2021-01-10

لا بديل عن الانتخابات لتجديد الشرعية

| نهاد ابو غوش

حبس العالم أنفاسه، وهو يشاهد الغوغاء من أنصار الرئيس دونالد ترامب في محاولاتهم قلب نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية، وهم يقتحمون مباني الكونغرس بكل ما تحمل من رمزية ومهابة، ويحطمون النوافذ والأثاث، ويتدافعون مع الشرطة ويحاولون اقتحام القاعات. قليل من الجنون الإضافي كان كفيلا بانفلات الأمور وخروجها عن حدود السيطرة، لولا تدخل "الدولة العميقة"، أي شبكة المصالح العليا وتعبيراتها في الدولة، وبعض بقايا التعقل التي تمتع بها نائب الرئيس مايك بنيس في اللحظات الحاسمة.

لكن السؤال الكبير ما زال يتردد مدوّيا في كل أرجاء المعمورة: ألهذه الدرجة تبدو الشرعية والقانون والاستقرار وقوة الدولة العظمى هشة وقابلة للانكسار؟ وهل يمكن أن يخضع مصير دولة عظمى، ومعها العالم بأسره، لمزاج رجل غريب الأطوار وكأن العالم ما زال يعيش في روما القديمة وتحديدا في عهد الإمبراطور نيرون الذي أحرق المدينة ؟!

قد يبدو السؤال غريبا لدى فقهاء القانون وخبراء الدستور المتسلحين دائما بنصوصهم، ولكنه ليس كذلك في الواقع، فالشرعية في كثير من البلاد باتت ألعوبة بيد قوى إقليمية ودولية كبرى، تستطيع أن تقلب الحق باطلا والباطل حقا. ولنا في المنطقة العربية عدد من الأمثلة الصارخة، كمثال الشرعية في اليمن التي تتنازعها سلطتان، وليبيا التي يوجد فيها مجلسان منتخبان وحكومتان متصارعتان، وبلد مترامي الأطراف عادت به الصراعات إلى ما قبل عهد الدولة الحديثة، ناهيك عن اهتزاز الشرعيات في كل من سوريا والعراق ولبنان، وحتى في دول متقدمة نسبيا مثل أوكرانيا يمكن أن نجد أكثر من جهة تدعي الشرعية في الوقت نفسه، وفي دول عريقة وذات مؤسسات راسخة مثل مصر، تأخرت أميركا في الاعتراف بحكم الرئيس السيسي، وبدا أن ورقة الشرعية تستند إلى الاعتراف الدولي قبل التفويض الشعبي.

الشرعية، وهي تعني تحديدا قبول المحكومين بالسلطة التي تحكمهم وحقها في احتكار القوة، ليست وصفة جاهزة ولا هي تفويض مطلق من قبل المحكومين للحكام، بل هي فعالية اجتماعية متحركة يمكن لها أن تتعزز وتقوى، كما يمكن لها أن تضعف وتتلاشى، وهي ليست صكا موقعا على بياض يمكن الحكام أن يفعلوا ما يشاؤون. وقد سبق لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق دافيد كاميرون، وهو محافظ ويميني بالمناسبة، أن تنحّى عن الحكم وقدم استقالته من في صيف 2016 عقب نتائج التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لأن نتائج التصويت جاءت مخالفة لموقفه مع أنه كان يتمتع بأغلبية مريحة في مجلس العموم. وعندنا سبق للرئيس محمود عباس أن قال قبل أكثر من خمس سنوات أن شرعيته تأثرت بسبب عدم إجراء الانتخابات في موعدها، طبعا تبع هذه التصريحات مجموعة من التطورات السياسية وانعقاد المجلس الوطني بعد عامين.

في العصور الوسطى كانت الشرعية تستند حصرا إلى القوة، أو"التغلّب" كما يرد في الأدبيات العربية الإسلامية، وكثيرا ما جرى إسناد شرعية القوة بمزاعم عن انتساب الأسر الحاكمة لسلالات نبيلة، أو حتى نسبتهم للأنبياء كما في عدد من الدول الإسلامية حتى أن عددا من الزعماء بمن فيهم صدام حسين ومعمر القذافي، استخرجوا شهادات تفيد انحدارهم من الدوحة النبوية الهاشمية، ويمكن أن ينحدروا من سلالات الآلهة كما في اليابان وبعض دول شرق أسيا وأفريقيا، لكن العصر الحديث استبدل كل هذه الأنماط من الشرعية بنوع واحد فقط هو شرعية صندوق الاقتراع، حتى الملكيات المطلقة تحولت بالتدريج إلى ملكيات دستورية وبات منصب الحكم الملكي فخريا ورمزيا ليس أكثر.

في حالتنا الفلسطينية، انتهى مفعول "الشرعية الثورية" منذ وقت طويل، وتحديدا منذ اتفاق أوسلو، ومع أننا ما زلنا نسمع خطابات حماسية عن "شرعية المقاومة" و"شرعية البندقية"، إلا أن هذا لا يعدو كونه كلاما ولا تترتب عليه نتائج قانونية في ضوء الانقسام حتى على طبيعة المقاومة.

لا بد من الاستعاضة عن الشرعية الثورية بشرعية الانتخابات، لكن هذه ليست متاحة في كل وقت، صحيح أن عدم إجراء الانتخابات يعود بشكل كبير إلى غياب الإرادة في إجرائها، إلا أن ثمة عوامل كثيرة تلعب دورها ومنها غياب التوافق على القانون أو المواعيد، أو مراحل إجرائها كتزامن أو تتالي الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني، وتدخّل دولة الاحتلال في أدق تفاصيلها بما في ذلك منع أو تقييد مشاركة المواطنين المقدسيين، واعتقال المرشحين، ومنع غيرهم من التحرك وإجراء الدعاية، لكن كل ذلك لا يبرر عدم بذل الجهود الكافية لإجراء الانتخابات، وتعليق تغييبها على شماعة الظروف القاهرة، بل لا بد من تحويلها لمعركة مع المحتل لانتزاع حقنا في إجراء انتخاباتنا.

نتيجة تعطيل الانتخابات هي تآكل الشرعية، وضعف ثقة المواطن بالسلطة وإجراءاتها، وتشكيك القوى الدولية بشرعية تمثيل القيادة للشعب الفلسطيني وهو ما يجعلها ضحية للضغط والابتزاز، والمحصلة الأخطر لذلك هي الإضعاف المستمر لمن يحمل حقوقنا الوطنية وينادي بها.

أحيانا تساعد الإنجازات الباهرة، كالانتصارات في الحروب والثورات، أو الطفرات الاقتصادية الملموسة في تعزيز مقوّمات الشرعية، لكن هذه غير موجودة للأسف، وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وفراغ غياب الشرعية لن يكون غير الفوضى، فإن الضرورة التاريخية والتوافق الوطني على إجراء الانتخابات هما المدخل ا لاستعادة الشرعية وتجديدها وتجديد دماء النظام السياسي الفلسطيني برمته.

تبدو الرسائل المتبادلة بين الرئيس أبو مازن ورئيس حركة حماس إسماعيل هنية وباقي الأمناء العامين، فرصة استثنائية لتدارك الأمور قبل انفلاتها نحو المجهول، صحيح أن الشعب خاب ظنه من كثرة الوعود والاتفاقيات وتكرار النكث بها، ولكن ليس لنا خيار آخر سوى الضياع!