2020-12-27

المثقف وأوتاد الثقافة المنفتحة

| الياس خليل نصرالله

،،المثقف الديالكتيكي، يُطوّر نفسه باستمرار بدراسته وانفتاحه ومنطقه الجدلي لاستيعاب الحقائق والثورات العلمية والتقنية، ليتمكن من مواكبة الحداثة وتفسيره الواقع على ضوء المستجدات والمتغيرات،،

يتحلّى المثقف بالقيم الانسانية السامية، والشجاعة الفكرية، يناقش بتروٍ وعقلانية ما يسمعه أو يقرأه أو يشاهده. فهو لا يتلقى ما سمعه أو قرأه كالببغاء، أو يمتصه كإسفنجة، إنما يقوم بغربلته وتمحيصه، وسبر أغواره، ليتمكن من الادراك والتمييز بين الحقيقة والخرافة وبين ما هو بنّاء وهدام. والمثقف يبادر للتفاعل مع قضايا ومعضلات مجتمعه، يدعم الإصلاح والتغيير والتطور، ليحقق بالعيش هو وكافة شرائح مجتمعه واقعًا تسوده المحبة والتسامح والرفاه والطمأنينة. شعاره في الحياة "دَعْ الأفكار تتفتح كما الأزهار تتفتح". ويعترف بالتعددية، ويرفض ويناهض كل موروث يعيق ويعرقل مسيرة التطور، وحرية الفكر والنقد والمعيار لتقويم انفتاحه الفكري، هو درجة قدرته على التحاور والتحمل لآراء مخالفة لرأيه وجاهزيته للاعتراف بأخطائه، ومبادرته لتطبيق الرأي الاخر لإدراكه واقتناعه بصحته.

اما المتعلم هو من تعلم أمورًا، لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه، يسعى بشكل قهري لاجترار الآراء والمعلومات الداعمة فقط لرأيه، اَي هو ممسوس بالانتهازية والجمود العقائدي، والفكر السلفي المقولب، والمتقوقع في دياجير الماضي السحيق وتهميش وتعنيف المغاير له.

יما زالت مجتمعاتنا تفتقر الى أبجديات الثقافة لتلتحق بركب الحضارة.  فالكثير من المتعلمين في مجتمعنا هم حملة شهادات، تنقصهم او يطمسون -قدراتهم العلمية، الموضوعية والنقدية - خلال سيرورة تحدياتهم لمعضلات المجتمع ونضالهم لعلاج آفاته وازماته وتصدعاته. وعليه لكي ندرك دور المتعلم في المجتمع علينا ان نعايش مواقفه وأفعاله وليس ما يزعم او يعتقد او يتظاهر عمله.

انه الناقد الاجتماعي، والعنصر الفعّال لبناء مجتمع أكثر عقلانية وأكثر إنسانية. فهو الممثل لقوة فاعلة، تملك القدرات والمؤهلات لتطوير المجتمع، من خلال التزامه بقضاياه، فهو ضمير المجتمع، وحامل مشعل النور في سبيل المساهمة بتحقيق نظام سياسي واجتماعي واقتصادي أكثر إنسانية وتوازن وعدالة.

ويدأب باستمرار لتذويت وتجذر القيم والمبادئ، والتي تنبذ كل مظاهر وممارسات التمييز على اساس اللون، الجنس، العرق والدين والقومية. ويدعم حرية التفكير والنقد والانفتاح الفكري العقلاني المتسامح. ان مقولة غرامشي تلخص واقع الكثير من المتعلمين في المجتمع "ليس بيننا من لا يفكر، بشكل أو آخر، ولكن بيننا الكثير من ينكر على الآخرين حرية تفكيرهم".

