2021-01-20

رسالة في الشيوعيَّة

| عبد الرزاق دحنون

يا رفيق كنتُ صغيراً جداً حين قرأتُ لينين، وأصبتُ شيوعياً، تقدر أن تقول في الرابعة عشرة من عمري. هل فهمتُ ما كنتُ أقرأ؟ كلا، لم أفهم ما كنتُ أقرأ، مع ذلك تابعتُ القراءة بهمة ونشاط حتى أخر صفحة في الكُتيب. تسأل ما الذي كان يُغريني في متابعة القراءة؟ لا أعرف يا رفيق.

كان الكُتيب صغيراً كعمري. صفحاته قليلة وكان من القطع الصغير، صادر عن وكالة أنباء "نوفوستي" السوفيتية. وتسأل ما عنوان الكُتيب؟ لابد من "التخمين" هُنا، فربما كان عنوانه "الشيوعية والثقافة" أو "الشباب والثقافة" أو "البروليتاريا والثقافة". ولكنني أذكر ما أزال بأننا كُنّا في فصل الصيف وكان التوت ناضجاً، وقد اصطحبتً الكُتيب معي في نزهة إلى براري مدينة إدلب حيث تخرج من باب بيتنا، ثمَّ تعبر الدرب الضيق الذي يفصل بيتنا عن تنور أمي الذي تخبز فيه خبزنا، فتستقبلك البراري الفسيحة الواسعة المشجرة بأنواع الأشجار المتنوعة من زيتون وتين ورمان وجوز ولوز وكرز وفستق حلبي. تبدأ هذه الأشجار من أمام باب بيتنا ولا تنتهي حتى حدود تركيا في الشمال.

في أول شبابي رحتُ أقرأ ما تقع يدي عليه من كتب، كانت الحصيلة مقسمة إلى قسمين متساويين تقريباً: كتب ومجلات وجرائد تحكي عن الاشتراكية والشيوعية. وكتب تحكي تراث الحضارة الإسلامية. هل من تناقض هُنا؟ ربما، ما يدريني تلك الأيام بهذا التناقض. ولا أظنه تناقضاً في واقع الحال. وقعت في يدي "رسالة الغفران" بتحقيق عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ" قرأتها بلهفة مع استعصاء الفهم في بعض المطارح، وأمسيتُ أراجع رسالة الغفران مرة بعد مرة، فأصبحتُ من مريدي فيلسوف معرة النعمان في وقت مبكر من عمري، وزرته في محبسه أكثر من مرة في بلدته معرة النعمان لأننا جيران.

لمحتُ ذات يوم من عام 1974 ديواناً صغيراً للشاعر الفلسطيني محمود درويش على طاولة أخي الذي يدرس الصيدلة في جامعة دمشق، فاستعرته لأيام، أقرأ وأحفظ ما فيه من قصائد. جاءت قصيدة محمود درويش “بطاقة هوية” ومعرفة عند الجماهير الغفيرة باسم “سجل أنا عربي” في نهاية الديوان الذي حمل عنوان “أوراق الزيتون” صادر عام 1964 وكان للشاعر من العمر أزيد من عشرين عاماً بسنتين.  جاء الديوان في ستة وعشرين قصيدة يقول في القصيدة الأولى:

الزنبقات السود في قلبي

وفي شفتي اللهبْ

من أي غابٍ جئتني

يا كلَّ صلبان الغضبْ؟

بايعتُ أحزاني

وصافحتُ التشرد والسّّغبْ

غضبٌ يدي

غضبٌ فمي

ودماءُ أوردتي عصيرٌ من غضبْ

يا قارئي لا ترجُ مني الهمسَ

لا ترجُ الطربْ

هذا عذابي

ضربةٌ في الرمل طائشة

وأُخرى في السُّحُبْ

حسبي أني غاضبٌ

والنار أولها غَضَبْ

تعال تدبر أمر هذه القصيدة و"قَمِّطْ" معي هذا الغضب الساطع فيها، من يستطيع محو تأثير كلماتها من صدر الفتى الذي كنته؟ يا رفيق دخل هذا الإيقاع الغاضب المتمرد في مجرى الدم في الأوردة والشرايين والوجدان. وحين وصلت إلى القصيدة الأخيرة في الديوان وكانت بعنوان "بطاقة هوية" وقرأتُ:

