2020-12-31

قصر «الرَّشيد» كان يُضاء احتفالاً بالأعياد المسيحيّة

| سعود قبيلات

مِنْ مظاهر الانحطاط في زماننا ما أصبحنا نسمعه ونقرأ عنه مِنْ فتاوى تصدر باسم الإسلام لتُحرِّم على المسلم أنْ يهنئ ابن وطنه وأمّته المسيحيّ بالأعياد المسيحيَّة.

وليس صدفةً أنَّ هذه الحملة الظَّلاميّة الفتنويّة قد اشتدّتْ مع بدء تنفيذ مشروع تفتيت الدّول العربيّة والشّعوب العربيّة، على أساسٍ طائفيّ ومذهبيّ، وعلى الأخصّ منها شعوب البلدان المحيطة بفلسطين المحتلّة.

وأُذكِّر هنا بأنَّ إسرائيل شاحاك كان قد كشف في أواخر سبعينيّات القرن الماضي بأنَّ الدَّوائر «الإسرائيليّة» قد انتهت – آنذاك – مِنْ إعداد مثل هذا المخطَّط اللئيم ليتمّ تنفيذه لاحقاً في الوقت المناسب. والغاية منه هي أنْ تنتهي غربة الكيان الصَّهيونيّ في محيطة، ويصبح متجانساً مع العديد من الكيانات الطَّائفيّة والمذهبيّة الهزيلة الَّتي سيتمّ اصطناعها في المنطقة على أسس الفرقة والنِّزاع والانقسام، ليتواصل تنازعها إلى ما لا نهاية، ويزداد وهنها وهزالها باستمرار، في حين يصبح الكيان الصَّهيونيّ هو الأكبر بينها مِنْ حيث عدد السّكّان، والممسك بزمام قيادتها جميعاً، وصاحب القرار الأوّل والأخير في المنطقة. وقد كتبتُ مقالاً عن ذلك في حينه، نُشِرَ في مجلّةٍ «مرآة الأمّة» الكويتيّة.

وليس مصادفةً أنَّه تحت ستار هجمة هذا الفكر المذهبيّ الطَّائفيّ، نفسها، سارت «إسرائيل» بخطى ثابتة نحو إعلان ما سُمِّي «يهوديّة الدَّولة» وإقرار التَّشريعات اللازمة لذلك.

على أيَّة حال..

في الثَّقافة العربيّة الإسلاميّة توجد صورة أخرى مغايرة لصورة هذه الأفكار المنغلقة المعادية للرَّوابط الوطنيّة والقوميّة.. بل والإنسانيّة أيضاً. جيلنا والأجيال، الَّتي سبقت المدّ الظَّلاميّ الوهّابيّ بتجلّياته المختلفة، يختزنون في ذاكرتهم مثل هذه الصّورة الجميلة المغايرة.. خصوصاً في بلاد الشَّام.

أكثر مِنْ ذلك، فإنَّنا نستطيع أنْ نجد لهذه الصّورة المشرقة امتداداً بعيداً جِدّاً في التَّاريخ العربيّ الإسلاميّ يؤكِّد التَّرابط الثَّقافيّ العميق لمكوِّنات الأمّة. وفي هذا السِّياق، سأورد، في مقالي هذا، بعض الإشارات عن كيفيَّة احتفال المسلمين بالأعياد المسيحيَّة (وسواها) في أوج ازدهار الدَّولة العباسيَّة. وقد عُدتُ في هذا إلى:

كتاب المؤرِّخ الفرنسيّ أندريه كلو «هارون الرشَّيد ولعبة الأمم»، الَّذي صدرت طبعته الأولى في العام 2005 عن المؤسَّسة العربيَّة للدِّراسات والنَّشر، وهو مِنْ ترجمة صادق عبد المطلب الموسويّ؛

مقال لطارق حرب، منشور في موقع «المستقبل العراقيّ»، وهو بعنوان «البغـداديّـون المسيحيـّون واحـتـفـالاتـهـم في العهد العباسيّ الأوَّل».

