2021-02-08

مناهضة التطبيع مع إسرائيل في دول الخليج العربي

| د. ماهر الشريف

تشهد منطقة الخليج العربي، منذ سنوات، نشاط جمعيات عدة لمقاومة مظاهر التطبيع بين دولها وإسرائيل، وهو نشاط سبق قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين بتطبيع علاقاتهما مع إسرائيل، ولم يجرِ تسليط الأضواء عليه بالقدر الكافي. فمنذ سنة 2016، تنشط في قطر جمعية تحمل اسم "شباب قطر ضد التطبيع"، تبنت خلال سنوات نشاطها مواقف ضد مشاركة رياضيين إسرائيليين في سباقات رياضية محلية، وضد أي نوع  من التعاون الخليجيي – الإسرائيلي.

مؤتمر مقاومة التطبيع في الكويت في سنة 2017

فما بين 17 و 19 تشرين الثاني 2017، انعقد في مدينة الكويت مؤتمر "مقاومة التطبيع في الخليج العربي"، شارك فيه ممثلون عن حركات المقاطعة ومقاومة التطبيع في دول الخليج العربي وعشرات الناشطين. وفي كلمة اللجنة المنظمة الافتتاحية للمؤتمر، أكد الدكتور سعد عكاشة من الكويت على ضرورة "إبراز الصوت الشعبي في الخليج الرافض للتطبيع، وتكثيف حملات المقاطعة كأحد أدوات مقاومة الاستعمار الصهيوني ودعم نضال الشعب الفلسطيني"، ولفت إلى أن تركيز إسرائيل "على محاولات تطبيع العلاقات مع بعض دول الخليج العربية، مستغلة الظروف الإقليمية المحتقنة، قد دعا الحاجة إلى عقد هذا المؤتمر"، مضيفاً أنه "أصبح من الواضح أن الحركة الصهيونية العالمية كرست جهودها على محاربة حركات مقاطعة النظام الصهيوني وفرض العقوبات، خاصة حركة (BDS)، لنجاحها المطرد في كشف الممارسات العنصرية وامتدادها العالمي".

كما شدد على "ضرورة إبراز الصوت الشعبي في الخليج الرافض للتطبيع، وتكثيف حملات المقاطعة كأحد أدوات مقاومة الاستعمار الصهيوني ودعم نضال الشعب الفلسطيني". واستعرض المؤتمر بعض تجارب المقاطعة في دول الخليج العربية، فتناول الدكتور طلال الرشود الجذور التاريخية لمقاطعة إسرائيل في الكويت في الفترة الزمنية من 1936 لغاية 1964، وقدم مشاري الإبراهيم ورقة حول نجاحات حملة المقاطعة في الكويت، في حين تحدث كل من مريم الهاجري وهاني الخراز عن تجربة الحراك الأهلي في قطر لنصرة القضية الفلسطينية، وقدم أحمد عبد الأمير قراءة في تجربة "الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني".

واختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على "ضرورة توحيد الجهود الشعبية للتصدي لعملية التطبيع المتزايدة بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني بما فيها أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي"، موصياً بإطلاق حملة موحدة في دول الخليج لإقصاء الشركات الأجنبية المتورطة في جرائم الاحتلال، من المناقصات والعقود العامة وأن تتولى المجالس التشريعية في المنطقة مسؤولية صياغة قوانين لمناهضة للتطبيع وتفعيلها، وسحب الاستثمارات الخليجية، لاسيما استثمارات الصناديق السيادية، من الشركات العالمية التي تعمل في الاراضي المحتلة (1).

خليجيون ضد التطبيع

وكان خليجيون من قطر والكويت والبحرين قد أطلقوا، في سنة 2019، ائتلافاً لمناهضة التطبيع مع إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، كمنت أهميته وفق ما ورد في حسابه المسمى "الخليج ضد التطبيع" على موقع "تويتر"، أنه جاء في ظل "المرحلة الحرجة"، وهو يسعى لـ "تكاتف الجهود بين أهل الخليج لمواجهة التطبيع". وقد أقام "ائتلاف الخليج ضد التطبيع" ندوة نقاشية رقمية، في 17 آب/أغسطس 2020، للتباحث بشأن سبل مواجهة المشاريع التطبيعية، ورفع الوعي الشعبي في الخليج ضد هذه المشاريع، والضغط على النظم الحاكمة في ظل الحديث عن توجه دول أخرى للسير على طريق التطبيع. وسعت الندوة الافتراضية، التي تابعها نحو 800 ناشط ومهتم بمقاومة التطبيع في الخليج، وشارك فيها ناشطون من السعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان والكويت وقطر، إلى توحيد جهود مقاومي التطبيع في دول الخليج. وترافق ذلك مع حراك سياسي برز على نحو خاص في الكويت، إذ دعا 37 برلمانياً كويتياً حكومة بلادهم، في 14 من شهر آب نفسه، إلى تأكيد موقفها الرافض للتطبيع، معربين عن"تضامنهم مع الشعب الفلسطيني الصامد والثابت"، كما كانت 31 جمعية ورابطة كويتية أعلنت "أن التطبيع مع إسرائيل "طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني والعربي".

وأطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الكويت وسم #كويتيون_ضد_التطبيع، الذي تصدَّر قائمة أكثر الوسوم انتشاراً حاصداً أكثر من 36 ألف تغريدة، أكد من خلالها المستخدمون تمسُّكهم بالقضية الفلسطينية ودعمهم الشعب الفلسطيني (2).

مناهضة التطبيع في دولة الإمارات العربية المتحدة

أصدر عدد من الناشطين والباحثين والأكاديميين الإماراتيين، في 18 آب/أغسطس 2020، بياناً ضد "اتفاقية السلام" بين دولة الإمارات وإسرائيل، باعتبارها تتناقض "مع الدستور والرؤية التي قام عليها الاتحاد في مطلع سبعينيات القرن الماضي، والتزامه بقرارات الإجماع العربي والإسلامي"، وتتجاهل  "تاريخاً مشرفاً ومجيداً للشعب الإماراتي في مناصرة الشعب الفلسطيني الشقيق ودعم القضية الفلسطينية العادلة"، كما تتنكر "لتاريخ مؤسسي الدولة الذي يؤكد دعم حكام الإمارات المؤسسين، وعلى رأسهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والشيخ صقر بن محمد القاسمي، وسائر إخوانهم من حكام الإمارات، للقضية الفلسطينية".

وأضاف البيان أن الاتفاقية تُعتبر "خروجاً عن قرارات وإجماع كل من مجلس التعاون الخليجي، والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وحتى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة"، وهي "تتنكر لمظالم الشعب الفلسطيني المستمرة وتضحياته المتواصلة وتفرط بحقوقه التاريخية في أرضه وحق تقرير مصيره، وتُكافئ دولة الاحتلال والعنصرية، بإقرار سيطرتها الكاملة على أرض فلسطين واعترافها بالقدس كعاصمة للدولة اليهودية وللعملية التى تمهد  للمساس بالمسجد الأقصى وتهويده".

وأوضح موقعو البيان أن سكوت الشعب الإماراتي لا يعني قبوله بهذه الاتفاقية وإقراره بها، "فكما هو معلوم للجميع بأنه لا يوجد في الإمارات أي هامش للحرية التعبير عن الرأي"، مؤكدين أن شعب الإمارات "سيبقى سنداً وداعماً للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الشقيق الذي انتُهكت حقوقه واغتُصبت أرضه من قبل دولة الإرهاب الصهيوني". وكانت الروائية الإماراتية ظبية خميس، صارحبة رواية "الحياة كما هي" (بيروت: دار الآداب، 2011)، قد نشرت تغريدة على صفحتها في فيسبوك جاء فيها: "لا للتطبيع مع إسرائيل في الإمارات والخليج العربي. إسرائيل عدو للأمة العربية بكاملها وكيان احتلال عنصري ولا يشرفنا وجود المحتل في بلادنا. لا ولا ولا للتطبيع مع الصهاينة" (3).

من جهتها، أعلنت زوجة حاكم إمارة الشارقة الشيخة جواهر القاسمي، في أواخر كانون الثاني/يناير 2012 ، رفضها قيام تعاون في مجال التعليم بين دولة الإمارات وإسرائيل، وذلك تعليقاً على اجتماع افتراضي عبر "الفيديو كونفرانس"، بين وزارتي التربية والتعليم الإسرائيلية والإماراتية، لبحث التعاون في مجالات عدة، وكتبت في تغريدة جريئة عبر "تويتر" رصدتها "وطن"،"مناهجهم.. توصي بقتل العربي واغتصاب العربي". أما بدور القاسمي، ابنة الحاكم، فقد أبقت تغريدة كانت قد نشرتها على "أنستغرام"، قبل يومين من توقيع اتفاقية التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي، ورد فيها: "أنا فلسطينية حتى تتحرر فلسطين، ولبنانية حتى تشفى بيروت" (4). 