ان مقومات المثقف الديالكتيكي توظيفه ثقافته وعقله كوسيلة تساعده على الربط بين ما يستوعبه فكره من أفكار وتقنيات جديدة وبين ما كان يعرفه من قبل. ولينقلها مختلطة بعصارة فكره، ومقترنة ومدعومة منطقيًا بموقف مؤيد او رافض للقضايا التي يتطرق اليها. وهو على يقين بانه يستحيل لأي نشاط انساني ان يكون خاليًا من النشاط الذهني، ولن يتكامل بدون ارتباطه بنشاط يدوي. وتطرح النظرية المادية الجدلية، في هذا الشأن ضرورة توفر الفهم العميق والدقيق لكيفية التفاعل والتأثير المتبادل، بين البنيتين التحتية والفوقية، ليتحقق التطور من الادنى الى الاعلى ومن البسيط الى المعقد، لينفي العوامل التي تعيق مسيرة البناء والتطور والتمسك بكل تراث يدعمها. او باستخدام لغة غرامشي، "العلاقة الديالكتيكية بين البنية الفوقية، بقواها المهيمنة، والقوى الاجتماعية المسيطرة النابعة من علاقات الإنتاج".

وبرأيي إذا كان من العسير عليه استيعاب ومواكبة التغيرات في واقعه دفعة واحدة، فانه لا يتنازل عن محاولاته الدؤوبة والتدريجية لإدراكها وتطبيقها ببحثه وكشفه عوامل ظاهرة معينة ليتمكن من استيعابها. وهذه برأيي مقومات المثقف الذي يعايش هموم وتطلعات شعبه، اي يجد نفسه بين الناس، وليس في احضان المناصب والمال، فهو يعي ويدرك ان الترف يجمد العقل ويسخفه.

ان المثقف الديالكتيكي، يُطوّر نفسه باستمرار بدراسته وانفتاحه ومنطقه الجدلي لاستيعاب الثورات العلمية والتقنية والحقائق العلمية، ليتمكن من مواكبة الحداثة وتفسيره الواقع على ضوء المستجدات والمتغيرات.

ونجده يرفض مقولات وتأويلات مثقف الظل بأن تردي اوضاع المسحوقين مصدره نزعتهم الاتكالية وكسلهم ولا مبالاتهم. لأنه يعي ويدرك ان الانسان المقهور هو ضحية الاستغلال ويصارع الزمن والطبقية التناحرية الجشعة من اجل البقاء. وتنبع توجهاته هذه لكونه صاحب فكر ومواقف ثاقبة، لا تعرف الهدوء والسكينة، ولا تلين قناته في انتقاد وتعرية الانتهاكات والفساد وصفقات امراء (تايكون) المال والسلطة. ولا ينحصر دوره فقط في ذلك، انما يثابر بان يتخذ منها موقفا شجاعًا ومتحديًا، ليوفر الظروف والامكانيات لاقتلاعها، مهما كلفه ذلك من تضحيات. وعليه صدق من عرفه بأنه "المدرسة والمحامي المجاني للمعذبين في الارض، انه القوة الدينامية والمتبصرة والرائدة، المؤثرة في مجتمعها والمتأثرة منه".

ان كل ما ذكرته يؤكد بان المثقف الديالكتيكي هو ضمير المجتمع، وحامل مشعل النور في سبيل بلوغ منظومة سياسية واجتماعية أكثر إنسانية وعقلانية. انه النقيض لمثقف الظل الذي سلّع قلمه، وهانت عليه كرامته لخدمة وتجميل إيديولوجيات سياسية واقتصادية قهرية لينطبق عليه مقولة هربرت ماركوزا "انه الانسان ذو البعد الواحد المسطح". كما يشمل فئات واسعة من المتعلمين المؤطرين والمحجمين في بوتقة وظيفة حكومية بيروقراطية يعايشون حياة سيزيفية قاتمة، ليجمع بين غالبيتهم عبارة "تورجنيف"، "لقد خرجنا جميعًا من تحت معطف غوغول". انه مثقف الظل التقليدي، المتكسب بكتاباته المنمقة بعباراتها الجوفاء والطنانة لأرباب السلطة والمال والجاه، تحركه مصلحة قوامها الخنوع والانتفاع لتصبح عنده، معاناة المعذبين في الارض طي الكتمان والنسيان. ومن مثالب وعورات فئات واسعة من هؤلاء المثقفين ايمانهم الأعمى بأن القوى المهيمنة معصومة عن الخطأ وليس لها أي بديل. ويمكن ان يحرك بعضها فوبيا التغيير لتخوفها من الضياع من ناحية، وتفشي الفوضى من ناحية اخرى.

