2021-01-19

خيانة ترامب العظمى هي خيانته للشعوبية الحقيقية

| سلافوي جيجك

ترجمة: حسن مصاروة

خلال محاولته الفوضوية التمسك بالسلطة، يقوم الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب بالشيء الصحيح، لكن لأسباب خاطئة. فعلاً يحتاج النظام الانتخابي غير الديمقراطي في الولايات المتحدة إلى التفكيك، لكن ترامب لا يفكر في مصلحة مؤيديه.

عندما رفضت قاضية لندن فانيسا بارايتسر طلب الولايات المتحدة تسليم جوليان أسانج، علق العديد من النقاد اليساريين والليبراليين على هذا القرار بعبارات تذكر بالأسطر الشهيرة من تي.اس، إليوت في مسرحية "جريمة قتل في الكاتدرائية": "الإغراء الأخير هو أعظم خيانة / القيام بالعمل الصحيح لسبب خاطئ". في المسرحية، يخشى بيكيت أن "الشيء الصحيح" (قرار مقاومة الملك والتضحية بنفسه) يستند إلى "سبب خاطئ" (بحثه الأناني عن مجد الخلود). كان هيجل سيجيب على هذا المأزق بأن ما يهم في أفعالنا هو محتواها العام: إذا قمت بتضحية بطولية، فهذا هو المهم، بغض النظر عن الدوافع الخاصة للقيام بذلك، والتي قد تكون مَرضية.

لكن قرار رفض تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة هو حالة مختلفة: من الواضح أنه كان الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، لكن الخطأ هنا هو الأسباب المعلنة للقيام بذلك. أيدت القاضية بشكل كامل مزاعم السلطات الأمريكية على أن أنشطة أسانج تقع خارج نطاق الصحافة، وبررت قرارها برفض تسليمه لأسباب تتعلق بالصحة العقلية لاسانج وتخوفها من قيامه بالانتحار فقط - وقالت: "الانطباع العام هو عن رجل مكتئب ويائس، وهو خائف حقًا على مستقبله". وأضافت أن مستوى ذكاء أسانج العالي يعني أنه من المحتمل أن ينجح في الانتحار.

وبالتالي، فإن استحضار ذريعة الصحة العقلية هي ذريعة لتحقيق العدالة - فالرسالة العامة الضمنية والواضحة للقاضية هي: "أعلم أن الاتهامات الامريكية خاطئة، لكنني لست مستعدة للاعتراف بذلك علنًا، لذلك أفضل التركيز على ذريعة الصحة العقلية". (بالإضافة إلى ذلك، الآن بعد أن رفضت المحكمة أيضًا الإفراج عن أسانج بكفالة، سيبقى في الحبس الانفرادي في السجن وهو الأمر الذي أوصله إلى اليأس الانتحاري منذ البداية...). تم (ربما) إنقاذ حياة أسانج ، لكن قضيته - حرية الصحافة، الكفاح من أجل الحق في نشر جرائم أي دولة- سيظل تعريفها على أنها جريمة. هذا مثال ذو دلالة لما تعنيه "إنسانية" محاكمنا حقًا.

لكن هذا كله مجرد معرفة عامة - فما يجب علينا فعله هو تطبيق أسطر تي.اس إليوت على حدثين سياسيين آخرين مؤخرًا. أليست الكوميديا ​​التي جرت في واشنطن في السادس من يناير هي الدليل النهائي - إذا لزم دليل آخر اصلا - على أنه لا ينبغي تسليم أسانج إلى الولايات المتحدة؟ سيكون الأمر مثل تسليم المنشقين الذين فروا من هونج كونج إلى الصين.

الحدث الأول: عندما ضغط ترامب على مايك بنس، نائبه، لعدم التصديق على أصوات المجمع الانتخابي، طلب أيضًا من بنس أن يفعل الشيء الصحيح للسبب الخاطئ: نعم، النظام الانتخابي الأمريكي مزور وفاسد، إنه كذلك. نظام مزيف كبير، تنظمه وتتحكم فيه "الدولة العميقة". تداعيات طلب ترامب مثيرة للاهتمام: فقد جادل بأن بنس، بدلاً من مجرد التصرف في دوره الطبيعي المنصوص عليه في الدستور، يمكن أن يؤخر أو يعرقل تأكيد نتائج المجمع الانتخابي في الكونغرس.

بعد فرز الأصوات، يتعين على نائب الرئيس فقط اعلان النتيجة، التي يتم تحديد محتواها مسبقًا، ويكون تصديق نائب الرئيس على النتيجة فعلاً شكليًا - لكن ترامب أراد من بنس أن يتصرف كما لو أنه يتخذ قرارًا حقيقيًا... ما طالب به ترامب لم يكن ثورة بل محاولة يائسة لإنقاذ مساعيه بالتمسك بالسلطة من خلال إجبار مايك بنس على التصرف ضمن النظام المؤسساتي، لكن بأخذ نص القانون بصورة أكثر حرفية مما كان مقصودًا بالفعل.

