2021-01-15

زمن الفرز السياسي والوطني!

| عصام مخول

تشهد ساحة الجماهير العربية في إسرائيل في طريقها الى انتخابات آذار 2021 انفلاتاً يصل حد البذاءة السياسية، وتستدعي الحالة الناشئة نوعا جديدا من الفرز وإعادة ترتيب الساحة السياسية العربية من خلال مواجهة حقيقية بين منهجين، منهج تحقيق الإنجازات عبر الكرامة الوطنية والوحدة المستندة الى ثقافة سياسية كفاحية، وبين وهم الإنجازات عبر منهج السمسرة بوزن الناخبين العرب الانتخابي والسياسي، ونشر الوهم بإمكان تحقيق مقايضة "ناجحة" بين إحقاق فتات حقوقنا (المدنية) من جهة، مقابل لَكْع حقوقنا القومية على الرف واعتبارها حدبة تعيق قدرتنا على "التأثير" وتحقيق الإنجازات من الجهة الأخرى.

ويجب أن يكون واضحا وبشكل قاطع لا يقبل المناورة والتأويل، أن هذين المنهجين يسيران في خطين متوازيين لا يمكن ان يلتقيا، وعلى هذه القاعدة يجب ان يحدث الفرز واصطفاف القوى الفاعلة في الانتخابات القريبة وبمعزل عن الانتخابات.

إن غالبية الناس العاديين، أبناء شعبنا الواعي، يشعرون بنوع من التقزز وهم ينظرون الى بلداتنا وهي تتعرض الى الغزو والامتهان السياسي المتعالي والوقح بشكل غير مسبوق من قبل الأحزاب الصهيونية، بعد أن قام أحد مركبات القائمة المشتركة بعرض الجماهير العربية وثقلها السياسي كمخزن أصوات قابل للاختراق وخاضع لعقلية المقايضة في سوق النخاسة أمام أحزاب الحكم في اسرائيل، بعد أن كانت جماهيرنا بحسها الوطني ووعيها السياسي قد كنستها عن ساحتها السياسية عبر معركة طويلة ومضنية.

وانعكس هذا الانفلات السياسي والأخلاقي في الحالة التي طفت على سطح السياسة الإسرائيلية في الأسبوع الماضي مع بدء تشكيل قوائم الأحزاب الصهيونية للكنيست وتكالبها على البحث عن مرشحين عربا لقوائمها، من ميرتس يسارا وحتى نتنياهو وغدعون ساعر ويعالون وبينيت يميناً، وبرز لأول مرة "إجماع صهيوني" من نوع جديد، أخطره في يمين الخارطة السياسية المتطرف على أهمية استهداف "مخزون الأصوات العربية" واعتبار ذلك حسنة من نوع "التطبيع" و"التتبيع" مع المواطنين العرب الفلسطينيين في اسرائيل، حتى أنه لم يبق هناك حزب يميني عنصري الا وأخذ يبحث عن مرشح عربي، يجعل منه "قضيب دبق" ينصبه في بساتين شعبنا السياسية، لعلّ بعض الأصوات العربية التائهة والمغرر بها تعلق به، ليلتهمها لاحقا "كالعصافير" على موائده العنصرية، في محاولة للعودة بنا الى أجواء الحكم العسكري وسياسات التدجين، والاستهتار بكرامتنا الوطنية واختراق معادلة "كرامة وخدمات" التي اجترحها شعبنا منذ انتصار جبهة الناصرة بقيادة توفيق زياد في انتخابات بلدية الناصرة في كانون الاول عام 1975.

إن بؤس حالة الانزلاق القيمي والوطني والسياسي انعكس فيما قاله رئيس أحد مركبات القائمة المشتركة مبتهجا: "من مصلحتنا ان يكون هناك رئيس حكومة يطمع بالصوت العربي ويطمح لاقتناصه، على أن يكون رئيس حكومة لا يبحث عن اقتناص اصوات المواطنين العرب"، فما بال هذا "المُرَكِّب"، اذا كان رئيس الحكومة الذي يعنيه يجمع معاداته الفاشية تجاه العرب، برغبته في تحييد وزنهم واقتناص أصواتهم مباشرة من دون المرور بالمروجين له ولشرعية نهج المقايضات والصفقات ؟!