ومن الضروري القاء الضوء على دور ومكانة المرأة المتعلمة والمثقفة. اذ يعتمد كثيرون بتعريف المرأة المثقفة حسب المعيار التعليمي والحصول على القاب جامعية، الا ان واقع المرأة المتعلمة يثبت ان ذلك ليس شرطًا كافيًا لتصبح المرأة مثقفة.

فالمرأة المثقفة هي صاحبة فكر متنور، يناقش ويحلل مختلف العقبات التي تعيق تحررها ومساواتها الحقيقية. فهي الرافضة لطغيان النزعات الذكورية، والخنوع والتذلل والغاء ذاتها امام الرجل، والتسليم الأعمى القهري بسموه وتفوقه عليها.

رغم طموح الفتاة وتفوقها في مجالات متعددة، فقد استمرت مكانتها وحقوقها بالتدني. ان وصول نسبة ضئيلة من النساء، إلى مواقع صنع القرار؛ كان وما زال تغييرًا شكليًا، ليستمر وضعها ومكانتها بالتهميش والتجاهل. ان التغيير الجذري سيتحقق بتغيرات جذرية في كل مركبات بنية المجتمع ليوفر للمرأة حيزًا بتوفر الفرص والامكانيات لبناء مجتمع يتميز بتوفر فرص المساواة الملموسة بين الجنسين.

رغم التقدم النسبي الذي أحرزته المرأة، في مجالات متعددة؛ إلا أنها تعاني معاناة مزدوجة: معاناتها كمواطنة عربية، تحمل هموم شعبها العربي، وآلامه وآماله، ومعاناتها كامرأة، تعاني التمييز بسبب جنسها، والذي ينعكس من خلال قوانين غير منصفة، تضعها في موقع التابع لا الشريك، الأمر الذي يضعف إمكانية استفادة الوطن من خبراتها وطاقاتها. وحين تحصل، من خلال نضالها الدؤوب، على بعض الحقوق، تتعرض لنقد شديد، من القوى المحافظة. وما زالت المرأة تناضل على جبهات عديدة: جبهة الفقر والتخلف، وجبهة الحريات التي لا تتجزأ، والتي تتضمن حريتها كامرأة، لذا نجدها تمارس نضالاً مكثفًا ومثابرًا لتطوير قانون الأحوال الشخصية في بلدها، والمشاركة في النظام التنفيذي، والتشريعي، والقضائي، والاندماج في الاطر كل الاطر والمؤسسات الاقتصادية، والمجتمع المدني والسياسي، وكافة النشاطات والفعاليات في الدولة والمجتمع. ومن الصعب تحقيق المساواة الجوهرية، بدون اقتلاع واجتثاث ما اكده ابسن "مازالت المرأة دمية الرجل"، اي كنس كل العوامل، التي تشرعن تفوق الرجل عليها، وممارسة كل اشكال العنف ضدها، ومحاربة الفقر والتهميش، والافكار المقولبة، وتغليفها بالتقاليد والمفاهيم السلفية، لتخليد نزعة السطوة الذكورية البطريركية عليها.

واختتم موضوعي بما كتبه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، "المتعلم لم يَزِده من العلم الا ما زاد من تعصبه وضيق افقه......اما المثقف فيمتاز بمرونة رأيه واستعداده لتلقي كل فكرة جديدة، وللتأكد فيها، ولتملي وجه الصواب فيها. وَمِمَّا يؤسِف، ان المثقفين بيننا قليلون، والمتعلمين كثيرون، ومتعلمينا قد بلغ غرورهم مبلغا لا يحسدون عليه، وهذا هو السبب الذي يجعل احدهم، لا يتحمل رأيًا مخالفًا لرأيه".