2021-02-12

ذكريات فتى ريفيّ على ضفاف صوت أُمّ كلثوم

| سعود قبيلات

مرَّتْ يوم الأربعاء قبل الماضي ذكرى وفاة الفنَّانة المصريّة العظيمة أُمّ كلثوم.. «كوكب الشَّرق» وفنَّانة العرب الأسطوريّة؛ إذ أنَّها رحلت عن هذه الحياة يوم الاثنين 3 شباط/فبراير 1975. وقد وُلِدَتْ في قرية «طماي الزَّهايرة» في مركز السّنبلاوين في محافظة الدَّقهليَّة.

أمَّا تاريخ ميلاد أُمّ كلثوم (اسمها الأصليّ فاطمة إبراهيم)، فقد تضاربت في شأنه الأقوال؛ فمِنْ قائلٍ إنَّها وُلِدَتْ في تاريخ 31 كانون الأوَّل/ديسمبر 1898، إلى قائلٍ إنَّها وُلِدَتْ في تاريخ 4 أيَّار/مايو 1908. بيد أنَّ السِّجلّات الرَّسميّة تؤيِّد هذا التَّاريخ الأخير.

وقد تُوفِّيَتْ أُمّ كلثوم في لحظة لها دلالاتها الرَّمزيَّة التَّاريخيّة؛ كان العالم العربيّ (بل والعالم كلّه) ينتقلُ آنذاك مِنْ مرحلةٍ تاريخيّة إلى أخرى مغايرة لها تماماً.. فالرَّئيس المصريّ الرَّاحل، أنور السَّادات، كان قد شرع عندها علناً في هدم إنجازات عهد الرَّئيس المصريّ الأسبق جمال عبد النَّاصر، ليبدأ ما أسماه «سياسة الانفتاح» الَّتي قادتْ إلى وأد نهضة مصر والعالم العربيّ وانتهت بالارتماء التَّامّ في أحضان الولايات المتَّحدة و«إسرائيل».. خصوصاً بعد توقيع اتِّفاقيَّات «كامب ديفيد».

لذلك، أسمح لنفسي بالقول إنَّ أُمّ كلثوم ربَّما كانت قد رحلتْ في اللحظة المناسبة، وإنَّها لو كانت قد عاشت بعدها، لكان جسدها وحده هو الَّذي استمرّ بالحياة، أمَّا مشروعها الفنِّيّ، فإنَّ زمنه كان في طريقه إلى الأفول.

رموز وجدانيّة

كانت أمّ كلثوم أحد ثلاثة رموز فنيَّة وفكريَّة وسياسيَّة وكفاحيَّة وأدبيَّة صاغتْ وجدان كاتب هذه السّطور في مرحلة مبكِّرة مِنْ حياته وأثَّرتْ في تفكيره وخياراته السِّياسيَّة والأدبيَّة.

وكان مِنْ هذه الرّموز أيضاً، الثَّائر الأرجنتينيّ الأمميّ آرنستو تشي غيفارا وقصّة كفاحه؛ حيث قرأتُ آنذاك يوميَّاته الَّتي كتبها عن كفاحه في جبال السّيرا مايسترا في كوبا أثناء مشاركته في الثَّورة الَّتي قادها فيدل كاسترو ضدّ الدِّيكتاتور الكوبيّ باتيستا الَّذي كان مدعوماً من الولايات المتَّحدة.

أمَّا الرَّمز الثَّالث الَّذي أثَّر عليَّ بقوَّة فكان الأديب الأميركيّ الشَّهير أرنست هيمنجواي؛ حيث قرأتُ له، في تلك الفترة نفسها، روايته الشَّهيرة «لمن تُقرع الأجراس» الَّتي تتحدَّث عن الحرب الأهليَّة الإسبانيَّة مِنْ وحي مشاركته فيها. وأذكر أنَّني ما إنْ فرغتُ مِنْ قراءة تلك الرِّواية حتَّى وجدتني – مِنْ فرط تأثّري بها – أُحاول الكتابة على منوال بعض المشاهد المتألِّقة فيها. وكانت تلك – كما أذكر – هي المحاولة الأولى لي في الكتابة.

