2021-01-06

ظاهرة ترامب في طريقها إلى الزوال وساندرز ملك غير متوج

| هاني عرفات

رغم أن النتائج النهائية للإنتخابات التكميلية لعضوي مجلس الشيوخ لولاية جورجيا لم تثبت بعد إلا أن المؤشرات تشير إلى تقدم ملحوظ لمرشحي الحزب الديمقراطي في الولاية الأمر الذي لم تشهد الولاية له مثيلاً منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً.

وفي حال تأكد الفوز خلال الساعات القادمة فإن ذلك من شأنه أن يطغى على غيره من الاخبار بما فيها المحاولة اليائسة والعبثية من الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب لدفع الكونغرس على عدم التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية، الأمر لا يتوقف على فوز ثمين لإدارة بايدن وارتدادات خطيرة على الحزب الجمهوري ووزنه السياسي في السنوات القليلة القادمة فحسب بل سيمنح الديمقراطيين حرية تكاد تكون شبه مطلقة في تنفيذ أجندتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية كيف لا وقد أحكموا قبضتهم على غرفتي الكونغرس بالإضافة إلى السلطة التنفيذية للبلاد ممثلة بمؤسسة الرئاسة .

أول ضحايا خسارة ولاية جورجيا سيكون الرئيس دونالد ترامب نفسه ويضع حدًا لمستقبله السياسي حيث يتوقع في حال تثبيت نتائج هذه الانتخابات أن يحمل ترامب نتائج هذه الخسارة .والسبب في ذلك يعود إلى حالة الارباك التي سببها داخل حزبه بإصراره على رفض نتائج الانتخابات الرئاسية بعد عشرات الطعون القضائية الفاشلة وممارسة الضغط على حكام الولايات الجمهوريين في محاولة لثنيهم عن التصديق على نتائج الانتخابات في ولاياتهم كان آخرها المحادثة الهاتفية التي تم تسريبها مع سكرتير ولاية جورجيا الجمهوري طالباً منه توفير عدة آلاف من الاصوات لصالحه مما سبب إحراجاً كبيراً للجمهوريين .

أما الرابح الأكبر من كل ذلك فهو الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي برئاسة السيناتور بيرني ساندرز الذي سيصبح في هذه الحالة ملكاً غير متوج لمدة عامين قادمين تليه في ذلك الناشطة الأميركية من أصول إفريقية ستايسي آبرامز الذي يعود الفضل لها  في قلب الولاية المعروفة بتأييدها التاريخي للحزب الجمهوري إلى ولاية تزهو بلونها الأزرق.

إذا ما تم تثبيت الفوز فهذا يعني تساوي الاصوات في مجلس الشيوخ بواقع خمسين عضواً للديمقراطيين ومثلهم للحزب الجمهوري وينص القانون الاميركي على أنه في حال تعادل الأصوات فإن نائب الرئيس تكون الصوت المرجح الامر الذي يجعل من صوت السيناتور بيرني ساندرز حاسماً في أي قرار ينوي الديمقراطيون تمريره ومن المؤكد أن ساندرز سوف يستثمر  هذه الفرصة الذهبية خير إستثمار لصالح تمرير بعض السياسات التي يتبناها لمصلحة الطبقة الوسطى خصوصاً وأن إدارة بايدن أدارت ظهرها لجناح ساندرز فور الفوز بالانتخابات الرئاسية حيث خلت تعيينات الادارة القادمة من ممثلي الجناح التقدمي في الحزب مما أثار إستياء واضحاً لدى جمهور هذا التيار وممثليهم حيث هددت النائبة التقدمية اوكاسيا كورتيز قبل اسابيع بحرب طاحنة مع التيار المعتدل في الحزب.

إلا أنه ورغم كل ذلك يبقى هناك مخرج إضطراري للرئيس المنتخب جوزيف بايدن في حالات كهذه وذلك باللجوء إلى عقد صفقات جانبية مع شيوخ جمهوريين معتدلين أمثال السيناتور ميت رومني لضمان تمرير بعض القوانين أو أن يشكل الجمهوريون شبكة أمان لإدارة بايدن حتى لا يخضع كلية لسياسات السيناتور ساندرز، يبقى ذلك ممكنًا ولكن مكروهاً وضاراً للديمقراطيين لأضراره السياسية البالغة على الحزب ولا أعتقد أن بايدن سوف يلجأ لهذا الخيار إلا في حالة الضرورة القصوى مما يعني أننا سنرى تغيراً كبيراً في السياسة الداخلية الاميركية خلال العامين القادمين على الأقل ومن المؤكد أن بايدن سيستغل هذا الظرف المؤاتي بأسرع ما يمكن حتى لا تتكرر تجربة إدارة أوباما حيث خسر تأييد مجلس الشيوخ بعد عامين من توليه المنصب مما أدى إلى شلل إدارته خلال الاعوام الستة الاخيرة.