ومثلما كان تواطؤ القوى الرجعية العربية إقليميا، شرطاً لنجاح مؤامرات الامبريالية والصهيونية على الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني وعلى قضيته العادلة على مدى تاريخها، كذلك فإن اقتحام نتنياهو ومعه الأحزاب الصهيونية وقادة اليمين الفاشي في إسرائيل لبلداتنا العربية،  وفي طليعتها ما جرى في مدينة الناصرة التي اعتدنا عليها تاريخيا قلعة وطنية للجماهير العربية في إسرائيل وعاصمتها الكفاحية، ما كان له ان يتم من دون تواطؤ قوى رجعية عربية متنفذة على ساحتنا المحلية، تخلّت عن كرامة جماهيرنا الشعبية وطابعها الوطني، ولجأت الى البهلوانيات السياسية على نسق أولئك الذين استقروا عميقا في جيب نتنياهو وأخذوا يصرخون من داخل جيبه : "لسنا في جيب اليسار ولا في جيب اليمين"، بنما هم أنفسهم كانوا من فتح الثغرة في السور الواقي للموقف الوطني الجامع لجماهيرنا المكافحة، وعبّدوا الطريق أمام نتنياهو لاقتحام الساحة السياسية العربية  من خلال الترويج لبدعة مفادها: "ما المشكلة في أن نتنياهو يريد أن يستغلني.. ما دمت أنا أريد أستغله أيضا"؟!

اليوم بات واضحاً بشكل قاطع أن الشق الجنوبي من الحركة الإسلامية بقيادة منصور عباس، ونهج المقايضات والصفقات مع نتنياهو و الذي جرى الترويج له باعتباره "مدرسة جديدة في السياسة"، هو الذي فتح الطريق أمام الانزلاق المقيت الذي تشهده ساحة جماهيرنا، وهو الذي فتح الطريق أمام عناصر هزيلة كانت تنتظر اللحظة المناسبة لإعلان أذنابها لأحزاب السلطة باعتبار ذلك مفتاح "التأثير" والمشاركة، معتبرين ان تنفيذ سياسة القمع والتمييز وقانون القومية وقانون كمينيتس إذا تم بأيدٍ عربية هو الذي يحل مشاكل المجتمع العربي، وليس التغيير الجذري في السياسة.

إن هذا الانزلاق هو الذي جعل نتنياهو يسرح ويمرح بشكل استفزازي في بلداتنا العربية ومراكزها السكانية الكبرى وفي القلب منها مدينة الناصرة من فوق رأس أصحاب فكرة المقايضات وربما على حساب قوتهم السياسية. وهو الذي شجع قلّة من رؤساء سلطات محلية على استقبال نتنياهو "البهيج" وإعلان ولائهم له ولنهجه الفاشي، في ظل معركته الانتخابية في تحدٍ سافر لمشاعر الناس وهمومها وآلامها.

إن مئات المتظاهرين الشجعان في الناصرة والذين استقبلوا المحرض الأكبر نتنياهو بالأعلام الفلسطينية وبالرفض والتقزز أنقذوا شرف مدينة الناصرة واسمها الوطني الناصع وتاريخها الكفاحي من دنس هذه الزيارة، في الوقت الذي كان فيه نتنياهو يواصل تحريضة على المواطنين العرب وعلى أهل الناصرة وعلى ممثليهم السياسيين من منصة علي سلام رئيس بلدية الناصرة.

مرحلة الغربال الـ"ضبوط"..

علينا أن نقبل التحدي الذي يحاول ان يفرضه علينا السماسرة، وما أكثر ما يكون بعض سماسرة السياسة الجدد هم انفسهم سماسرة الأرض "المتروكة" والمصادرة في البلدات المهجّرة، بحثا عن مكان في قائمة حزب يميني عنصري ما لبث أن لفظهم بشكل مهين. وقد يكون في هذا التحدي فرصة وطنية ملحة لإعادة ترسيم خط توزيع المياه السياسي والفكري والاجتماعي الذي يخلق التمايز الحقيقي على ساحة جماهيرنا العربية وخياراتها السياسية والذي طاله بعض التشوّه في السنوات الأخيرة.

فبالرغم من انحراف بعض القيادات عن طريق الوحدة الوطنية والعمل على شرذمة تجربة القائمة المشتركة، إلا ان تجربتنا مع جماهيرنا ومع الثقافة السياسية التي نشأت عليها، تؤكد إن التقسيمة الحقيقية بين جماهيرنا الواعية، ليست تقسيمة أفقية فقط بين الأحزاب والتنظيمات السياسية وانما هي في الوقت نفسه قادرة على ان تكون تقسيمة  عمودية داخل الأحزاب التي تحاول بعض قياداتها ان تشذ بها الى ثقافة المقايضة السياسية "شذوذاً" مهينا.

إن مقابل المهروقين على نتنياهو وعلى الانخراط في مفاهيم الأحزاب الصهيونية في الجانب الأول من خط توزيع المياه السياسي، فإن هناك في الجانب الآخر من خط توزيع المياه، متسع لكل الوطنيين والتقدميين والديمقراطيين والمناهضين لسياسة الاضطهاد القومي والتمييز العنصري، والمتمسكين بحق الأقلية القومية العربية الفلسطينية في إسرائيل في المساواة في الحقوق المدنية والقومية المتداخلة معا، والمتمسكين بالمعركة على انهاء الاحتلال وتحرر الشعب الفلسطيني واستقلاله الوطني والمنضوين تحت القائمة المشتركة.