كنتُ، آنذاك، لا أزال فتىً صغيراً في الصَّفّ الأوَّل الإعداديّ، وقد أثَّرتْ قراءتي ليوميَّات غيفارا ورواية هيمنجواي بصورة عميقة في نفسي ووجداني؛ فأصبح غيفارا هو مثالي الثَّوريّ، وأصبح هيمنجواي هو مثالي الأدبيّ، ولم يعد بإمكاني بعد قراءتي له أنْ أقرأ أيَّ نوع من الكتابة الميلودراميَّة، أو الرّومانسيَّة المبتذلة، أو المثقلة بالزَّخارف اللغويَّة والكلمات المفخَّمة، أو الَّتي تعتمد أسلوب المباشرة الفجَّة، أو الَّتي يكون الرَّاوي فيها كليّ القدرة والاطِّلاع، أو الَّتي يظهر فيها صوت المؤلِّف ويطغى مِنْ دون أنْ تقتضي ذلك ضروراتٌ فنيَّة.

لذلك وجدتني أوفِّر مصروفي المدرسيّ لأذهب إلى مدينة مادبا في نهاية كلّ أسبوع فأشتري مِنْ «مكتبة فراس» (الَّتي كان يملكها التَّربويّ والمؤرِّخ الدَّكتور سامي النَّحَّاس) كلّ ما أعثر عليه فيها مِنْ كتب هيمنجواي، وسواه، المترجمة إلى العربيَّة. وأذكر أنَّني قرأتُ آنذاك بتأثّر عميق: «وداعاً أيُّها السلاح»، و«موت في الظَّهيرة»، و«ستشرق الشَّمس أيضاً».. الخ، لـ «هيمنجواي»؛ وقرأتُ «المراهق» لـ«دستويفسكي»، و«تراس بولبا» لـ«غوغول».. الخ.

وفي تلك الفترة نفسها، تعرَّفتُ على صوت أمّ كلثوم؛ في البداية، لفت نظري الاهتمام الغريب الَّذي كان النَّاس يولونه لحفلاتها الشَّهريَّة ولمتابعة أغنياتها الَّتي كانت تذاع عصر كلّ يوم وفي الليل أيضاً. لكن، عندما حاولتُ أنْ أسمعها، بدتْ لي أغنياتها مملَّة جدّاً في البداية ولا تغري بالمتابعة. ورغم ذلك، استمررتُ في المحاولة رغبةً منِّي في معرفة السِّرّ الَّذي يجعل كثيراً من النَّاس معجبين بغنائها. وشيئاً فشيئاً، بدأتْ إيقاعات وجداني تتناغم مع إيقاعات ذلك الغناء الجميل المشغول بمهنيَّة عالية مِنْ ملحِّنين وموسيقيّين كبار ومغنية مبدعة وذكيَّة وذات خامة صوتيَّة مميَّزة. بعد ذلك، ولسنوات طويلة، أصبحتْ مواعيد سماع أمّ كلثوم بالنِّسبة لي مواعيداً مقدَّسةً.

عُصبة «مشاغبين» يحبّون أُمّ كلثوم

في تلك الفترة نفسها، كما أذكر، بدأ نوع من الصَّداقة الوطيدة والرَّابطة الفكريَّة الرَّاديكاليَّة يتشكَّل بيني وبين مجموعة مِنْ شباب القرية، وأصبحنا نلتقي يوميّاً تقريباً، لنستمع إلى صوت أمّ كلثوم ولنتبادل الأفكار حول الأدب والإنسان والوجود والعدم والحياة الاجتماعيَّة.. الخ.

كان كبيرنا وأكثرنا جرأة في ذلك الوقت شابا متخرِّجا حديثاً مِنْ مدرسة الرَّبَّة الثَّانويَّة الزِّراعيَّة ويبحث عن عمل؛ هو ضيف الله فهد (الشيخ ضيف الله في ما بعد؛ حيث أنَّه أصبح فجأة، بعد سنوات، محسوباً على الاتِّجاه الدِّينيّ)؛ وصالح فليِّح الَّذي كان في ذلك الوقت طالباً في مدرسة مادبا الثَّانويَّة، يتيم الأب. وكنَّا نلتقي في بيته المكوَّن مِنْ غرفة واحدة ونمكث ساعاتٍ طويلةً ونحن نتجادل ونتحاور ونستمع إلى صوت أمّ كلثوم.

وكان صالح، كما ضيف الله، يكتب الشِّعر؛ حيث كان الأوَّل يكتب الشِّعر العموديّ بينما كان الثَّاني يكتب الشِّعر الحديث. وبالإضافة إلى هذا، فقد تميَّز ضيف الله بقدرته على اختلاق القصص الخياليَّة المبهرة وسردها علينا بأسلوب آسر. وما لبثتْ تلك الخاصيَّة أنْ أصبحتْ عدوى انتقلتْ إليَّ وإلى صالح؛ حيث أصبح كلٌّ منَّا يبتكر قصصه الشَّفهيَّة الخاصَّة ويسردها على الآخرين، خصوصاً ونحن نتمشَّى عصر كلّ يومٍ في أطراف القرية.