مناهضة التطبيع في مملكة البحرين

ينشط في مملكة البحرين عدد من جمعيات مناهضة التطبيع مع إسرائيل، مثل "الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني" و"جمعية الشبيبة البحرينية". وترى إلهام فخرو، المحللة البحرينية المختصة في شؤون الخليج  بـ " مجموعة الأزمات الدولية"، في تصريح أدلت به لـ "الخليج أونلاين" نشر في 13 أيلول/سبتمبر 2020، أن اتفاق التطبيع بين البحرين ودولة الاحتلال الإسرائيلي "تسبب في حدوث صدمة داخل البلاد، خاصةً أن قيادتها شددت على أنها لا تزال ملتزمة بمبادرة السلام العربية ولن تسعى إلى إقامة علاقات مع إسرائيل خارج هذا الإطار". وأضافت فخرو: "يدعم البحرينيون بشكل كبيرٍ القضية الفلسطينية، حيث أعرب عديد من المنظمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وعدد من البرلمانيين عن رفضهم اتفاق التطبيع الإماراتي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي حين تم الإعلان عنه"، وأوضحت أن البحرينيين عبَّروا عن رفضهم اتفاق التطبيع مع إسرائيل، من خلال بعض الاحتجاجات التي اندلعت على نطاق صغير في البلاد، إضافة إلى التعبير عن ذلك من خلال الهاشتاغ الذي تم إطلاقه وهو "البحرينيون ضد التطبيع" والذي قفز للمرتبة الأولى على "تويتر"، وبينت أن "المحتجين كان من المحتمل أن يكون عددهم أكبر في الشوارع، لولا جائحة فيروس كورونا والقيود على التجمعات المطبقة منذ عام 2011 (5).

مناهضة التطبيع في سلطنة عُمان

أصدر عدد من المثقفين والإعلاميين العُمانيين بياناً، في أواسط آب/أغسطس 2020،  افتتحوه بالقول " نشهد بأننا لا نعرف إلا فلسطين واحدة، عاصمتها القدس الشريف، شعبها سواء ذاك الذي ما زال متشبثًا بالبقاء على أرضه التاريخية، أو ذاك الذي أجبرته الهزائم والخذلانات على الشتات والمنافي، هو السيد الوحيد، وهو صاحب الحق الأوحد في تقرير مصيره بالدفاع عن وجوده ومقاومة كل أشكال النهب والتقسيم والمتاجرة بقضيته العادلة، هو الجدير باختيار من يمثله ويمثل آماله وتطلعاته في الداخل والخارج". وأضاف الموقعون: "إننا كشعوب وأفراد يحتّم علينا واجبنا تجاه ضمائرنا، وتجاه إخوتنا وأحبتنا في فلسطين، دعمهم والوقوف بجانبهم حتى ينالوا حقوقهم كاملة غير مجزأة"، وستبقى فلسطين "قضيتنا الوجودية والأخلاقية الكبرى، تسبقنا إليها وتذكرنا بها دومًا دماء الشهداء وتضحيات المقاومة". وأوضح البيان أن "أبناء عُمان من كتاب وأدباء ومثقفين وصحافيين ومهنيين، من أجيال مختلفة وأطياف متنوّعة يرفضون رفضًا قاطعًا فصلهم عن قضيتهم المركزية، القضية الفلسطينية، كما يدعون جميع الأنظمة إلى العودة إلى رشدها واحترام إرادة ووجدان شعوبها الذي تمثل فلسطين فيه الركن الأساس"، ويلفتون عناية هذه الأنظمة "إلى التركيز على تنمية بلدانها ومصالحة مواطنيها بالعدل والمساواة وتعزيز الحريات ومحاربة الفساد وإيقاف الهدر في الموارد البشرية والطبيعية؛ فلا خير يُرتجى من الصهيونية ولا من كيانها الغاصب". وختم الموقعون بيانهم بالقول "عاشت فلسطين، وعاش شعبها حرًا أبياً" (6).

وهكذا، وعلى الرغم من بروز بعض الأصوات الشاذة، التي رحبت باتفاقيتَي التطبيع بين دولة الإمارات ومملكة البحرين، من جهة، وإسرائيل، من جهة ثانية، يبدو أن معظم المثقفين والإعلاميين في دول الخليج العربي يرفضون خطوات التطبيع مع إسرائيل، ويعبرون عن عدائهم لسياساتها الاحتلالية والعدوانية، ويحذرون من مخاطر المشروع الصهيوني على دولهم، مؤكدين تضامنهم مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه الوطنية.

هوامش:

1- https://bdsmovement.net/ar/news/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9

2- https://www.alaraby.co.uk/%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%

3- https://www.alaraby.co.uk/%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%88%D9%8

4- https://www.bbc.com/arabic/trending-55860925https://www.watanserb.com/2021/01/28/%D8%B2%D9%88%D8%AC%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85%D9%8A-%D8%AA%D8%B1%D9%81%D8%B6/

5- https://alkhaleejonline.net/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D9%85%D8%AD%D9%8

6- https://bdsmovement.net/ar/tags/%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B6%D8%A%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9