2021-01-08

ثلاث ساعات هزت الكابيتول

| هاني عرفات

هتف رجل أبيض في منتصف العمر: نحن الشعب في إشارة إلى الكلمات الاولى الواردة في مقدمة الدستور الأميركي والتي تنص على أن الشعب هو مصدر السلطات وأضاف: نحن على إستعداد للتضحية بأرواحنا من أجل الجمهورية، بينما على بعد خطوات قليلة منه رفع بعض زملائه راية الجنوب خلال الحرب الاهلية الاميركية في تناقض واضح بين دعوة المحتجين الغاضبين وبين ما يريدون في حقيقة الأمر.

أسفر إجتياح خمسة آلاف من المتظاهرين القادمين من خارج العاصمة ذات الاغلبية السكانية الديمقراطية عن أربعة قتلى إحداهن برصاص الشرطة بعد أن قفزت من النافذة إلى الداخل وهي ضابط سابق في سلاح الجو الأميركي وثلاثة آخرون لم تعرف بعد ظروف وفاتهم وإصابة العشرات.. ثلاث ساعات من التوتر والخوف لم تشهد العاصمة الاميركية لها مثيلاً منذ تأسيس الاتحاد تركت فيه شرطة الكابيتول لتواجه حشداً يفوق إمكانياتها البشرية والعتاد قبل أن يتم استدعاء قوات إضافية من شرطة العاصمة وعناصر من الأمن الفيدرالي وقوات من الحرس الوطني من ولايات مجاورة كان خلالها المحتجون يعيثون فسادًا في المبنى الذي يعد رمزاً للديمقراطية الاميركية وتم نقل أعضاء غرفتي مجلس الشيوخ والنواب إلى مكان آمن، وما أن انقشع ضباب المعركة بعد تمكن قوات الأمن من طرد الغوغاء وفرض حظر التجوال حتى عاد المشرعون لاستكمال النقاش في الطعون المقدمة من عدد من المشرعين الجمهوريين في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية بطلب من الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي كان معتكفاً لحظتها في البيت الأبيض يشاهد الأحداث عبر شاشة التلفاز ولم يحرك ساكنًا إلا بعد ساعات وبعد مناشدات من قادة الحزبين مطالبة إياه بدعوة أنصاره للعودة إلى منازلهم حيث قال في تصريح مقتضب من حديقة الزهور بالبيت الأبيض: إنني أحبكم أنتم مميزون إذهبوا الى بيوتكم.

هذا التصريح إعتبره الكثيرون إشادة بالمقتحمين أكثر منه إدانة لجرم يعاقب عليه القانون الفيدرالي مما أدى إلى زيادة المطالبين بعزل الرئيس وفقاً للملحق ٢٥ من الدستور الأميركي الذي ينص على أن غالبية أعضاء الحكومة مع نائبه يحق لهم في حال تعذر قيام الرئيس على ممارسة مهامه يحق لهم عزله وتعيين نائبه مكانه وهذه الدعوات بدأت تصدر عن قادة كبار في الحزب الجمهوري بالإضافة إلى آخرين من الحزب الديمقراطي، ربما تكون هذه الخطوة على مسافة ساعات من الآن وأعتقد أن قادة الحزب الجمهوري اليوم لديهم مصلحة في ذلك أكثر من خصومهم الديمقراطيين لأن تنحية الرئيس بهذه الطريقة تحول دون أن يرشح نفسه للرئاسة مرة أخرى كما صرح بذلك أكثر من مرة ولم يكتف بذلك وحسب بل توعد من يقف في وجهه من قادة الحزب بأن يعمل على إسقاطهم في المستقبل وفي حال نجاحهم في ذلك يكونوا قد أجهزوا على مستقبله السياسي قبل أن يفعل هو ذلك مستنداً على شعبيته الطاغية في قواعد الحزب الجمهوري.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل ترامب هو وحده المسؤول عما آلت إليه الأمور؟ الجواب قطعاً لا فهذه الازمة التي تعصف بالمجتمع الأميركي لا تتوقف عند حدود شخص واحد حتى لو كان ترامب بل نستطيع القول أن ترامب جاء نتيجة حالة كان لا بد وأن تجد تعبيراً للانقسام الحاد في المجتمع الأميركي هناك ما يقارب ال٧٥ مليوناً صوتوا لهذا الرئيس بعد أن جربوا سياساته لمدة أربع سنوات ظهر فيها للقاصي والداني أن هذا الرئيس لا يأبه لقضايا الناس وأكبر دليل على ذلك تعامله الردئ مع جائحة كورونا حيث سجلت الولايات المتحدة أعلى الإصابات والوفيات في العالم رغم تزعمها المنفرد، وسعر حالة التنافر العنصري وتجاوز الحدود المسموح بها في علاقات بلاده الخارجية مع الاصدقاء قبل الاعداء، وهو نفسه الذي صرح في أواخر التسعينيات من القرن الماضي أنه في حال أراد الترشح لمنصب الرئيس فإنه سيختار أن يترشح على قائمة الحزب الجمهوري لأنهم- حسب وصفه- أغبياء ويصدقون كل ما يقال لهم.