ومِنْ أعضاء تلك المجموعة أيضاً عبد الله عبد المعطي الَّذي كان أيضاً طالباً في مدرسة مادبا الثَّانوية، وكان فكِهاً جدّاً ومرحاً عندما يقتصر الحضور على أعضاء المجموعة، أمَّا بوجود آخرين فكان ينقلب إلى شخصٍ شديد العبوس ومفرط الرَّصانة.

وأذكر أيضاً أنَّنا في جولاتنا المعتادة، عصر كلّ يوم، كُنَّا، بعدما نفرغ من الحديث والجدال وسرد الحكايات المختلقة، نحوِّل أصواتنا إلى آلاتٍ موسيقيَّةٍ فنعزف بها معاً بعض المقطوعات الموسيقيَّة التّلقائيَّة، بادئين بمستوىً صوتيٍّ منخفضٍ، ثمَّ نتدرَّج شيئاً فشيئاً إلى أنْ نبلغ أعلى مستوىً صوتيّ نستطيع الوصول إليه، ثمَّ نعود بالتَّدريج إلى خفض أصواتنا إلى أنْ نصل إلى أدنى مستوى صوتيّ نستطيع الوصول إليه، ثمَّ نعود إلى التَّدرج في رفع الأصوات.. وهكذا إلى أنْ يصيبنا الإعياء.

وفي تلك اللقاءات المنتظمة، كانت الحوارات الَّتي تدور بيننا جريئة واستثنائيّة، كُنَّا نحاول بها أنْ ندخل مناطق فكريَّة جديدة، وأنْ نتخلَّص مِنْ قيود المسلَّمات الَّتي لا معنى لها ومِنْ بلادة البداهة، وأنْ نفتح مغاليق الذِّهن، ونطلق سراح الخيال. بيد أنَّ بعض تلك الحوارات كان يتسرَّب بصورة مشوَّهة إلى الآخرين في القرية؛ الأمر الذي أثار ردود فعلٍ حادَّة مِنْ بعض المحسوبين على التَّيَّار الدِّينيّ، وكانوا قلَّة آنذاك.

وتصاعد العداء لنا مع استمرارنا في حواراتنا إلى حدّ أنْ خطيب الجامع خصَّص إحدى خُطب الجمعة لمهاجمة مجموعتنا وأفكارها الَّتي اعتبرها خطرة وتجب محاربتها ومحاربتنا إلى أنْ نتخلَّى عنها و«نثوب إلى رشدنا».

وانبرى بعضهم لدعوتنا إلى جلسات حوارٍ مطوَّلةٍ كان هدفها إقناعنا بعدم صواب طريقتنا في التَّفكير المتحرِّرة من جميع الضَّوابط المعتادة، وحثِّنا على العودة عنها إلى ما كانوا يرون أنَّه هو الطَّريق السَّليم.

أمَّا بالنِّسبة لي، فقد اعتقد جدّي ـ وكانت تربطني به علاقة محبَّة عميقة وصداقة متينة ـ أنَّ سماعي المتواصل لـ«أمّ كلثوم» هو السَّبب في اتِّجاهاتي الفكريَّة المزعجة تلك، كما أنَّ ذلك كان ـ في تصوّره ـ يلهيني عن الاهتمام بواجباتي المدرسيَّة ويفسد طباعي الشَّخصيَّة. ولذلك، فقد أصبح إصراري على الاستمرار في سماع غناء أمّ كلثوم مثار جدلٍ ومشادّاتٍ متواصلة بيني وبين جدِّي لمدَّةٍ طويلة بعد ذلك.

طقوس حفلات أُمّ كلثوم الغنائيّة

لا أزال أذكر حتَّى الآن بعض التَّفاصيل المتعلِّقة بحفلات أمّ كلثوم الشَّهريَّة الشَّهيرة الَّتي كانت تبثّها الإذاعات المصريَّة على الهواء مباشرة بعد السَّاعة العاشرة مِنْ ليل أوَّل خميس مِنْ كلّ شهر. وكانت الحفلة تستمرّ حتَّى السَّاعات الأولى من الفجر. وكان العالم العربيّ يتابعها من المحيط إلى الخليج.