سجِّل

أنا عربي

ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ

وأطفالي ثمانيةٌ

وتاسعهُم سيأتي بعدَ صيفْ

فهلْ تغضبْ؟

سجِّلْ

أنا عربي

وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ

وأطفالي ثمانيةٌ

أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،

والأثوابَ والدفترْ

من الصخرِ

ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ

ولا أصغرْ

أمامَ بلاطِ أعتابكْ

فهل تغضب؟

سجل

أنا عربي

أنا اسمٌ بلا لقبِ

صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها

يعيشُ بفورةِ الغضبِ

جذوري

قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ

وقبلَ تفتّحِ الحقبِ

وقبلَ السّروِ والزيتونِ

وقبلَ ترعرعِ العشبِ

أبي من أسرةِ المحراثِ

لا من سادةٍ نجبِ

وجدّي كانَ فلاحاً

بلا حسبٍ ولا نسبِ

يعلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ

وبيتي كوخُ ناطورٍ

منَ الأعوادِ والقصبِ

فهل ترضيكَ منزلتي؟

أنا اسمٌ بلا لقبِ

سجلْ

أنا عربي

ولونُ الشعرِ فحميٌّ

ولونُ العينِ بنيٌّ

وميزاتي

على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه

وكفّي صلبةٌ كالصخرِ

تخمشُ من يلامسَها

وعنواني

أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ

شوارعُها بلا أسماء

وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ

يُحبون الشيوعيّة

فهل تغضبْ؟

سجِّل

أنا عربي

سلبتَ كرومَ أجدادي

وأرضاً كنتُ أفلحُها

أنا وجميعُ أولادي

ولم تتركْ لنا ولكلِّ أحفادي

سوى هذي الصخورِ

فهل ستأخذُها

حكومتكمْ كما قيلا؟

إذنْ

سجِّل برأسِ الصفحةِ الأولى

أنا لا أكرهُ الناسَ

ولا أسطو على أحدٍ

ولكنّي إذا ما جعتُ

آكلُ لحمَ مغتصبي

حذارِ، حذارِ، من جوعي

ومن غضبي

بعد أن أنهيت قراءة القصيدة، قامت القيامة وفار التنور، وصرتً شيوعياً ثورياً، يُريد أن يُغير العالم في ثلاثة أيام. تجادلتً مع أقراني من الفتيان عن أنجع وسيلة لتحرير فلسطين، وعن نشر الشيوعيَّة في أرجاء العالم قاطبة وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل. كنتُ ساخطاً على هذا العالم الذي شيدته الرأسمالية، وحرمت العمال من حقهم في العيش الكريم. كُنا فقراء- وما زلنا كذلك- أمر من أمام معمل "الغزّال" لحلج الأقطان في مدينة إدلب وأرى مئات العمال ومن ضمنهم عمي أحمد في بدلاتهم الزرق يتصببون عرقاً في الصيف. يكدحون ساعات طويلة لتأمين لقمة عيش أسرهم، فزاد غضبي، وأيقنت أن لابد من تغيير هذا العالم الظالم. ناس يُنتجون ويعيشون في ضنك العيش وناس لا يُنتجون بل يستغلون انتاج الآخرين ويعيشون في رغد العيش. كيف ذلك؟ وعندما دخلت أول مرة إلى معمل حلج الأقطان راعني ارتفاع المكبس التي يعمل على توضيب "بالات" القطن المحلوج وكبسها وتحزيمها بأشرطة من حديد قبل تصديرها إلى دول العالم.

في تلك الأيام حصلت على كتاب "ما العمل؟" كتاب لينين الأشهر صدرت ترجمته العربية عن دار التقدم في موسكو عام 1979 في المجلد الثاني ضمن الأعمال الكاملة في عشرة مجلدات من أعمال لينين بغلافها الأزرق المعروف. في كتاب ما العمل؟ وردت عبارة حفظتها عن ظهر قلب ورحتُ أرددها في كل جدل حول دور الجريدة.

تقول العبارة التي استعملتها أيضاً مجلة "الهدف" الفلسطينية التي أسسها غسان كنفاني كشعار لها على غلافها الداخلي سنين طويلة عندما كانت تصدر في بيروت: "يجب بالضرورة وقبل كل شيء آخر إيجاد الصلة الفعلية بين المدن على أساس العمل المشترك المنظم، واني أؤكد بإصرار أن الشروع بإيجاد هذه الصلة الفعلية غير ممكن إلا على أساس الجريدة العامة. يجب أن تصبح هذه الجريدة جزءاً من منفاخ حدادة هائل ينفخ في كل شرارة من شرارات النضال الطبقي والسخط الشعبي ويجعل منها حريقاً عاماً، وحول هذا العمل، الذي يبدو بريئاً جداً وصغيراً جداً يحد ذاته، ولكنه منتظم وعام بكل معنى الكلمة، يتعبأ بصورة منتظمة ويتعلم، جيش دائم من مناضلين مجربين".