المسلمون في بغداد الرَّشيد كانوا يحتفلون بأعياد المسيحيّين بدرجة وبهجة أعيادهم

كتاب «كلو»، المشار إليه، مهمّ وممتع ويقدِّم الكثير من المعلومات والأفكار الجديدة والشَّيّقة عن حياة هارون الرَّشيد ودوره في التَّاريخ العربيّ الإسلاميّ. أمّا فيما يخصّ موضوع هذا المقال، فالمؤرّخ الفرنسيّ (كلو) يعرض في البداية، تفاصيل كثيرة ومهمَّة عن احتفال النَّاس في عاصمة الرَّشيد بِعيديْ الفطر والأضحى، وعيد النَّيروز، وعيد «مهراج»، عيد الشِّتاء، و«عيد الصَّدر» الفارسيّ المنشأ.. الخ. ولا يتَّسع المجال هنا – مع الأسف –لإعادة سرد كلّ التَّفاصيل المفيدة والشَّيّقة المتعلّقة بهذا الموضوع.

أمَّا فيما يتعلَّق بالاحتفال بأعياد المسيحيين، على وجه الخصوص، فيشير «كلو» إلى أنَّ المسلمين في بغداد الرَّشيد كانوا يحتفلون «بأعياد المسيحيّين بالدَّرجة والبهجة نفسيهما اللتين يحتفلون بهما بأعيادهم». فقد كانوا يشاركون في أعياد ذكرى القدّيسين الَّتي كانت تقيمها الأديرة النَّسطوريّة العديدة الَّتي كانت موجودة في بغداد. ويصف أندريه كلو هذه الأديرة بأنَّها كانت «واسعة وكبيرة ومحاطة بحدائق غنّاء وتستوعب أعداداً غفيرة من المحتفلين، حيث الرَّقص والغناء والشَّراب».

أمَّا في عيد الفصح، فكان المسلمون والمسيحيّون، كما يقول «كلو»: «يفدون أفواجاً إلى الدَّير الأرمنيّ سامالو، وهو بناء شامخ يقع شمال شرق المدينة وسط حدائق واسعة، ويروي الشَّابشتيّ بأنَّ النَّاس في هذا اليوم يحتفلون ويرقصون حتَّى تتراءى لهم الجدران ترقص والأرض تصغر مِنْ تحت أقدامهم».

وكانت ثمَّة احتفالات مسيحيَّة أخرى عديدة يشارك فيها المسلمون أيضاً؛ ففي آخر سبت مِنْ شهر أيلول كان النَّاس، مسيحيين ومسلمين، يذهبون إلى دير الثَّعالبة المحاط بالرِّياض والغابات ليحتفلوا معاً هناك.

وفي الثَّالث مِنْ تشرين الأوّل كانوا يذهبون معاً إلى دير أشمانا ليحتفلوا ثلاثة أيَّام متتالية.

«وفي أوَّل يوم أحد مِنْ أيّام الصِّيام لدى المسيحيّين، ينضمّ إليهم المسلمون في دير عقبرا»، ليحتفلوا معاً.

«وفي الأحد الرَّابع يحتفلون مِنْ جديد ولمدَّة عدَّة أيَّام عند قرية ديرماليس، وحتَّى بلاط الخليفة يحتفل بهذا العيد حيث الوصيفات يغنّين وهنّ يحملن سعف النَّخيل وأغصان الزَّيتون». بل إنَّه، في بعض الأعياد المسيحيّة، كان قصر الخليفة يُضاء احتفالاً بالعيد ثلاثة أيّام متتالية.

كما كانوا «يحتفلون أيضاً بعيد القدّيسة بربارة في الرَّابع مِنْ كانون الأوَّل».

بعد ذلك، يحتفلون بعيد ميلاد المسيح، «وفي هذا العيد تُستخدم الألعاب النَّاريَّة وتُوزّع الحلوى والكرزات وخاصَّة الجوز».

ونكتفي بهذا القدر من الاستناد إلى كتاب أندريه كلو «هارون الرَّشَّيد ولعبة الأمم»، ففيه توجد تفاصيل أخرى كثيرة عن هذا الموضوع لا يتّسع المجال لسردها هنا.

