2021-02-05

وباء "كوفيد 19" فُرصة الرأسمالية لفَرْضِ الدّكتاتورية في العالم

| الطاهر المعز*

أسباب الغضب

تقديم:

أعلنت الحكومة الصينية، منذ نهاية سنة 2019، عن انتشار فيروس من طائفة "سارس" وما شابهها، أي من مجموعة الفيروسات التّاجِيّة، وقررت بسرعة عزل المنطقة التي انتشر بها الفيروس، وإعلان حالة الطّوارئ الصّحّية، لكن الفيروس انتشر بعد فترة في مناطق أخرى، فَفَرضت الدّولة إغلاق الحُدُود الخارجية، والحَجر الصّحّي والحَبْس المنزلي على السّكّان، وتكفّلت الدّولة، بتوفير الكمامات الواقية، ووَزّعَ الجيش الغذاء واللوازم الضّرورية على المواطنين، في البُيُوت، ما خَفَّفَ من وطأة تأثير الحبس المنزلي على الفئات الأشدّ فَقْرًا، بالتوازي مع تشجيع البُحُوث العلمية والطّبِّيّة لتحديد نوع الفيروس، وابتكار علاجات ولقاحات، ومتابعة المُصابين، وبذلك أدّت سرعة اتخاذ القرار وتنفيذه إلى الحَدّ من عدد الضّحايا في بلد يُعدّ قاطرة الإقتصاد الرّأسمالي العالمي، ومُكتظّ بالسّكّان.

اتّهمت أنظمة الدّول الأوروبية نظام الصّين باتخاذ إجراءات قَمْعِيّة، تسمح بمراقبة جميع السّكّان (وهو أمر واقع )، ولكن اتخذت معظم الأنظمة الحاكمة في العالم، في الرُّبُع الأول من سنة 2020، إجراءات الإغلاق ومنع الجولان وفَرْض غرامات باهضة على المُخالفين، وعلى من لا يرتدي كمامة، ووجدت حكومات أوروبا الفُرصة سانحة لإلغاء دور البرلمانات والسّلطات المحلية وتكميم صوت المواطنين، بواسطة زيادة عدد نقط المراقبة والحواجز، وعدد أجهزة التّصوير بشوارع المُدُن، وحتى القُرَى، ولكنها خلافًا لحكومة الصين، تركت الفُقراء والعاملين الذي فقدوا عملهم ودَخْلَهم يتدَبّرون أمرهم، لتوفير ثمن الكمامات وأدوات الوقاية، وتدبير الغذاء وثمن إيجار المسكن وغير ذلك من ضرورات الحياة، بالتّوازي مع توزيع المال العام على الأثرياء والشركات الكُبرى، وبذلك حققت الأنظمة "الديمقراطية" والحكومات الأوروبية (وغيرها) ما كان يحلم بتنفيذه كل دكتاتور في العالم، ولم يستطع لا "ماركوس" في الفلبين ولا "أوغوستو بينوشيه" في تشيلي ولا الحكم العسكري في اليونان أو في البرازيل وغيرها، من السيطرة على السّكّان بهذا الشّكل المُتَسَلّط...

طال صمت المواطنين (العاملين والفُقراء والمُتضررين من هذه الإجراءات القمعية) ولم تُدافع عنهم الأحزاب التي وقع إدراجُها ضِمْن القوى التّقدّمية، ولا دافعت النقابات عن العُمّال الذين بقوا يعملون في ظروف سيئة جدا، أو فقدوا وظائفهم ودَخْلَهم، وانتشر الفيروس بسرعة بسبب عدم توفير أجهزة ووسائل الوقاية في وسائل النّقل المُكتظّة، وفي أماكن العمل، وبسبب اضطرار الفُقراء إلى البحث عن سُبُل العيش، للبقاء على قيد الحياة، ولئن انطلقت بعض الإحتجاجات مُبَكِّرًا، في بعض الدّول، فإنها تأخرت في دول أخرى، وتمكنت القوى الأشدّ رجعية، من اليمين المتطرف، من استغلال العديد من هذه التظاهرات...

