2021-01-04

حاتم علي

| د. حسن مدن

واحدة من أكثر خسائرنا وجعاً في السنة المنقضية، كانت رحيل المخرج السوري الكبير حاتم علي، وهي الخسارة التي أصرّت تلك السنة المشؤومة على أن تودعنا بها، فغيابه المفاجئ، وهو دون الستين من عمره، سيترك فراغاً كبيراً في الدراما العربية، الرصينة والجادة والمسؤولة.

لم يترك حاتم علي بصمته الواضحة في الدراما السورية وحدها، وإنما في الدراما العربية عامة، وبعض أعماله عرّفت المشاهد العربي على محطات فاصلة في تاريخنا العربي – الإسلامي لم تبلغها أعمال سابقة، من حيث العمق والإحاطة التاريخية، والعناية بأدق التفاصيل والملابسات، فهي لا تحكي لنا ما جرى في هذا التاريخ فقط، وإنما تعيد تقديمه وفق رؤية فنية متكاملة، شائقة، تجعل إطلالتنا على أحداث وقعت قبل قرون غابرة، بانورامية، ولتكون رؤيتنا لحاضرنا، بكل ما فيه من تناقضات، غير منفصلة عن خلفيته التاريخية.

يمكن اعتبار عمله الشهير «التغريبة الفلسطينية»، الذي يحكي فصول ما تعرض له النازحون الفلسطينيون بعد عام 1948، من أهم الأعمال التي تناولت المأساة الفلسطينية، وكان لطفولة وتنشئة حاتم علي أكبر الأثر في تمثله لهذا العمل، هو الذي قال مرة: «لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع مع التغريبة الفلسطينية، لكنني أيضاً عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك». والمعروف أن حاتم ولد في بلدة الفيق في الجولان، واضطرت عائلته إلى النزوح بعد احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان في عام 1967 ولم يكن وقتها قد تجاوز الخامسة من عمره.

كان إخراجه لمسلسل «الزير سالم» بداية تحوّل في مسيرته الفنية، التي بدأها ممثلاً، خاصة وأن ممثلين سوريين كباراً شاركوا في العمل بينهم سلوم حداد وخالد تاجا وعابد فهد وسمر سامي وجهاد سعد وتيم حسن وقصي خولي وغيرهم.

ومن أعماله الفارقة المسلسلات الثلاثة التي تناولت فترة الحكم العربي في الأندلس من تأليف وليد سيف، وهي «صقر قريش»، «ربيع قرطبة»، «ملوك الطوائف»، التي جاءت ضمن مشروع فني متكامل عرف باسم «رباعية الأندلس»، لكن المخرج لم يتمكن من إنجاز الجزء الرابع.

ومن أشهر أعماله أيضاً مسلسل «الملك فاروق»، الذي جسدّ شخصيته الفنان تيم حسن، بمشاركة عدد من النجوم المصريين مثل محمود الجندي وعزت أبو عوف ومنة فضالي وغيرهم.

الجنازة المهيبة التي وُدع فيها حاتم علي إلى مثواه الأخير في الشام، رغم الظروف الصعبة التي تمرّ بها سوريا، جسّدت ما يكنّه الناس له من مشاعر الحب والاحترام لا في سوريا وحدها وإنما في كل العالم العربي، كما أظهرت حال الحزن العام التي شملت لا الوسط الفني فحسب، وإنما المزاج الشعبي العام داخل سوريا وخارجها على رحيله، إلى أي مدى يصبح الفنان المبدع، والفن الصادق، عنواناً للوحدة لا في الأزمان العادية وحدها ، وإنما أيضاً، وخاصة، في زمن التفكك والتشظي.