أمَّا طارق حرب، فيورد في مقاله، الَّذي سبقت إشارتنا إليه، العديد من التَّفاصيل المشابهة لما جاء في كتاب «كلو». فهو، على سبيل المثال، يقول بأنَّ أعياد المسيحيين في بغداد كانت «مظهراً مِنْ مظاهر البهجة يشارك فيها المسلمون مِنْ أهل بغداد»، وبأنَّ المسيحيين «استمرّوا في ممارسة أعيادهم الدّينية بحريّة إذ كانوا يحتفلون بعيد رأس السَّنة في أوَّل كانون الثَّاني ويسمّونه عيد القلنداس وكان خليفة بغداد يشارك المسيحيين أحياناً في هذا العيد وظهر ذلك واضحاً من الموازنة السَّنويَّة لسنة 306 إذ ظهرت مع نفقات قصر الخلافة»

عيد دير الثَّعالب يوم مشهود لا يتخلَّى عنه المسيحيّون والمسلمون

ويصف «حرب» بعض مظاهر الاحتفال بأعياد المسيحيين في بغداد في ذلك الزَّمان، فيقول: «كان صِبيان المسيحيين يطوفون مِنْ دارٍ إلى أخرى ويقولون بصوتٍ عالٍ قالندس قالندس ويتمّ اطعام الاطفال المحتفلين ويسقونهم أقداحاً من الشَّراب وكانت احتفالات عيد الفصح تتمّ في دير سمالو ولا يبقى مسيحيٌّ في بغداد إلّا حضره ولا أحد من أهل الطَّرب واللهو من المسلمين إلا قصده للتَّنزه. وكان الاحتفال بعيد الشَّعانين من المناسبات الَّتي يخرج فيها البغداديون مِنْ أهل الظّرف واللعب بالنَّبيذ والقيان فيرون المسيحيين ويشربون ويتفرَّجون».

وينقل «حرب» عن الأصبهاني وصفاً لافتاً للاحتفالات بالأعياد المسيحيّة الَّتي كانت تُقام في بغداد في العهد العبَّاسيّ الأوَّل، فيقول: «وقد نقل إلينا الاصبهاني وصفاً لاحتفال الجواري الرّوميّات بعيد الشَّعانين في قصر الخليفة المأمون وقد تزيَّن بصلبان الذَّهب والخوص والزَّيتون. وكان مسيحيو بغداد يسهرون بليلة عيد الميلاد ويشعلون النِّيران ويلعبون بالجوز. وعيد دير أشموني في الثَّالث مِنْ تشرين الاوَّل وهو من الايَّام البغداديَّة المشهورة حيث يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم ويخرج النَّاس بالزَّوارق في نهر دجلة ويتنافسون شطه وديره وحاناته».

ويقول «حرب» أيضاً إنَّ أعياد المسيحيين البغداديين كانت «تُقام في الأديرة فهي مقسومة على ديارات معروفة، ومنها أعياد الصَّوم الَّتي تقع في أربعة آحاد: الأحد الأوَّل عيد دير العلصيّة، والأحد الثَّاني عيد دير الزَّرافية، والأحد الثَّالث عيد دير الزَّندورد، ثمَّ دير درمالس وعيده أحسن عيد يجتمع إليه مسيحيو بغداد».

ويتابع «حرب» وصف أعياد الأديرة قائلاً: «وكان عيد دير الثَّعالب يوماً مشهوداً في بغداد لا يتخلَّى عنه المسيحيّون والمسلمون وكان موعده في آخر سبت من شهر أيلول».

أخيراً..

أختم بتقديم التَّهنئة، بعيد الميلاد المجيد ورأس السَّنة الميلاديَّة، لأبناء وطننا وأمّتنا، مسلمين ومسيحيين ومِنْ مختلف المذاهب والمعتقدات، بل وللإنسانيّة جمعاء.

وكلّ عامٍ وأنتم بخير.