تتطرق الفقرات الموالية إلى القرارات الفوقية (العامودية) للحكومات الأوروبية، وما نتج عنها من كوارث على حياة العاملين والفُقراء، وإلى بعض رُدُود الفعل المُحتشَمَة والقليلة، نسبة إلى جسامة الأضْرار، وإلى عدد المُتَضَرِّرِين، ولا يتطرق هذا النّص إلى الولايات المتحدة، وهي الدّولة التي نَشَأت على جُثَثِ الملايين من السّكّان الأصليين، وتطورت بها الرأسمالية على جُثَثِ وجُهْدِ وعَرق الملايين من المُسْتَعْبَدِين الذي وقع اصطيادهم من إفريقيا، وهي البلد الذي ابتكَرَ "الماكارثية" والمُلاحقات والإعدامات لمواطنين مُسالمين، اتُّهِمُوا بأنهم مُتعاطفون مع الفكر الإشتراكي، ومع ذلك لا يزال العديد من المُثَقّفِين العُضْوِيِّين للرأسمالية يعتبرون النظام الأمريكي "ديمقراطيا"، لأن الرئيس والنّوّاب مُنْتَخَبُون، ولأن الإنتخابات تجري، بصفة دَوْرِيّة، وفي مواعيدها !!!

أوروبا تزرع الشّوك وتجني الجراح

بعد مظاهرات تونس، منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2021، ضد طريقة إدارة الحكومة لأزمة انتشار وباء الفيروس التاجي "كوفيد 19"، وضد الإجراءات التي تحرمهم من إمكانيات تدبير رزقهم، تظاهر المواطنون في لبنان، وخاصة في طرابلس، ثاني أكبر مدينة لبنانية، يوم 25 كانون الثاني/يناير 2019، لنفس الأسباب، وكما في تونس، اندلعت اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين، ومعظمهم من الشباب الذين استهدفوا رُمُوز السّلطة، وأحْصَى الصليب الأحمر اللبناني ما لا يقل عن ثلاثين جريحا بفعل الغاز المسيل للدموع والرصاص المُغَلّف بالمطّاط، نُقِلَ ستة منهُم إلى المستشفى، وأعلنت السلطات حظر تجول شامل، لفترة 24 ساعة، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب 25 كانون الثاني/يناير 2021)، مع الإشارة أن الفيروس أصاب حوالي ثلاثمائة ألف، توفي منهم حوالي 2500 وهي أرقام مرتفعة جدا، نسبة إلى عدد السّكّان الذين يعيشون بالبلاد (حوالي 6,8 ملايين نسمة سنة 2020)، نصفهم في حالة فَقْر، بسبب الأزمة الإقتصادية الحَدّة، والإنخفاض التاريخي لقيمة العملة (الليرة) وارتفاع نسبة التّضخّم، والبطالة، خصوصًا بعد عمليات التّسريح الجماعي، المستمرة...

لم تقتصر الإحتجاجات على بلدان عربية، أو على بلدان "مُتخلّفة"، كما نعتها بعض الأصدقاء المُتعالِين، الذين ينعتون المتظاهرين بالغوغاء، وبالمتهورين، عديمي المسؤولية، بل لم تهدأ الإحتجاجات في بعض بلدان أوروبا، منذ آذار/مارس 2020، عند إقرار إجراءات الحبس المنزلي، وإغلاق المُنشآت الإقتصادية، والفضاء العام، ما أدّى إلى تدهور وضع العاملين بعقود هَشّة، أو بدون عُقُود أصلاً، والباحثين عن عمل، والفُقراء، وفئات عديدة من سكان هذه البلدان الأوروبية، الذين لم يعد بإمكانهم توفير الغذاء اليومي، وجمع قيمة إيجار المسكن، وثمن اشتراك واستهلاك الطاقة والماء وغير ذلك، وآخر هذه الإحتجاجات لا تزوال متواصلة، عند كتابة هذه الفقرات، وانطلقت هذه الإحتجاجات يومي 23 و 24 كانون الثاني/يناير 2021، بالعديد من البلدان الأوروبية ضد الإجراءات الزّجْرِيّة التي اتخذتها الحكومات، متعللة بانتشار وباء "كوفيد 19"، ونعتتهم وسائل الإعلام بالمتظاهرين"المناهضين لاحتواء الفيروس، والمناهضين للتّقييد"، والواقع أن المتظاهرين يُطالبون بالعمل، والعيش بكرامة، وتشابهت شعاراتهم، في العديد من الدول الأوروبية، في إسبانيا وفي سكوتلندا والدنمارك وهولندا، ولم تُعَوّدنا وسائل الإعلام على ذكر النضالات الإجتماعية في بعض هذه البُلدان، ولذلك ركّزت الوكالات ومحطات التلفزيون على الإشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في العديد من المدن الهولندية، منذ يوم السبت 23 كانون الأول/يناير 2021، لتبرير إلقاء القبض على حوالي مائتيْ متظاهر، خلال نهاية الأسبوع (23 و 24 كانون الثاني 2021)، وادّعى رئيس الحكومة (ووسالئل الإعلام) إن المتظاهرين "بلطجية، مجرمين، ينهبون المحلات التجارية"، وإن الشرطة تحمي المِلْكِيّة الخاصّة، ليُبَرّرَ (رئيس الحكومة) العدد الكبير من المُعتقلين، ومن المجروحين برصاص الشرطة، المُغَلّف بالمطّاط، وترفض الحكومة الإعتراف بحالة الضّيق التي يُعاني منها عشرات الآلاف من المواطنين، بسبب الإغلاق والحجر الصّحّي، وتوزّع نفس الحكومة المال الذي جمعته من ضرائب المواطنين على الشركات والأثرياء الذين تم إعفاؤهم من تسديد الضّرائب، بل حصلوا على منح من المال العام. أما الفُقراء، فتجابههم الشرطة بخيولها وكلابها وهراواتها، وخراطيم المياه، ما يُؤَدِّي إلى تضييق هامش حرية التعبير وحرية الإعتراض والتّظاهر ضد قرارات الحكومة التي كانت آخر حكومة أوروبية تُطلق حملة تطعيم المواطنين ضد الوباء...