الحدث الثاني: عندما اقتحم المتظاهرون المؤيدون لترامب مبنى الكابيتول في 6 يناير، فعلوا أيضًا الشيء الصحيح لأسباب خاطئة. لقد كانوا على حق في احتجاجهم على النظام الانتخابي الأمريكي، بآلياته المعقدة التي تهدف إلى جعل التعبير المباشر عن السخط الشعبي مستحيلًا (وقد صرح بذلك بوضوح الآباء المؤسسون أنفسهم). لكن محاولتهم لم تكن انقلابًا فاشيًا - فقبل تولي السلطة، عقد الفاشيون صفقة مع الشركات الكبرى، لكن الآن "يجب عزل ترامب من منصبه للحفاظ على الديمقراطية، كما يقول رجال الاعمال".

فهل حرض ترامب المحتجين على الشركات الكبرى؟ ليس حقًا: تذكر أن ستيف بانون طُرد من البيت الأبيض عندما لم يعارض خطة ترامب الضريبية فحسب، بل دافع علانية عن رفع الضرائب على الأغنياء إلى 40 في المائة، بالإضافة إلى أنه جادل بأن إنقاذ البنوك بالمال العام هو ’اشتراكية للأثرياء’".

ترامب الذي يزعم أنه يدافع عن مصالح "الناس العاديين" هو مثل "المواطن كين" من فيلم ويلز الكلاسيكي - عندما يتهمه مصرفي ثري بأنه يتحدث في جريدته التي يملكها نيابة عن "الغوغاء الفقراء"، يجيب كين: نعم، جريدتي تتحدث نيابة عن الفقراء العاديين من أجل منع الخطر الحقيقي الذي هو أن يقوم الناس العاديين الفقراء بالتحدث نيابة عن أنفسهم.

ابن المؤسسة بوجه شعبوي

كما أوضح يوفال كريمنيتسر، فإن ترامب "شعبوي" لكن يبقى داخل النظام. مثل أي شعبوية، فإن نسخته أيضًا لا تثق في التمثيل السياسي، وتتظاهر بالتحدث مباشرة باسم الشعب - فهي تشكو من كيفية تقييد أيديها من قبل "الدولة العميقة" والمؤسسة المالية ، لذا فإن رسالتها هي: "فقط لو لم تكن أيدينا مقيدة، سنكون قادرين على التخلص من أعدائنا مرة واحدة وإلى الأبد".

ومع ذلك، على النقيض من الشعبوية السلطوية القديمة (مثل الفاشية) المستعدة لإلغاء الديمقراطية التمثيلية الشكلية وتولي السيطرة وفرض نظام جديد، فإن الشعبوية اليوم ليس لديها رؤية متماسكة لنظام جديد ما - المحتوى الحقيقي لايدلوجيتها وسياساتها هي عبارة عن مجموعة غير متسقة من الإجراءات لرشوة فقراء "بلدنا"، وخفض الضرائب على الأغنياء، وتركيز الكراهية على المهاجرين ونخبتنا الفاسدة، إلخ. هذا هو السبب في أن الشعبويين اليوم لا يريدون حقًا التخلص من الديمقراطية التمثيلية الراسخة والاستيلاء على السلطة بالكامل، لانه بدون" قيود "النظام الليبرالي التي تدعي محاربتها، سيتعين على اليمين الجديد في الواقع اتخاذ بعض الإجراءات الحقيقية، و هذا من شأنه أن يوضح فراغ برنامجهم. لا يستطيع الشعبويون اليوم العمل فعلاً الا من خلال التأجيل إلى أجل غير مسمى، تحقيق هدفهم المزعوم، لأنهم لا يستطيعون العمل إلا كمعارضين لـ"الدولة العميقة"، للمؤسسة الليبرالية: "لا يسعى اليمين الجديد، على الأقل في هذه المرحلة، إلى تأسيس قيمة عليا - على سبيل المثال، الأمة  أو القائد -التي من شأنها أن تعبر تمامًا عن إرادة الشعب، وبالتالي يسمح وربما حتى يتطلب إلغاء آليات التمثيل الديموقراطي".

ما يعنيه هذا هو أن الضحايا الحقيقيين لترامب هم أنصاره العاديون الذين يأخذون على محمل الجد ثرثته ضد النخب الليبرالية الفاسدة والبنوك الكبرى. إنه بالفعل خائن لقضيته الشعبوية. يتهمه منتقدوه الليبراليون بالهيمنة على أنصاره المستعدين للقتال بعنف من أجله، في حين أنه يقف إلى جانبهم حقًا، ويحثهم على التصرف، حتى بعنف. لكن الحقيقة أنه ليس في صفهم-أنصاره- ابدًا.

