2021-01-12

الانتخابات قادمة … هل من الممكن كسر الاحتكار؟

| هاني عرفات

يبدو أن حركة التغييرات التي قامت بها السلطة الوطنية الفلسطينية مؤخراً جاءت بطلب أميركي من أجل كسب الرأي العام قبيل الانتخابات حتى تستطيع تجديد شرعيتها حسب مصادر مطلعة، وتضيف هذه المصادر أن قطر وتركيا أرسلت رسالة واضحة إلى حركة حماس بأن عليها المشاركة في الانتخابات المقبلة.

إذاً يمكن التأكيد على أن هناك قناة اتصال ما بين السلطة والادارة الجديدة وأن هذه الادارة غير معنية بشيء سوى تجديد الشرعية وليس العملية الديمقراطية، ويشير أيضاً  إلى أن قطر وتركيا ركبت العربة في نفس القطار من الجهة الأخرى. إذن الانتخابات قادمة على ما يبدو ستجري ضمن توافق أميركي إقليمي ومحلي وربما إسرائيلي أيضاً.

لن أتحدث هنا مطولاً عن مؤشرات هذه التغيرات في السياسة الاقليمية من المصالحة الخليجية إلى تهدئة الأجواء ما بين تركيا واليونان والاتحاد الأوروبي وهذا التوافق حول الانتخابات الفلسطينية فكل ذلك يندرج ضمن التوجه الجديد للإدارة الاميركية القادمة لإعادة لملمة الأوراق التي بعثرتها إدارة ترامب وإعادة التحكم بمجريات الأمور في المنطقة كسابق عهدها.

ما يهمنا هنا بالدرجة الاساسية الاجابة على تساؤلات مهمة تخص الانتخابات الفلسطينية وما هو الهدف منها هل تحقيق الديمقراطية وفتح المجال أمام الشعب ليقرر مصيره أم الغرض منها تجديد الشرعية وتثبيت الوضع القائم كما تريد لها الادارة الاميركية والسلطة التي تجاوبت مع هذا المطلب؟ والسؤال الثاني هو في حال جرت إنتخابات هل سوف تستطيع  إفراز حالة جديدة وواقع جديد مختلف عما هو موجود منذ ٢٤ عاماً، أم ستكون تكراراً عبثياً مرة أخرى. وهل السماح بالترشح والتصويت وحدهما كفيلان بتحقيق إنتخابات ديمقراطية؟

في التاريخ المعاصر رأينا نماذج مختلفة في ممارسة الديمقراطية حتى في الدول التي كانت أو لا تزال خارج سرب الديمقراطية الغربية كان لها تفسيرها الخاص ، وبعض الدول النامية استحدثت مصطلحات تخصها أطلقت عليها الديمقراطية الموجهة وهذا كان يعني بطبيعة الحال أن أصحاب القرار في هذا البلد أو ذاك يملكون الفيتو لتحديد ما هو مفيد ،ما هو غير مفيد في القرارات الهامة وترك هامش ضيق لبقية أفراد الشعب لممارسة بعض الحريات المحدودة.

حتى أكبر ديمقراطية في العالم وهي الولايات المتحدة هناك الكثير من التساؤلات حول مدى ديمقراطيتها خصوصاً وأن أصحاب الثروات الضخمة والشركات الكبيرة لهم دور كبير في تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين مما يدعو للتساؤل فيما إذا كان المرشح سيخدم في نهاية المطاف المواطن الذي صوت له أو الممول لحملته الانتخابية في حال تعارضت مصالح الطرفين. بالإضافة إلى ذلك التصويت غير المباشر للرئيس مما يمنح بعض الولايات  ثقل إنتخابي غير مبرر على حساب ولايات أخرى.

لكن وبغض النظر عن المستوى الديمقراطي الذي وصلت له أي من تلك البلدان المتطورة نجد أن القاسم المشترك لها كلها هو وجود موروث ديمقراطي واضح في ضرورة تداول السلطة، والالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية لا يمكن أن يتم العبث به أو تغييره وإذا ما دعت الضرورة لتغييرات تفرضها الحاجة فلا بد من وجود شبه إجماع أو أغلبية ساحقة لذلك ، وأحياناً يتم القيام باستفتاءات شعبية لهذه الغاية تبعاً لأهمية التغيير المنوي إجراؤه.

الخلاصة هي أن الديمقراطية نسبية وهذا صحيح ولكن إذا لم يوجد ناظم قانوني ودستوري لها يلزم جميع أطراف العملية ولا تفتح المجال لتداول السلطة فإنه من الصعب إطلاق صفة الديمقراطية عليها ناهيك عن توفر ثقافة ديمقراطية مجتمعية.

كان لا بد من هذه المقدمة للإجابة على التساؤلات التي طرحناها في البداية، ولكن قبل كل شيء لا بد من الاشارة إلى غياب الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني وعلى جميع المستويات، والناس أقلمت نفسها إلى حد كبير مع هذا الوضع في سبيل تلبية إحتياجاتها التي من المفترض أن تكون حقوق عادية أصبحت تبحث عنها في ظل إما تنظيم قوي أو عائلة كبيرة، ومن لا يملك هذا أو ذاك يتسول الحقوق من الموظف إما بالرشوة أو بالواسطة، الأمر المثير للأسف أن القوى المهيمنة وبدل أن تحارب هذه الظواهر شجعتها من خلال تجاهلها للواقع تارة أو الاحتماء ببعضهم البعض تارة أخرى كونهم هم أيضاً ضعفاء أمام قوى أكبر منهم. وإذا ما أضفنا لذلك أن القوى الأقل شأناً في المجتمع والتي من المفترض أن ترفع لواء دمقرطة المجتمع انصهرت تدريجياً في القوى المسيطرة وفقدت قدرتها على المبادرة وبالتالي فقدت ثقة المواطن كونها أصبحت أدوات تبرير لا قوى تغيير.

لذلك تبدو مهمة التغيير في المجتمع الفلسطيني بالغة الصعوبة والتعقيد على الاقل باستعمال نفس الأدوات القائمة مما يحتم بناء جبهة واسعة وعريضة مهمتها كسر الاحتكار وتصويب المسار. الأساس الموضوعي لها موجود في الازمة المستفحلة على المستوى السياسي وتضرب كل مستويات المجتمع الفلسطيني، درجة التذمر عالية جداً ولا تستثني أحداً من  الطبقة السياسية ولكن هناك أمران لا يجب إغفالهما لضمان نجاح هكذا مبادرة: أن لا تكون تنظيماً سياسياً بل جبهة أو حركة إصلاحية تقبل في عضويتها كل من يتفق مع أهدافها حتى من أعضاء الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية المختلفة، وأن لا يكون هدفها تغيير السلطة في المرحلة الأولى على الأقل وإنما القيام بدور رقابي وتشريعي في آن وذلك نابع بتقديري من خشية المواطنين القفز إلى المجهول حيث غالباً ما يميل الناخب في المجتمعات غير المستقرة الى الحفاظ على درجة من الاستقرار النسبي وغالباً لا تتوفر الثقة بالتغيير الفوري.

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية عن ما سبق هو ضرورة وجود برنامج واضح هدفه رقابي وتشريعي بغية الانتقال بالمجتمع الى المرحلة التالية وإختيار مرشحين أكفاء لديهم الجرأة في طرح الامور الحساسة وتاريخ وطني و نظيف . ربما لم يتبق الكثير من الوقت وربما ستكون هذه الفرصة الاخيرة لتحقيق ذلك إذا لم يتم استغلالها فإنها  لن تتكرر لعقود قادمة.