في الدنمارك، لم تتحمل الحكومة مشهد المتظاهرين الذين أشعلوا النار في دُمْيَةٍ تُمثل صورة رئيس الحكومة، وأعلنت الشرطة اعتقال ثلاثة أشخاص، بسبب ذلك، خلال احتجاج بالعاصمة "كوبنهاغن" (يوم السبت 23 كانون الثاني/يناير 2021) ضد "الدّكتاتورية" و"الإكراه" و "القيود" التي فرضتها الحكومة لاحتواء انتشار الوباء، وتتضمن القُيُود إغلاق المتاجر والحانات والمطاعم والمدارس غير الأساسية حتى السابع من شباط/فبراير 2021، وقد يقع تمديد الإغلاق لفترة ثلاثة أسابيع أخرى.

في إسبانيا، تظاهر في مدريد يوم السبت 23/01/2021، آلاف المواطنين، الذين يدّعي بعضهم أن الفيروس التاجي "كوفيد 19" غير موجود أصلا، وامتنع العديد من هؤلاء المتظاهرين عن ارتداء الأقنعة، التي فرضت الحكومة ارتداءها في جميع الأوقات، في الفضاء العام، وداخل المحلات.

تظاهر بضعة آلاف من الأشخاص أيضًا في "براغ"، عاصمة جمهورية التشيك، ضد الإجراءات الحكومية والقُيُود، المفروضة، للحد من انتشار الوباء.

في إيطاليا، تظاهر الآلاف في العديد من المدن، يوم 27 تشرين الأول/أكتوبر 2020، احتجاجًا على حظر التجول، بعد أن قررت الحكومة إبقاء المصانع مفتوحة، دون اتخاذ إجراءات وقائية للعمال، فارتفعت حالات المصابين بين العُمّال، ولذلك كانت الإحتجاجات عنيفة في المُدُن الصناعية، ومنها "ميلانو" و "تورينو"، حيث اشتبك المتظاهرون مع قوات الشرطة، ونفذ عُمّال المصانع إضرابًا، اضطر الحكومة وأرباب العمل إلى توفير بعض وسائل الوقاية...

عمومًا لم تتوقف المظاهرات الإحتجاجية في ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبعض البلدان الأخرى، ضد القيود المفروضة، والتي أدّت إلى ارتفاع نسب البطالة والفقر، وعجز مئات الآلاف من المواطنين عن تسديد ثمن إيجار المَسْكن وفواتير الكهرباء، وعن توفير الغذاء، وشملت المظاهرات النمسا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وبريطانيا وغيرها، فقد انطلقت المظاهرات في عدة مُدُن ألمانية، منذ بداية الإغلاق، واستغل اليمين المتطرف ( في ألمانيا، كما في مجمل البلدان الأخرى) هذه الإحتجاجات ليحولها إلى مكاسب سياسية لفائدته، منذ بداية شهر أيار/مايو 2020.

