصة بالنمو، كما هو الحل في كينيا.

– تطوير إصلاحات (من المتوقّع أن تدعم التنوع الاقتصادي من خلال تعزيز الانفتاح وجذب الاستثمارات إلى القطاعات الرئيسية، وتخفيف الحواجز التجارية وإصلاح الشركات المملوكة للدولة وزيادة الاستثمار في البنى التحتية) كما يحصل في أندونيسيا.

– إزالة العوائق أمام القطاع الخاص في الإكوادور، والدعوة إلى العمل على إصلاحات (لزيادة الفعالية) وتعزيز الاستدامة المالية في القطاع العام. عملياً ترجمة هذه العبارات تكون من خلال خفض الأجور وخفض الإنفاق في القطاع العام.

تشي هذه التدخلات بأن هناك التزاماً كبيراً ومستمراً من البنك الدولي في التوجّهات التي يرسمها من خلال تحديد أولوياته في السوق، وهذا ما أدّى إلى نتائج سلبية على القطاع الصحّي وترتبت عليه آثار سلبية انعكست على قضية كبرى اسمها (المساواة).

تركيز على الخصخصة

لا يصعب الاستنتاج بأن مجموعة البنك الدولي ترى في الوباء فرصة لتعزيز أجندتها الخاصة بـ(توسيع التمويل من أجل التنمية). فالدراسة تخلص إلى أن أجندة البنك الدولي لا تزال قائمة على ترويج الشراكة بين القطاعَين العام والخاص (شكل آخر من أشكال الخصخصة) من خلال الخدمات الاستشارية، توجيه السياسات الاقتصادية والتمويل. وهذه الشراكة تُستعمل كقناة من أجل تمويل البنية التحتية وتوفير الخدمات العامة، وهي استراتيجية يواصل البنك الدولي القيام بها رغم ضعف الأدلة التي تدعم صحّة هذا النهج وتعدّد الأبحاث عن مخاطره. فالالتزام بتمويل القطاع الخاص، كمحور أساسي للتنمية، يستمرّ من دون أيّ مبرّر تحليلي أو تجريبي واضح، بل هو يثير مجموعة من القضايا تطرّق إليها أكاديميون ومنظمات المجتمع المدني على مدى السنوات الماضية.

ومن بين هذه القضايا، ازدياد المخاطر على القطاع العام، تهشيم تقديمات الخدمات العامة، اختيار مستثمري القطاع الخاص للمشاريع الأكثر ربحاً فقط من دون الاهتمام بالمصلحة العامة، تدهور ظروف العمل في القطاع العام المموّل من القطاع الخاص، ارتفاع أكلاف الخدمات العامة، الولوج إليها بشكل غير عادل، نقص المرونة الناتج من الشروط التعاقدية طويلة الأجل.

"الأخبار"