وقبل تعرّفي على مجموعة الأصدقاء الَّتي سبق أن أشرتُ إليها، كنتُ أضع جهاز الرَّاديو بجانب فراشي مباشرة، وأنتظر بلهفة شديدة بدء حفلة أمّ كلثوم، حيث تنتقل الإذاعات المصريَّة قبل ذلك بوقتٍ غير قليل إلى البثّ مباشرة مِنْ مسرح قصر النِّيل. ويظلّ المذيع طوال الوقت يتحدَّث عن أمّ كلثوم وعن الأغنية الجديدة الَّتي من المتوقَّع أن تغنِّيها، وعن الأغنيات الأخرى القديمة الَّتي من الممكن أنْ تعيد غناءها أيضاً، محاولاً أنْ يعبِّئ بكلامه المتواصل وقت المستمعين المنتظرين والمتلهِّفين في مختلف بقاع العالم العربيّ لسماع صوت أمّ كلثوم، إلى أنْ تنفرج السِّتارة عن كوكب الشرق في النِّهاية وتظهر على المسرح؛ عند ذاك، كان الانفعال يطغى على صوت المذيع وتتسارع كلماته ويعلو صوته ويحتدّ (والآن، تنفرج السِّتارة، وها هي أم كلثوم.. كوكب الشَّرق، تظهر على المسرح.. الخ). وعندئذٍ، تضجّ سمَّاعات المذياع بالتَّصفيق الحادّ مِن الجمهور المحظوظ الحاضر في قاعة مسرح قصر النِّيل، ويبدأ الموسيقيّون بدوزنة آلاتهم، وهو أمر مثير للأعصاب ويزيدها تحفّزاً.

وبعد وقتٍ كأنَّه الدهر، تشرع الفرقة الموسيقيَّة (الفرقة الماسيَّة بقيادة الموسيقار أحمد فؤاد حسن) بالعزف. وكانت المقدِّمات الموسيقيَّة لأغاني أمّ كلثوم دائماً حدثاً فنيّاً مميَّزاً؛ حيث كان كبار الملحنين الَّذين يضعون الألحان لتلك الأغاني يتبارون في ابتكار مقدِّماتها الموسيقيَّة لتخرج بأجملِ شكلٍ ممكن وتنطوي على أفكارٍ موسيقيَّةٍ جديدةٍ وعميقة وتكشف عن جهدٍ إبداعيٍّ واضح.

وعندما كانت أمّ كلثوم تتقدَّم إلى الميكروفون في اللحظة الموسيقيَّة المناسبة، وهي ممسكة بمنديلها الشَّهير، لتبدأ شدوها الجميل، كان التَّصفيق يعلو مِنْ جديد عبر سمَّاعات الرَّاديو. وسرعان ما تبدأ الحفلة وتبدأ المتعة وتُرهف الأسماع والأحاسيس وتتدفَّق الخواطر والصُّور الجميلة على مخيِّلة الإنسان ويتقدَّم الوجدان ليكون هو السِّمة الأساسيّة للإنسان في تلك الأوقات الاستثنائيَّة الجميلة.

وفي ما بعد، عندما تعرَّفتُ على المجموعة الَّتي أشرتُ إليها، تنازلتُ عن طقوسي الخاصَّة، تلك، في سماع أمّ كلثوم، لصالح طقوسٍ مشتركة مع المجموعة ككلّ؛ إذ كنَّا نلتقي في بيت صديقنا صالح ونجلس معاً فنستمع معاً إلى ذلك الغناء الفاتن ونحن مسحورين ذاهلين.

ملحِّنو أُمّ كلثوم الكبار

مع استمرار السَّماع والمتابعة، أصبحتُ أعرف كمّاً كبيراً من المعلومات عن أمّ كلثوم وأسلوب غنائها وأغنياتها وملحِّنيها وكاتبي كلماتها. ومِنْ دون جهدٍ يُذكَر، وجدتني أحفظ معظم تلك الأغاني الطَّويلة، وأمتلك القدرة على معرفة اسم كلٍّ منها ومَنْ هو ملحِّنها وكاتب كلماتها ما إنْ أسمع مطلع مقدِّمتها الموسيقيَّة.

ومع الزَّمن، أصبحتُ أميِّز أساليب الملحِّنين بعضها عن بعض. وقد وجدتُ في النِّهاية أنَّ أقربهم إلى نفسي، وأكثرهم قدرةً على فهم صوت أمّ كلثوم وتوظيفه فنيّاً بصورة جيدِّة، والأكثر تطابقاً في مشروعه الفنِّيّ مع مشروعها، هو رياض السّنباطيّ.