شهدت عدة مدن ألمانية كبرلين وميونخ وفرانكفورت مظاهرات خلال بداية الأسبوع الثاني من شهر أيار/مايو 2020، احتجاجا على القيود المفروضة بسبب كورونا، وفي برلين ألقت الشرطة القبض، يوم التاسع من أيار/مايو 2020، على ما لا يقل عن خمسين شخص من المتظاهرين "لمخالفتهم قواعد تنظيم المظاهرات"، وفي الأول من آب/أغسطس 2020، فرقّت الشرطة آلاف المتظاهرين ضد قيود كورونا في برلين، وفي الثامن من آب، تظاهر المئات في مدينة شتوتغارت، لنفس الأسباب، كما تظاهر المئات في مدينة "دورتموند"، وغيرها...

تأثير قرار الحكومات على الطبقة العاملة والفُقراء

أصدرت منظمة العمل الدّولية (وهي جهاز تابع للأمم المتحدة يتألف ثُلُثُ مجلس إدارته من أرباب العمل، وثُلثٌ آخر من مُمثّلي الحكومات، ومعظمها تخضع لإرادة أرباب العمل، والثلث الباقي للنقابات ومُعظَمُها مُسالِمَة، وتحترم القوانين ولا تحيد عنها)، منذ شهر آذار/مارس 2020، إلى جانب منظمة الصحة العالمية ومنظمات دولية أخرى عديدة، عددًا من التقارير التي توقّعت مُبَكِّرًا الكارثة التي يعيشها العاملون والفُقراء، بسبب الطُّرُق التي اتّبعتها مُعْظَم الأنظمة السياسية في العالم لمعالجة واحتواء انتشار وباء "كوفيد 19"، واعتبر تقرير منظمة العمل الدولية "إن وباء فيروس كورونا ليس مجرد أزمة طبية فحسب، بل اجتماعية واقتصادية وتَنْمَوِيّة أيضاً"، ولا يمكن معالجة هذه الأزمة في بلد واحد، وإنما في جميع بلدان العالم، وفي نفس الوقت، وذلك بسبب تَوقّف الإقتصاد والإنتاج والمبادلات التجارية في جميع دول العالم، وأشارت تقديرات منظمة العمل الدولية آنذاك (آذار/مارس 2020) إلى زيادة عدد المُعطّلين عن العمل بحوالي 25 مليون عاطل إضافي، بنهاية سنة 2020، وخسارة العاملين في العالم لحوالي 3,4 تريليونات دولارا من دخلهم، بنفس الفترة، بعد توقّف العديد من الشركات عن العمل، وتسريح العُمّال، وخفض عدد ساعات العمل لمن لم يتم تسريحهم، ويتهدد الإفلاس عشرات الآلاف، أو مئات الآلاف من المتاجر والفنادق والمطاعم، وشركات قطاع النقل، في العالم، ليرتفع عدد المُعَطّلين وعدد الفُقراء، في حين لم يكن (قبل أزمة "كوفيد 21" )، يتلقى إعانات البطالة، سوى حوالي عشرين بالمائة (20% ) من المُعَطَّلِين في العالم، فيما يحرَمُ ملايين العاملين في قطاع التنظيف أو العاملين "بالقِطْعَة" أو بالساعة والعمال المياومون (باليوم) والعاملون في الإقتصاد الموازي، من أي حقوق، ومن أي حماية اجتماعية وصحية، وفقد جميع هؤلاء، أو معظمهم عملهم، بعد انتشار فيروس كورونا، ما يوسع دائرة الفقر...

تعلّلت حكومات معظم الدّول بمكافحة الإنكماش والكساد، لتوزيع المال العام على الشركات والأثرياء، من خلال "برامج التّحْفِيز"، لكن لم تتخذ نفس هذه الحكومات أي تدابير للعاملين وللفقراء، الذين وقع إقصاؤهم من التأمين الصحي، ومن إعانات البطالة، وقدّرت منظمة الصحة العالمية، أن 100 مليون شخص يُصبحون أكثر فقرًا، كل عام، بسبب النفقات الصحية التي يتحملونها، لأنهم لا يتمتعون بالحماية الصحية...