أما أكثر ما يخشاه الجمهوريون أن يلجأ بايدن إلى تعديل الوضع داخل المحكمة الدستورية العليا، فبعد أن إختار ترامب ثلاث قضاة جمهوريين خلال فترته الرئاسية إثر شغورهذه المقاعد نتيجة الوفاة أصبح نصيب الجمهوريين ستة من أصل تسعة قضاة وهؤلاء القضاة يبقون في مواقعهم مدى الحياة ولا يتم إستبدالهم إلا في حالة وفاة أحدهم ويحاول كل رئيس أميركي تتاح له الغالبية في مجلس الشيوخ أن يعين لهذا المنصب في حال شغوره قاضياً في مقتبل العمر حتى يطيل فترة بقاءه في المنصب، الامر المثير أن أي رئيس يملك هذه الغالبية بإمكانه أيضاً إضافة أعضاء جدد للمحكمة في حال رغب بذلك رغم إحجام الرؤساء عادة عن هذا الاجراء لأن ذلك يعني حينما يأتي دور الطرف الاخر سوف يقوم بنفس العملية وهكذا، إلا أن غضب الديمقراطيين من تعيين ترامب لقاضية قبل اسابيع قليلة من الانتخابات رغم معارضة الديمقراطيين قد تدفع بايدن لاضافة قضاة جدد من أجل تعديل الميزان الذي إختل في عهد ترامب.

على مستوى السياسة الخارجية من غير المرجح أن تحصل تغيرات دراماتيكية، ستكون عودة إلى السياسات التقليدية الاميركية: تركيز على روسيا أكثر وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، محاولة التوصل إلى تفاهمات إقتصادية مع الصين، إعادة ترميم العلاقات مع أوروبا وإعادة إحتواء تركيا ضمن السياسة الاقليمية الاميركية وما يتناسب مع مصالح أوروبا وربما إرضاء تركيا على حساب سوريا، أما في المنطقة العربية فقد بدأت ثمار التوجه الاميركي الجديد تؤتي أوكلها حتى قبل تنصيب الرئيس الجديد من خلال التقارب الحاصل بين قطر وكلا من السعودية والإمارات ومصر الذي سيكون حتماً على حساب التنظيم الدولي للإخوان المسلمين مع تخفيف حدة التوتر من خلال تراجع التنظيم على المستوى الدولي من طموحه بتولي السلطة أو معاداة الانظمة القائمة مقابل وقف مطاردة أعضاء التنظيم السياسيين ورفعهم من لوائح الإرهاب ولا شك أن الدور القطري والتركي سوف يحتل أهمية بالغة في تحقيق هذه التفاهمات. أما فيما يتعلق بإيران فإن إدارة بايدن ستحاول مساومة الايرانيين على الاتفاق النووي ولا يتوقع العودة الفورية لهذا الاتفاق من قبل الادارة الجديدة غالباً ما ستكون طلبات الإدارة الجديدة من الايرانيين تنازلات خارج حدودها بغية رفع العقوبات، وسوف يتوقف الأمر على صلابة الموقف الإيراني بهذا الخصوص فرغم الضرر الاقتصادي الكبير الذي لحق نتيجة العقوبات فإن إدارة بايدن تدرك أن الوقت لا يعمل لصالحها أيضاً.

القضية الفلسطينية لن تكون على قائمة أولويات الادارة الجديدة إلا إذا اقتضت ضرورات تدوير الوضع الاقليمي ذلك أو في حالة حصول عامل ذاتي فلسطيني ضاغط وهو أمر مستبعد الحصول في ظل غياب وحدة الموقف الفلسطيني وسوء إدارة الملف السياسي .

على أية حال هناك الكثير أمام هذه الادارة لعمله داخلياً مثل محاربة الجائحة وآثارها الاقتصادية والتأمين الصحي والبيئة و تنامي العنصرية، وإذا لم تقم بما هو متوقع منها أن تقوم به فإنه من المستبعد أن تحصل على فترة رئاسية قادمة كون هذه البرامج كانت سبباً رئيسياً لغضب المحافظين وغضب جيل الشباب التقدمي أيضاً على إدارة أوباما و أدى إلى وصول ترامب إلى سدة الحكم قبل أربع سنوات.