وسرعان ما أصبح رياض السّنباطيّ، بالنِّسبة لي، أسطورةً حيَّة، ورحتُ أهتمّ بمتابعة أخباره، وأحاول أنْ أجمع كلّ ما يتوفّر من المعلومات عنه؛ إلا أنَّني ما لبثت أن واجهتُ مشكلة مستعصية في هذا المجال؛ ذلك لأنَّ رياض السنباطيّ كان منعزلاً تماماً عن الوسط الفنِّيّ والإعلاميّ، ونادراً ما كان يدلي بأيَّة أحاديث صحفيَّة أو تلفزيونيَّة أو إذاعيَّة.

كان الجانب الوحيد المكشوف فيه للناس هو فنّه، وما عدا ذلك فلا شيء يتسرَّب عن حياته الخاصَّة أو عن شخصيَّته. ومع ذلك فإنَّ أهمّ أغاني أمّ كلثوم، الَّتي كان النَّاس يحبُّونها ويعرفونها بها، هي مِنْ ألحان رياض السّنباطيّ. ويكفي أنْ أشير هنا إلى بعض أسماء تلك الأغاني: «الأطلال»، و«رباعيَّات الخيَّام»، و«غُلبت أصالح»، و«أروح لمين»، و«الحبّ كدا»، و«يا ظالمني»، و«سهران لوحدي»، و«جدّدت حبَّك ليه»، و«قصَّة الأمس»، و«نهج البُردة»، و«سلوا كؤوس الطِّلا»، و«وُلِد الهدى» و«أراك عصيَّ الدَّمع»، و«أذكريني»، و«أغار مِنْ نسمة الجنوب»، و«شمس الأصيل»، و«عودّت عيني على رؤياك»، و«ذكريات»، و«هجرتك»، و«لسَّه فاكر»، و«فاكر لمَّا كنت جنبي»، و«يللي كان يشجيك أنيني»، و«هلّت ليالي القمر»، و«حسيبك للزَّمن»، و«دليلي احتار»، و«أقول لك أيه»، و«سلوا قلبي»، و«أقبل الليل».. الخ.

كان أوَّل ألحان رياض السّنباطيّ لـ«أمّ كلثوم»، كما هو معروف، هو أغنيتها الشَّهيرة «على بلد المحبوب». ومن الواضح أنَّ هذه الأغنية بطابعها الفلكلوريّ تختلف كثيراً عن النَّمط الأكثر تركيباً وتطوّراً الَّذي اتَّبعه رياض السّنباطيّ وعُرِفَ به في تلحينه لاحقا.

ومِنْ ألحانه الأولى المشهورة لغير أمّ كلثوم أغنية «ليه يا بنفسج» لـ«صالح عبد الحيّ». وقد تميَّز رياض السّنباطيّ بشكلٍ خاصّ بالقدرة على تلحين القصائد المكتوبة بالعربيَّة الفصيحة؛ حيث كانت الكلمات الجزلة والقديمة وحتَّى المنسيَّة أيضاً تتحوَّل في ألحانه إلى أنغامٍ رقيقهٍ جدّاً وجميلة إلى حدٍّ فاتن وسلسة على نحوٍ يثير الدَّهشة.

استطاع رياض السّنباطيّ أنْ يجمع بصورة تثير الإعجاب ما بين نزعته التَّجديديَّة القويَّة وبين تمسّكه الصَّارم بأصول الموسيقى العربيَّة وهويَّتها الفنيَّة الخاصَّة؛ كما جمع أيضاً بالمهارة نفسها ما بين النَّزعة الرّومانسيَّة بتدفّقها العاطفيّ السَّلس وبين التَّركيب اللحنيّ شديد التَّعقيد. وبالإضافة إلى هذا، فقد نوَّع في المقامات واستطاع في الوقت نفسه أنْ يستثمر الطَّاقة التَّطريبيَّة للموسيقى العربيَّة إلى المدى الَّذي لم يصل إليه موسيقيّ عربيّ آخر قبله، ولكنَّه في الوقت نفسه استثمر الطَّاقة اللحنيَّة الغنيّة للمقامات الخالية من التَّطريب إلى أقصى مدىً أيضاً.

بيد أنَّ الإعلام (وكان وقتها الإعلام اللبناني هو المهيمن) ظلم رياض السّنباطيّ كثيراً، ولم يلقِ أضواءً كافيةً على دوره في مسيرة أمّ كلثوم ومستوى انجازاته الإبداعيَّة وخصائص فنِّه.