لهذه الأسباب، ولأسباب أخرى، أدّت طريقة إدارة الوباء، من قِبَل الحكومات، إلى تفاقم الفَوارق الطّبقية، داخل كل بلد، وفي العالم، ويستغل أرباب العمل هذه الفُرصة لخفض الرواتب وزيادة عدد ساعات العمل، وعدم احترام شروط سلامة العاملين...

تزامنت المظاهرات الأخيرة في أوروبا مع انطلاق أعمال "منتدى دافوس" للأثرياء، ونشرت منظمة "أوكسفام" بالمناسبة، يوم 25 كانون الثاني/يناير 2021، تقريرًا عن الفوارق المجحفة، وعن ارتفاع ثروة أصحاب المليارات في العالم بقرابة أربعة تريليونات دولارا، بين 18 آذار/مارس و 31 كانون الأول/ديسمبر 2020، لتبلغ قيمة إجمالي ثروات أصحاب المليارات حوالي 12 تريليون دولارا، وارتفاع ثروة عشرة من أغنياء العالم، وخصوصًا من الرأسماليين الأمريكيين (مؤسس موقع أمازون "جيف بيزوس" ومؤسس شركة تيسلا "إيلون ماسك" ومؤسس موقع فيسبوك "مارك زوكربيرج"... )، بنحو 540 مليار دولارا، خلال أقل من سنة من انتشار الوباء، الذي أدّى إلى زيادة عدد الفُقراء، ولم يُشارك هؤلاء الأثرياء في عملية الإنتاج، بل زادت ثرواتهم بفضل المُضاربة في سوق المال، وبسعر أسهم الشركات، وبحسب "أوكسفام"، يكفي مبلغ هذه الزيادة (وليس المبلغ الإجمالي لثروة هؤلاء العشرة )، للتلقيح جميع سكان العالم، ولحمايتهم من الوقوع في الفقر بسبب الفيروس، ويعادل إجمالي هذه الثروات المبالغ التي تُنفقها حكومات دول مجموعة العشرين (الأكثر ثراء) من أجل التعافي من الفيروس، والواقع أن الأثرياء استفادوا من الجزء الأكبر من هذا الإنفاق الحُكُومي، مع إعفاء هذه الثروات من الرسوم والضّرائب، ما زاد من حدّة الفوارق الطبقية، ومن عدد فُقراء العالم بنحو نصف مليار، منذ انتشار الفيروس الذي شَكّلَ فُرصةً للتّخَلُّصِ من بعض قوانين العمل التي كانت تحمي (نسبيا) بعض الفئات من العاملين، بينما تُشير تقديرات الأمم المتحدة، بنهاية سنة 2019، إلى عَمل حوالي مليار شخص في العالم، أو ما يفوق نسبة 60% من العاملين، في الإقتصاد المُوازي، أو "القطاع غير المنظم"، بدون أي حماية، ولا ضمانات، وهم في الخط الأمامي للتعرض للمخاطر الصحّيّة، إذ يعيش معظمهم في مساكن غير صحية، ومكتظة، وتفتقر إلى التهوئة والميه النّقِيّة والمراحيض وغير ذلك، وبالإضافة إلى العاملين في القطاع الموازي، يتهدّدُ الفقر العاملين بالشركات الصغيرة (80% من عدد الشركات في العالم)، والعاملين بدوام جزئي، والعاملين بعقود قصيرة الأجل، وتُشكّل النساء النّسبة الأكبر من هذه الفئات، وتُظهر البيانات أن 5% من النساء العاملات في العالم خَسِرْن وظائفَهُنّ، سنة 2020، مقابل 3,9% من الرّجال.