رغم كل ذلك استطاع أن يحصل على ملايين الأصوات إذن هناك مشكلة مركبة جزء منها يضرب جذوره عميقاً في المجتمع الأميركي ممثلاً بالتركيبة العقائدية لجزء غير قليل خصوصاً في أوساط المواطنين البيض الذين يؤمنون بأن سيطرة الديمقراطيين على السلطة تعني سلطة أكبر لأصحاب البشرة الملونة من الاقليات الافريقية واللاتينية والمسلمين وفي قرارة أنفسهم يؤمنون أن هذه البلاد لهم وهم الوحيدون المخلصون لها أما البقية دخلاء رغم أنهم مواطنون أصليون ويجب أن يتمتعوا بنفس الحقوق والواجبات وفي داخل هذه الفئة أو على أطرافها يلتصق المتدينون البيض الذين يعتقدون أيضاً أنه في حال فوز الليبراليين فإنهم سيقومون بتشريع قوانين الإجهاض والزواج المثلي ومنع تدريس الديانة المسيحية في المدارس العامة وغير ذلك من سياسات الحقوق المدنية. وقد كانت فترة الرئيس باراك أوباما ناقوس خطر بالنسبة لهؤلاء وأدت إلى تعميق الفجوة أكثر بعد قيام هذا الرئيس بإصدار أوامر رئاسية تحد من التمييز وتطوير أوضاع الحقوق المدنية وفرض نظام التأمين الصحي، كل هذا لا يمكن رؤيته خارج إطاره الصحيح وهو الصراع الطبقي ما بين حفنة محدودة من الأثرياء و بقية فئات الشعب بما فيهم بقايا الطبقة الوسطى التي كانت وحتى عهد الرئيس ريغان مفخرة الرأسمالية الأميركية كمثال ساطع على رغد العيش في ظل المجتمع الرأسمالي.

هذه الطبقة بألإضافة إلى الفئات المسحوقة الاخرى في المجتمع تحاول شق طريقها نحو حياة أفضل مقابل تكتل في الجهة الاخرى مكون من أساطين المال والاحتكارات العابرة للقارات بالتحالف مع رجال دين وبعض السياسيين والاعلاميين المسيطر عليهم من قبل اللوبيات المتعددة مثل لوبي السلاح ولوبي الصناعات الدوائية والايباك.. الخ، و هؤلاء جميعاً هم من يتحملون وزر ما آلت إليه الأمور من تحريض مستمر ورفضهم الكامل لحقوق الآخرين. في المقابل تردد الحزب الديمقراطي بقيادته التقليدية وتذيله في كثير من الأحيان لبعض اللوبيات يجعله غير قادر على إيجاد بديل حقيقي لجموع الناس وإن كان يحقق لهم بعض المطالب ذات المدى القصير وليس حلاً جذرياً رغم المحاولات الطموحة للجناح التقدمي الذي يمثله النائب بيرني ساندرز والذي يواجه صعوبات جمة للتمدد في المجتمع الأميركي بحكم بقاء كليشيهات الحرب الباردة حول مفهوم الاشتراكية الذي زرع في عقول الناس و يرادف في عقلهم الباطني مفاهيم القمع والتسلط والحد من الحريات.

على أية حال رغم أنني أرى الكثير من العوار في الديمقراطية الاميركية عموماً مثل نظام الكلية الانتخابية وتغول اللوبيات ودور المال في العملية الانتخابية حيث وفقط للتدليل فقد أنفق المرشحون الاربعة لمجلس الشيوخ في ولاية جورجيا على حملاتهم الانتخابية نصف مليار دولار أميركي، أقول رغم كل هذا فقد استطاعت أن تصمد في وجه أكبر إمتحان خاضته خلال الاسابيع الاخيرة بفضل استقلالية السلطات الثلاث والاعلام والنظام اللامركزية، تبقى الديمقراطية هي الطريق الوحيد الذي لا بديل عنه شرط محافظتها على التطور والتجديد وانتقاد العوار الذي يشوبها هنا وهناك لا يفسدها بل يمنحها مزيداً من القوة والمنعة، هناك ديمقراطيات متعددة في العالم كل منها تشق طريقها بناء على تاريخ تطور هذا البلد أو ذاك لكن هناك فرق بين إنتقاد بعض جوانب الديمقراطيات وبين رفضها بالكامل الذي لا يمكن أن يؤدي إلى الهاوية.

الظاهرة الترامبية في طريقها إلى الزوال لكن الأسباب التي أدت إليها لا زالت موجودة مما يعني أن الخطر ما زال قائماً إذا لم يتم العمل على إزالة الأسباب وربما من المفيد جداً التراجع عن كثير من الإجراءات التي قام بها هذا الرئيس داخلياً وخارجياً إعادة السلام والهدوء للمجتمع الأميركي.

وكما هو مطلوب تصحيح المسار داخلياً فمن حق كل من تضرر من سياسات ترامب الدولية أن يطالب بتعديل الخطأ لا سيما الفلسطينيون، نتنياهو خرج بالأمس يستنكر أحداث الكابيتول وتناسى أنه أطلق إسم مغتصبة في الجولان على إسم الرئيس الذي تسبب في أحداث الكابيتول. لا ضمانات على أن المطالبة بتصحيح الخطايا التي ارتكبها ترامب بحق الفلسطينيين سيتم الاستجابة لها ولكن إذا لم يطالب بها أحد فلن يتغير شيئاً .

أظن أن الاميركيين سوف يتجاوزون هذه المحنة، رغم وجود الكثير من المطبات في الطريق، طريقة تعاطي الحكومة والمجتمع مع المشكلات القائمة هي التي ستحدد طول الفترة ما بين أزمة وأزمة.