ومن الواضح أنَّ المشروع الفنِّيّ لـ«رياض السّنباطيّ» قد تركَّز مع الزَّمن بشكلٍ كاملٍ على صوت أمّ كلثوم؛ ولذلك، فعندما توفِّيت في العام 1974 توقَّف السّنباطيّ تقريباً عن التَّلحين، ولم تظهر له أيَّة أعمال جديدة ذات شأن بصوت أيٍّ من المغنِّين والمغنِّيات الَّذين كانوا موجودين آنذاك. وهكذا، يمكن القول إنَّه مات فنيّاً مع الموت الجسديّ لـ«أمّ كلثوم» رغم أنَّه رحل فعليّاً بعدها بسبع سنوات (1981).

الملحّن الآخر المهمّ مِنْ ملحِّني أمّ كلثوم، الَّذي كنتُ أحبّ ألحانه أيضاً، هو محمَّد القصبجيّ، صاحب المشروع التَّجديديّ الأكبر في ذلك الزَّمن بعد سيِّد درويش، وهو أستاذ كلّ مِنْ رياض السّنباطيّ ومحمَّد عبد الوهَّاب وفريد الأطرش. وقد تأثَّر بمدرسته التَّجديديَّة آخرون من الجيل اللاحق، مِنْ أبرزهم محمَّد الموجي.

ومحمَّد القصبجيّ هو الَّذي نقل أمّ كلثوم من الغناء بمصاحبة «التَّخت الشرقيّ» البسيط إلى الغناء بمصاحبة فرقة موسيقيَّة حديثة ومتطوِّرة، كما نقلها من الإنشاد الدِّينيّ التَّقليديّ إلى الأغاني العاطفيَّة.. بل إنَّه أعاد تثقيفها فنيّاً وعرَّفها بقواعد الموسيقى وأصولها وبالمقامات وبأصول الغناء الحديث.. الخ.

وقد عُرِف محمَّد القصبجيّ بشغفه بالتَّجديد إلى حدّ المغامرة، وكان منفتحاً جدّاً على التَّجارب (والأنواع) الموسيقيَّة الأجنبيّة على اختلاف مدارسها واتِّجاهاتها. ومِنْ ذلك أنَّه جعل أمّ كلثوم تجرِّب أداء الغناء الأوبراليّ البعيد تماماً عن نمط غنائها ذي النَّزعة الشَّرقيَّة الكلاسيكيَّة. وقد فشلتْ هذه المغامرة فشلاً ذريعاً كما هو معروف.

وألحان القصبجيّ لـ «أمّ كلثوم» كثيرة ويأتي ترتيبها العدديّ في المرتبة الثَّانية بعد ألحان رياض السّنباطيّ، ومِنْ أبرزها وأهمِّها أغنية «رقّ الحبيب» الَّتي تتميَّز بأنَّها مشغولة جيِّداً وتنطوي على أفكار موسيقيَّة ولحنيَّة متطوِّرة وباهرة.

وأذكر أنَّني قرأتُ في فترة مبكِّرة مِنْ حياتي تصريحاً لـ«أمّ كلثوم» قالت فيه إنَّها عندما تكون لوحدها وترغب بترديد شيءٍ مِنْ غنائها لنفسها فإنَّها تردِّد على الأغلب المقطع التَّالي مِنْ أغنية «رقّ الحبيب»:

«مِنْ كترِ شوقي سبقتِ عمري   وشفت بُكرَهْ والوقتِ بدري»

ولم يقتصر نجاح القصبجيّ الباهر على ألحانه لـ«أمّ كلثوم» وحدها؛ بل إنَّه نجح نجاحاً باهراً أيضاً في ألحانه لفنَّانين آخرين؛ حيث تشهد على ذلك ألحانه الكثيرة الجميلة لـ«ليلى مراد» وأسمهان، على سبيل المثال.

وسرّ جمال ألحان القصبجيّ هو أنَّها تجمع ما بين الطَّابع التَّجديديّ وبين العمق وبين الرّومانسيَّة بطاقتها الشّعوريَّة الإيجابيَّة البعيدة عن الميلودراميَّة وعن الصَّخب الوجدانيّ الفارغ. كما أنَّها، بالإضافة إلى ذلك، ألحان سلسة ومتدفِّقة، رغم أنَّها مشغولة جيّداً. وقد أُشتُهر القصبجيّ أيضاً بجهده المثابر والدَّؤوب والمبدع لتكريس البعد التَّعبيريّ في الغناء والموسيقى العربيّين.