على جبهة الصّحّة، ورد في البيانات التي أصدرتْها جامعة "جونز هوبكنز" (يوم الإثنين 25 كانون الثاني/يناير 2021) التي تُتابع تطورات الفيروس، منذ بداية اكتشافه، أنه أصاب 99 مليون شخص، وقَتَل أكثر من 2,1 مليون ضَحِيّة، وتسبب الفيروس بفقدان 8,8% من ساعات العمل في العالم (مقارنة بالعام 2019)، أو ما يُعادل 255 مليون وظيفة بدوام كامل"، بحسب منظمة العمل الدّولية، وهذا يعني خسارة فادحة في دَخل العاملين والعاملات بنسبة تُقارب 8,3% مقارنة بسنة 2019، أو ما يعادل 4,4% من الناتج الإجمالي العالمي، وتُظْهِرُ بيانات المنظمة أن الإنتعاش الإقتصادي، غير مُؤَكّد، وإن حصل سوف يكون بطيئًا، سنة 2021، ويتوقع صندوق النقد الدّولي (تشرين الأول/اكتوبر 2020) أن تبلغ خسارة سنة 2021 نسبة 3% من ساعات العمل في العالم، ولذلك يمكن الإستنتاج أن الإنتعاش المُحتمَل لا يرتكز على دعم الإنسان (العامل)، بل على دعم رأس المال، وعلى ضخ السيولة من المال العام في خزائن الشركات، وبلغت قيمة المبالغ التي أعلنت حكومات الدّول الغنية ضخّها للشركات وللأثرياء، بذريعة "تحفيز الإقنصاد" 12,7 تريليون دولارا، خلال تسعة أشهر، من سنة 2020، ما يؤكد انحياز سياسات الدّول وأنظمتها الحاكمة إلى جانب الأثرياء، بشكل مُطْلَق، ضد الفُقراء والكادحين والأُجَراء...

آفاق مُظْلِمَة

تعكس البيانات الحالية صورة الوضع في المُستقبل القريب، إلا إذا حدث تغيير جَوْهَري، أو ثَوْرات تقَدُّمِيّة، وهذا مُسْتَبْعَد، بحسب موازين القوى، وبحسب وضع الطبقة العاملة، سواء في البلدان الرأسمالية المتطورة، أو في بُلدان "الأطراف" الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، وغياب أحزاب ومنظمات تُمثِّلُ العاملين والمُنتِجِين والفُقراء، لتقوم بتغيير الوضع لمصلحتهم...

تَعكس هذه النظرة "المُتشائمة" (وهي واقعية، أو نتيجةً للمُعايَنَة) ما يُنشَرُ من أرقام وبيانات، إذ نشرت الأمم المتحدة يوم 29 كانون الأول/ديسمبر 2020 تقريرًا عن بعض التأثيرات السلبية لجائحة "كوفيد 19" على حياة السكان، ومن هذه التأثيرات تقهقر مستوى تعليم أبناء الفُقراء، وارتفاع حدّة البطالة والفقر. كما استَنْتَجَ تقرير منظمة العمل الدّولية، بنهاية كانون الأول/ديسمبر 2020، اتساع رُقعة التّفاوت الطّبقي، خلال سنة 2020، وأصبح ميارا شخص، ممن يعملون في القطاع غير الرسمي، معرضين لخطر الفقر، وسبق أن نشرت الأمم المتحدة، منذ شهر آذار/مارس 2020، توقعات بالتحاق ملايين العمال بصفوف الفُقراء، بسبب التّسريح من العمل وبسبب العمل الهش وبدوام جزئي، وبسبب الإصابة بأمراض خطيرة، نتيجة غياب الوقاية والحماية في مكان العمل...

أشارت منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، منذ شهر نيسان/ابريل 2020، إلى ارتفاع المخاطر الغذائية والصحية التي يتعرض لها حوالي 1,2 مليار شخص ممن يعيشون في الأحياء الفقيرة والعشوائيات، في معظم مُدُن العالم، فيما ركّز تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (أيلول/سبتمبر 2020) على العبء الكبير الذي تتحمّلُهُ النّساء، خاصة في أوساط الفئات الأكثر فقرًا في العالم، وتعرّضِهِنَّ إلى فقدان مصادر الدّخل الضعيف أصْلاً، وتوقّع التّقرير أن تلتحق 47 مليون امرأة بصفوف الفقراء المُدْقعين، خلال سنة 2020، وأدّت جائحة فيروس "كورونا" إلى زيادة معدل الفقر بين النساء بنسبة 9,1%، ما زاد من فَقْر الأطفال، بحسب تقرير مُشتَرَك أعدّته هيئة الأمم المتحدة للمرأة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وأشار تقرير صادر عن منظمة الطفولة (يونيسيف) بالإشتراك مع البنك العالمي، تقريرًا في تشرين الأول/اكتوبر 2020، إلى وجود 365 مليون طفل كانوا يُعانون من الفقر قبل انتشار وباء "كوفيد 19"، وإلى احتمال ارتفاع هذه الأرقام بشكل كبير، بنهاية سنة 2020، ويؤدّي الفقر إلى عرقلة النمو البدني والذّهني والمَعْرِفِي لمئات الملايين من الأطفال، وإلى حرمانهم مُستقبلاً من الحصول على وظائف جيدة في مرحلة البلوغ.