ها قد أصبح عندي الآن مستنداً نظرياً قوياً لمن يريد أن يُجادل في دور الكلمة وأهميتها في النضال الذي لا هوادة فيه من أجل حرية وكرامة العمال. أمسكت القلم وبدأتُ أخط رسالة إلى هيئة تحرير جريدة "نضال الشعب". وجهتُ الرسالة إلى الطبيب الرائع الرفيق نبيه رشيدات في مكتب الحزب الشيوعي السوري في قلب العاصمة السورية دمشق. وكان وقتها عضواً في المكتب السياسي وفي هيئة تحرير "نضال الشعب" الجريدة المركزية الناطقة بلسان حال الحزب. انتظرت الجواب ستة أشهر ولكن لا جواب. فشديت الرحال من إدلب إلى دمشق.

في بهو مكتب الحزب الشيوعي السوري التفت نحوي على عجل ومد يده مُصافحاً بحرارة وودّ، والبسمة لا تُفارق ثغره، ثمَّ قال على مهل: هل أنت صاحب الرسالة المكتوبة على ورق طويل جداً الممتد لأكثر من أربعة أمتار والموجهة إلى هيئة تحرير نضال الشعب؟ قلتُ: نعم، أنا هو. قال: لابد من جلسة هادئة تليق بتلك المعلقة الشيوعية، تعال بصحبتي إلى تلك الغرفة، في جعبتي ساعتان من الوقت حتى نصل إلى نتيجة.

جرى هذا الحديث ع الماشي، وحين اختلينا إلى ركن بسيط في الغرفة سألني عن عملي وعن تحصيلي الدراسي وعن اهتماماتي. مما جعلني أنجذب إليه، وولّد في نفسي ميلاً شخصياً إليه، وأحسست من كلماته الأولى صدق الحديث ونزاهة لا تشوبها شائبة إزاء الوقائع، فهو يبدى رأيه بحزم دون لف أو دوران. قلتُ: انتظرت ردك يا رفيق نبيه رشيدات ستة أشهر ولم تُجب على رسالتي! قال ضاحكاً: ها أنا أُجيب الآن، هل يُرضيك ذلك؟   

حكاية الرسالة التي عرفتني إلى الرفيق الطبيب نبيه رشيدات الأردني المولد -رحمه الله- والذي عمل في الحزب الشيوعي السوري سنوات طويلة، هي اعتراضي على الأساليب الصحفية التي كانت تعتمدها جريدة "نضال الشعب" في أدائها تلك الأيام. أحلام شباب يا رفيق، وقد افتتحت رسالتي بهذه العبارة التي اقتبستها من كتاب لينين ما العمل؟ وافق الرفيق نبيه رشيدات على مجمل ما جاء في الرسالة، ومن ثم راح يفند لي - بصدق ونزاهة- جميع صعوبات العمل الصحفي وتعقيداته وضيق مساحة الحرية وغياب الديمقراطية في الصحافة العربية عموماً.  لم أكن أدرك ذلك أنا القادم من بلدة ريفية صغيرة يعمل أغلب أهلها بالفلاحة والزراعة في الشمال السوري. وخرجت من عند الرفيق نبيه رشيدات وأنا أدرك ما كنت لا أدركه.

أدركت حينها أن الرفيق نبيه رشيدات وأمثاله من قامات شيوعية باسقة كالشيوعي الغزاوي معين بسيسو والشاعر محمود درويش هي من الشخصيات التي تمتد كالجسور على دروب حياتنا. إنهم جسور العقل والروح، جسور تربط بين أجيال البشر وتربط العالم من حيث المسائل الأخلاقية الأساسية للحياة العامة على الأرض، جسور يجري عبرها تراكم القيم والمعارف العلمية والروحية. جسور نمشي عليها كل يوم ونقابل الماضي والحاضر ونبحث عن أجوبة لأعقد قضايا الحياة الاجتماعية والحياة الشخصية ونتعلم الأحلام والحب العظيم ونفرق بين الخير والشر، بين الحق والباطل، وننخرط في نضال يومي مستمر ضد أولئك الذين يريدون زعزعة أسس هذه الجسور وغلق مداخلها أمام الناس ويريدون بالتالي بذر الشكوك بيننا وبين قيم الخير فينا.

نعم، كان الرفيق نبيه رشيدات وأمثاله من أولئك الذين تجاوزوا زمانهم في نضال حاسم لا هوادة فيه من أجل حرية الإنسان وسعادته، من أجل ترسيخ المثل العليا الجديدة للوجود البشري.