الملحِّن الثَّالث المهمّ مِنْ ملحِّني أغاني أمّ كلثوم، الَّذي أحببتُ ألحانه أيضاً، هو الشَّيخ زكريَّا أحمد؛ وكان شديد التَّمسّك بأصول الموسيقى العربيَّة وهويَّتها الخاصَّة. ولكنَّه برأيي لم يكن محافظاً كما حاول البعض أنْ يصنِّفه؛ إذ قدَّم في إطار اتِّجاهه هذا فنّاً عميقاً ومتطوِّراً ومختلفاً؛ بحيث أصبحتْ له مدرسته الفنيَّة المميَّزة. وكانت ألحان زكريَّا أحمد تتميَّز بالرّومنسيَّة المرهفة، وبشحنتها العاطفيَّة العالية؛ لكنَّها بالمقابل كانت مشغولة جيِّداً أيضاً، كما أنَّ شحنتها العاطفيَّة (ورومنسيتها) ليست مجانيَّة ولا مبتذلة، بل مبرَّرة فنيّاً بشكلٍ جيّد وبصورة احترافيَّة، كما أنَّها معزَّزة بأفكار موسيقيَّة ولحنيَّة عميقة ومبتكرة.

لهذا، فألحان زكريَّا أحمد لا تقبل من المستمع ما هو أقلّ من الاندماج الوجدانيّ الكامل بها وتَمثُّلِ شحنتها العاطفيَّة الهائلة الَّتي تلامس حدود اللاوعي بما يشبه مفعول الأحلام. لذلك، فليس مصادفة أنَّ إحدى أبرز الأغاني الَّتي لحَّنها لـ«أمّ كلثوم» وأجملها هي أغنية «حلم» الَّتي تروي أيضاً قصَّة حلم.

وتتميَّز ألحان زكريَّا أحمد، بالإضافة إلى هذا كلّه، بالخفَّة والرَّشاقة والقدرة بشكلٍ مميَّز على التَّعبير عن المشاعر المتناقضة بصيغة لحنيَّة واحدة.

ولقد شكَّل الشَّيخ زكريَّا أحمد، مع الشَّاعر الشَّعبيّ المكافح محمود بيرم التُّونسيّ، ثنائيّاً ملتزماً بالحياة الشَّعبيَّة المصريَّة الغنيَّة، ومندمجاً فيها، ومشاركاً بفعاليَّاتها المختلفة للكفاح ضدّ الاستعمار والاستغلال والاستبداد.

وبسبب عمق جذور هذه المدرسة في حياة الشَّعب المصريّ وتراثه الفنِّيّ، فقد تواصلتْ تأثيراتها وامتداداتها لزمنٍ طويلٍ بعد رحيل بيرم التُّونسيّ وزكريّا أحمد؛ حيث رأينا الشَّيخ سيِّد مكَّاوي، تلميذ الشَّيخ زكريَّا أحمد الأشهر، يواصل السَّير على خطاه بالتَّعاون مع الشَّاعر فؤاد حدَّاد، تلميذ بيرم التُّونسيّ النَّجيب وصاحب أغنية «الأرض بتتكلِّم عربيّ» الشَّهيرة وأغنية «أنا العطشان ما ليش ميَّة إلا فلسطين»؛ كما رأينا الشَّيخ إمام، أيضاً، وهو تلميذ آخر بارز لـ «الشَّيخ زكريَّا أحمد»، يواصل النَّهج نفسه بالتَّعاون مع الشَّاعر أحمد فؤاد نجم، تلميذ بيرم التونسيّ، هو الآخر، وتلميذ فؤاد حدَّاد أيضاً.

ومساهمة زكريَّا أحمد في المشروع الفنيّ الضَّخم الَّذي تمحور حول أمّ كلثوم هي مساهمة مهمَّة وبارزة ومتعدِّدة النَّماذج. ومِنْ ألحانه المعروفة لـ «أمّ كلثوم»: «الأمل»، و«الآهات»، و«الأوِّلة في الغرام»، و«أهل الهوى»، و«حبيبي يسعد أوقاته»، و«الورد جميل»، و«غنِّي لي شوِّي شوِّي»، و«حلم»، و«أنا في انتظارك»، و«هوَّ صحيح الهوى غلاَّب».. الخ.