توقعت الأمم المتحدة (كانون الأول/ديسمبر 2020) أن يحتاج حوالي 235 مليون شخص إضافي إلى مساعدات إنسانية سنة 2021، بزيادة نحو 40% عن سنة 2020، بسبب انتشار الوباء، خاصة في البلدان الأكثر هشاشة، والواقعة تحت العدوان الإمبريالي (سوريا واليمن وليبيا) والمُحاصَرة (كوبا وكوريا الشمالية وإيران وسوريا، وكذلك البلدان التي تنهب الشركات العابرة للقارات ثرواتها، في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، في ظل غياب أنظمة الحماية الإجتماعية، وزيادة حدّة التفاوت وعدم المُساواة، ونهب المَوارد الطبيعية والبشرية...

أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا يوم 25 كانون الثاني/يناير 2021، بشأن آفاق الإقتصاد العالمي لسنة 2021، بمناسبة مؤتمر "منتدى دافوس" الاقتصادي العالمي، وحَذّر مُعِدُّو التّقرير من "التّأثير الإجتماعي والإقتصادي لجائحة كوفيد – 19 الذي سيظل ملازما للمجتمعات طيلة السنوات القادمة..."، وأورد هذا التقرير الحديث (أحدث تقرير عند كتابة المقال)، أن الإقتصاد العالمي انكَمَشَ بنسبة 4,3% سنة 2020، أي أن الوضع أسوأ بكثير مما كان عليه خلال أزمة 2008/2009، وأعلنت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إن 131 مليون شخص إضافي التحقوا بصف الفُقراء، سنة 2020، بسبب الوباء الذي أثّرَ بشكل خاص في الفئات الأكثر هشاشة، كالنساء والأطفال، والفئات الأخرى التي لا تزال تتعرض لمخاطر الفقر والعنف والأمية، وأشار تقرير "إدارة الشؤون الإقتصادية" (الأمم المتحدة) أيضًا إلى نوعية المهن التي تُمارسها النساء، فهن يُشكّلْنَ أكثر من خمسين بالمائة ( + 50% ) من إجمالي القوة العاملة في قطاعات العمل عالية المخاطر وكثيفة العمالة والخدمات، مثل البيع بالتجزئة والسياحة والفنادق والمطاعم، وهي القطاعات الأكثر تضرراً من الإغلاق، والأقل حمايةً للعاملين والعاملات...

تتطرق معظم التقارير إلى اقتصاد الدّول الإمبريالية، بينما ارتفعت قيمة الدّيْن العام بنحو 15% خلال سنة 2020، في العالم، ولكن الدول الغنية تستدين بعملاتها، أما الدول الفقيرة فإنها تُوجّه جزءًا من الناتج المحلي إلى الخارج لتسديد الدّيون وفوائدها، وحرمان الأجيال القادمة من التّصرّف في ثروات البلاد، ومن الإستثمار في القطاعات المُنْتِجة التي تُساهم في تحقيق التّنمية، وليس النّمو فحسب، وفي البحث العلمي والإبتكار والبُنية التحتية وغير ذلك.

ضخّت حكومات الدّول الغنية سيولة بقيمة مليارات الدّولارات لشركات المُخْتَبَرات والعقاقير (مثل "فايزر" الأمريكية الأضخم في العالم) لابتكار لقاح قد يقضي على الفيروس التاجي "كوفيد 19"، لأن الإصابات كانت أيضًا في أوروبا وأمريكا الشمالية والدول الرأسمالية المتقدمة، بينما رفضت نفس الشركات ونفس الطبقات الحاكمة تشجيع ("تحفيز"؟) البحث العلمي لإيجاد لقاحات لأمراض أُخرى تقتل مواطني الدّول الفقيرة كالملاريا التي تنتشر حيث المياه الراكدة والبعوض، ولم يتمكن العالم لحد الآن من القضاء على شلل الأطفال وعلى الحصبة، رغم توفّر اللقاحات.