في صباح يوم 6 يناير الشهر الجاري، ألقى ترامب كلمة أمام تجمع من انصاره "سننزل إلى مبنى الكابيتول. وسنشجع أعضاء مجلس الشيوخ وأعضاء الكونجرس والنساء الشجعان. وربما لن نشجع البعض منهم كثيرًا، لأنك لن تستعيد بلدنا بالضعف أبدًا، وعليك إظهار القوة وعليك أن تكون قويًا ". ومع ذلك، عندما فعل الغوغاء ذلك فعلاً واقتربوا من مبنى الكابيتول، انسحب ترامب إلى البيت الأبيض وشاهد على شاشات التلفزيون من بعيد العنف الذي اندلع في مبنى الكابيتول.

نزع القناع عن الديمقراطية الزائفة

هل أراد ترامب حقًا إحداث انقلاب؟ لا بالتأكيد، عندما اخترق الغوغاء مبنى الكابيتول، أدلى ببيان: "أنا أعرف ألمكم، وأنا أعلم ما تعرضتم له. الانتخابات سُرقت منا. لقد كان فوزًا ساحقًا لنا والجميع يعرف ذلك، خاصة الطرف الآخر. لكن عليكم العودة إلى المنزل الآن. يجب أن ننعم بالسلام. يجب أن يكون لدينا التزام للقانون والنظام". وألقى ترامب باللوم على خصومه في أعمال العنف وأشاد بمؤيديه قائلاً: "لا يمكننا أن ننجر الى لعبة هؤلاء. يجب أن نحافظ على السلم. لذا عودوا إلى المنزل. نحن نحبكم، انتم مميزون للغاية."

وعندما بدأ الغوغاء يتفرقون، نشر ترامب تغريدة تدافع عن تصرفات أنصاره الذين اقتحموا وخربوا مبنى الكابيتول: "هذه هي الأشياء والأحداث التي تحدث عندما يتم سرقة فوز ساحق مقدس في الانتخابات بشكل وحشي." وختم تغريدته بقوله: "تذكروا هذا اليوم إلى الأبد!" نعم، يجب علينا ذلك - لأنها أظهرت زيف الديمقراطية الأمريكية وكذلك زيف الاحتجاج الشعبوي ضدها.

في يوم الخميس، 7 يناير، ألقى ترامب خطابًا قصيرًا آخر، يناقض ما قاله من قبل، أدان فيه بشكل لا لبس فيه الهجوم على مبنى الكابيتول باعتباره تهديدًا للقانون والنظام، ووعد بالتعاون في الانتقال السلمي للسلطة. على الرغم من أنه قال هذا على الأرجح خوفًا على مصيره الشخصي، إلا أن هذا الفعل أكد للتو أنه كان ولا يزال عضوًا في المؤسسة، وليس حتى بطلًا يمينيًا بل جبانًا.

لا عجب أن جماهيره يصفونه بالفعل الآن بأنه "خائن"، جزء من"مستنقع" واشنطن الذي وعد بـ"تجفيفة". هذا، بالطبع، لا يعني أن أنصاره هم بأي حال من الأحوال "تقدميون" وثوريون خانهم ترامب: لقد عبروا عن مظالمهم الفعلية بطريقة يمينية شعبوية. هناك ذرة من الحقيقة في شكواهم واحتجاجهم ضد المنظومة، لكنهم أنفسهم خانوها من خلال شكل نشاطهم. قد يبدو ما اقوله جنونًا، لكن إذا كان هؤلاء الغوغاء يقصدون بجدية ما يقولونه، فعليهم الانضمام إلى بيرني ساندرز.

حشد غاضب وساخط يهاجم مبنى البرلمان نيابة عن رئيس شعبي حرم من سلطته من خلال التلاعب البرلماني ...هل يبدو هذا مألوفا؟ نعم: كان يجب أن يحدث هذا في البرازيل أو في بوليفيا، هناك، سيكون لجمهور أنصار الرئيس- دا سيلفا وموراليس الذين تم الانقلاب عليهم- الحق الكامل في اقتحام البرلمان وإعادة تنصيب رئيسهم.

أما في الولايات المتحدة فالقضية مختلفة تمامًا. لذا دعونا نأمل في أن ما حدث يوم 6 يناير في واشنطن، سيوقف على الأقل الوقاحة المتمثلة في إرسال الولايات المتحدة مراقبين للانتخابات في بلدان أخرى للحكم على مدى نزاهتها - الآن الانتخابات الأمريكية نفسها تحتاج إلى مراقبين أجانب. الولايات المتحدة دولة مارقة، وليس فقط عندما أصبح ترامب رئيسًا لها: شبه الحرب الأهلية الجارية الآن هناك تظهر الصدع الذي كان موجودًا طوال الوقت.

"الاتحاد" الحيفاوية