بعد هؤلاء الملحِّنين الكبار الثَّلاثة جاء الملحِّنون الَّذين صُنِّفوا آنذاك تحت اسم «جيل الشَّباب»، وهم: كمال الطَّويل، ومحمَّد الموجيّ، وبليغ حمديّ. إنَّهم تقريباً أوَّل جيل فنِّيّ مِنْ خارج دائرة المشايخ، وقد دخلوا دائرة الفنّ بالاستناد إلى تحصيلٍ علميٍّ حديثٍ في المعهد العالي للفنون في القاهرة.

مِنْ ألحان كمال الطَّويل المعروفة، لـ«أمّ كثلوم»، «والله زمان يا سلاحي» الَّذي أصبح النَّشيد الوطنيَّ المصريّ في عهد الرَّئيس جمال عبد النَّاصر.

ومِنْ ألحان محمَّد الموجيّ المعروفة لـ«أُمّ كلثوم»: «للصَّبر حدود»، و«اسأل روحك».

ومِنْ ألحان بليغ حمديّ المعروفة لـ«أُمّ كلثوم»: «كلّ ليلة وكلّ يوم»، «وفات المعاد»، و«أنساك»، و«ألف ليلة وليلة»، و«سيرة الحبّ»، و«حبِّ أيه»، و«أنا وانت ظلمنا الحبّ»، و«بعيد عنَّك»، و«الحبّ كلّه»، و«حكم علينا الهوى».. الخ.

وبليغ حمديّ صاحب رؤية فنيَّة مميَّزة، وكان غزير الإنتاج ويتدفَّق حماساً لفنِّه ولتقديم أفكار لحنيَّة جديدة ومبتكرة. وقد عُرِف باهتمامه بالفلكلور وسعيه للاستفادة به وتطويره؛ حيث تعامل مع الفلكلور كخامة فنيّة مهمَّة وظَّفها بصورة جديدة ومتطوِّرة في صياغة مشروعه الفنِّيّ التَّحديثيّ. ومعروف عنه أنَّه أقنع أمّ كلثوم، وهي رمز الكلاسيكيَّة الفنِّيَّة العربيَّة آنذاك، بأنْ تُدخِل في أغانيها شيئاً مِنْ هذا الفلكلور المطوَّر.

كلاسيكيّة فنِّيّة رديفة لحركة النَّهضة العربيّة

هذا المشروع الفنِّيّ الكبير الَّذي تمحور حول أمّ كلثوم وقام بانجازه كلّ هؤلاء الموسيقيّين والملحِّنين والشُّعراء الكبار، أرى الآن أنَّه كان يمثِّل محاولة كبرى وجريئة لخلق كلاسيكيَّة فنِّيَّة عربيَّة خاصَّة ومتطوِّرة.

وقد جرتْ في هذا السِّياق تطويرات فنيَّة هائلة للموسيقى والغناء العربيّين. ومثَّلتْ تلك التَّجربة خطوةً واسعةً في تعزيز جهد سيِّد درويش العظيم الهادف إلى تحرير الموسيقى والغناء العربيّين مِنْ التَّأثيرات التّركيَّة والعودة بالفنّ إلى روح الشَّعب وتراثه وقيمه الفنِّيَّة، كما أنَّها ساهمتْ في إخراج الفنّ مِنْ أروقة القصور الفارهة إلى الحياة الواسعة والغنيَّة للشَّعب، وكرَّستْ الأساليب والتَّقنيات الفنيَّة الحديثة في الموسيقى والغناء العربيّين، وأدخلت الفرق الموسيقيَّة الكبيرة الحديثة والمتطوِّرة إلى الأغنية العربيَّة.

لقد كان ذلك الجهد الفنِّيّ العظيم المشترك لكلّ أولئك الفنَّانين الكبار، رديفاً أساسيّاً لحركة النَّهضة العربيَّة الشَّاملة الَّتي ازدهرتْ وتنوَّعتْ أشكالها وتعدَّدتْ تجاربها خلال النّصف الأوَّل من القرن العشرين، بل لقد كان جزءاً منها. ولذلك، عندما أصيبت حركة النَّهضة العربيّة بانتكاسة خطيرة خلال الثّلث الأخير من القرن الماضي وتراجع مدّها، تراجعتْ معها جذوة الحركة الفنِّيَّة الهائلة، الَّتي كانت قد واكبتها، وانطفأتْ قبل أنْ تحقِّق كامل أهدافها.

* الصورة: أم كلثوم في دار سينما قصر النيل عام1970.