إن المشكلة ليست صحية فقط، وإنما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلاقات الهيمنة الإمبريالية، وبهيمنة رأس المال، وطموحاته لتعظيم الأرباح، واغتنمت الحكومات التي تُمثّل مصالحه فرصة انتشار وباء "كوفيد 19" لفرْض قوانين وإجراءات زَجْرِيّة، ولفرض إعادة هيكلة الإقتصاد، على مستوى عالمي، بغرض دفع الشركات الصغيرة نحو الإفلاس، واستحواذ الشركات الكبيرة، العابرة للقارات، على قطاعات الخدمات والتجارة والغذاء والسياحة وغير ذلك، مع فَرْضِ شُرُوط جديدة على العاملين، منها إلغاء الحدّ الأدنى للرواتب، والحماية الإجتماعية والصّحّية، لتصبح من مسؤوليات الأشخاص وليس الشركات، وفرض شروط قاسية على حرية التعبير والإحتجاج، منها حَظْر نقد جهاز القمع، ومَنْع تصوير مظاهر القَمع، وتشديد شروط الترخيص للتجمعات والمظاهرات في الفضاء العام...

خاتمة:

أظهرت جائحة "كوفيد 19" هشاشة الدّيمقراطية التي تتبجّح بها حكومات الدّول الإمبريالية في الولايات المتحدة وأوروبا، فهي تتصرف كالدّكتاتوريات العسكرية، عبر فَرْض أوامر فَوْقِيّة، دون إشراك المواطنين في اتخاذ القرار، وأظهرت انحيازها المفضوح لرأس المال، حيث وزّعت هذه الحكوماتُ المال العام على الأثرياء والشركات، فيما ازداد عدد المُعَطّلين عن العمل، وعدد الفُقراء الذين فقدوا مساكنهم، بعدما عجزوا عن تسديد الإيجار، وفقدوا عملهم، وعندما يحتج الفُقراء، تُطلق الشرطة النار وتعتقلهم، وتنعتُهُم وسائل الإعلام بالمُجرمين، أو ينعتهم المُثَقّفون العضويُّون للبرجوازية بـ"الحثالة والرعاع والغوغاء"، وغير ذلك من النُّعُوت المُحَقِّرَة للفُقراء والكادحين...

يُثِيرُ قرار الحَبْس المنزلي (لأسباب مختلفة) ومنع الجولان، في ذاكرة المواطنين أجواء الحرب، أو الدّكتاتوريات العسكرية، وقمع المنظمات المُعارِضَة لنظام الحُكْم، وتقْيِيد حريات المواطنين والمواطنات، وحَضْر التّنقّل، وإلغاء الحقوق المُكتَسَبَة (بالنّضالات)، والتّمييز بين السّكّان، واحتكار السلطة وجهاز القمع للساحات والشوارع والفضاء العام، ومنع كافة أشكال الإحتجاج والتعبير الجماعي عن الرأي المُخالف للإيديولوجية السائدة.

إن الإحتجاج والتّظاهر، والعُنف الجماهيري (إن وُجِدَ) لا يَظْهَرُ فجْأةً من عدم، بل هو ردٌّ طبيعي على التفاوت الطّبقي، وعلى غياب وسائل توفير الغذاء والدّواء والمَسْكن، وغياب الحُرّيات - مثل منع التّجوال، دون الإكتراث بالحاجات الأساسية للبشر – ما يُؤَدِّي إلى الثورة في وجه السُّلْطة...

إن انتشار الفيروس التاجي ووباء "كوفيد 19" ناتج عن تدمير البيئة، واضطرار الحيوانات والحشرات والكائنات التي كانت تعيش في الغابات والأودية، إلى الإقتراب من أماكن إقامة الإنسان، بسبب تدمير رأس المال للغابات، وتحويلها إلى مزارع أو مُدُن، من أجل تعظيم الأرباح...

يتميز الإقتصاد الرأسمالي باحتداد التنافس، ما يزيد من حدة الأزمات، وما يجعل النمو غير منتظم وغير مستدام، كما يتميز بتتزايد اللامساواة وعدم الاستقرار، ووجب على التقدميين التركيز على الإنسان، وعلى الموارد المحلية، لبناء اقتصاد "تشاركي"، مُستدام وأكثر إنصافاً للعاملين، لتكون الأولوية للتوظيف وتأمين الدخل والحماية الاجتماعية والصّحّية.

* محلل وكاتب تونسي