لقد لجأت أجيال متتالية من أجدادنا الفلاحين الى استعمال نوعين من الغربال (لغربلة حبوب البيدر من موسم خير الى آخر): الغربال الـفروط، وهو الذي تتم من خلاله الغربلة الأولية أو تلك التي تخص علف الدواب، ولا بأس ان تسللت معها بعض الحبوب الأخرى او الأعشاب المتسللة الى البيدر، وأما الغربال ال-ضبوط، فهو الذي يعوّل عليه أن يفصل نهائياً القمح من الزوان ومن كل دخيل يمكن ان يختلط به. إن ما يجري من اختراق ساحتنا السياسية وتخريب الوعي الوطني يتطلب منا ان نلجأ الى غربال سياسي ووطني ضبوط يفصل قمحنا السياسي الوطني عن الزوان السياسي الدخيل على ثقافتنا السياسية.

وعندما أقول"علينا" فأنا لا أحصر كلامي بالحزب الشيوعي والجبهة، بل أقصد أن الفرز المطلوب اليوم، إزاء الانزلاق الذي نشهده، هو أوسع وأكثر شمولا من ذلك بكثير، فهو يشمل كل المتمسكين بنهج الكرامة الوطنية والرأس المرفوع مهما اختلفت مشاربهم الفكرية والسياسية ومهما تعددت انتماءاتهم الحزبية، بما فيهم قطاعات وطنية غُرِّر بها داخل جمهور الشق الجنوبي من الحركة الإسلامية نفسها مطالبة بإحداث الفرز على ساحتها أيضا والانضمام الى جماهير الوحدة الكفاحية.

بين ناصرتين!

لم يفت نتنياهو في زيارته لرئيس بلدية الناصرة أمس الأول أن يضع الأمور في سياقها الاوسع.. فقد بشّر شعبنا في مدينة البشارة، بأن الحل لقضاياه الحارقة والملحة، وقضايا العنف والفقر والجريمة المستشرية في مجتمعنا لن يتأتى، الا "إذا أخذ اليهود والعرب، يرقصون في شوارع الناصرة، كما يرقصون في شوارع دبي".. لافتاً الى مشروعه المبيت "للتتبيع" وتطبيع الفارس مع الفرس في حالة  الجماهير العربية في إسرائيل.  وما دمنا في سيرة الرقص وهز الخصر، فقد ذهبت بي ذاكرتي الى العام 1974 حين قام رئيس الحكومة وجنرال الحرب في حينه إسحاق رابين بلقاء جمع الثانويين العرب واليهود في الناصرة ونتسيرت عيليت في وقت كانت فيها الناصرة حبلى بانتصار جبهة توفيق زياد، وفي الوقت الذي صدحت فيه حناجر التلاميذ اليهود بأناشيدهم القومية وأناشيد "أرض إسرائيل"، أمطر التلاميذ العرب رئيس الحكومة بأغنية : "هزي يا نواعم".. فلم يعرف كيف يبتلعها وكيف يتعامل معها وخرج من الناصرة حائرا مكسور الخاطر..

لكن رئيس بلدية الناصرة، بزّ نتنياهو في الابداع أثناء استقباله "الدب الفاشي في كرمنا الوطني والسياسي".. وقال دون أن يندى له جبين: "نحن نحترم الصحن الذي نأكل منه.. نحن لا نرضى أن نبصق في الصحن الذي أكلنا منه"! (وكأننا نأكل من صحن نتنياهو، لا من صحن شعبنا الأصيل، الذي يغتصبه نتنياهو والمؤسسة الإسرائيلية يوما بعد يوم. ع. م).. وتتوالى مقولات علي سلام بما لا يعيب ميري ريغف ودافيد امسالم فيقول، "اللي مش عاجبه الوضع يروح من هون.. من لا يعجبه فليغادر"! إن مثل هذا الكلام سمعناه على طول الطريق من اليمين الفاشي المستوطن.. "روح لغزة".. "روح لرام الله".. "روح لسوريا"، وكأننا ضيوف عندهم، نحن أهل هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه. نحن الذين تعلمنا جيلا بعد جيل في مدرستنا الكفاحية بأن "اللي مش عاجبه، ولا يقبل القهر القومي والتمييز العنصري يثور عليه ويناضل لتغيير الحالة وقلبها رأسا على عقب، الناصرة التي احتضنت مدرسة توفيق زياد الوطنية ونهجه الكفاحي، أنشدت معه دائما في وجه الذين دعوا شعبنا "اللي مش عاجبه فليغادر":

على صدوركم باقون كالجدار

وفي حلوقكم كقطعة الزجاج كالصبار..

وفي عيونكم زوبعة من نار..

هذا هو الفارق بين ناصرتين.. ولن يصح الا صحيح أبي الأمين..