2021-02-18

حسابات الشرق... واشنطن لم تعد في «موقع قوة»

كتب: سعد خطار

درجت العادة على اعتبار أن سياسات إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قد وضعت العلاقات بين واشنطن وبكين في السنوات الأخيرة على شفا حرب باردة جديدة، وهي العلاقات التي تعاني حالياً من أكثر الأوضاع توتراً منذ عقود، ذلك إذا أخذنا بالاعتبار الحرب التجارية، والعقوبات المتوسعة باستمرار، والمواجهة العسكرية المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي.

خلال الأعوام الماضية، أصبحت عقوبات واشنطن ضد شركات التكنولوجيا الصينية شبه يومية، وهي تستكمل اليوم بعقوبات غربية عدة ضد المسؤولين والوكالات الصينية، وطرد الصحفيين، والتصعيد الدبلوماسي ضد بكين بذريعة السياسات المزعومة لبكين في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم وهونغ كونغ وبحر الصين الجنوبي، وصولاً إلى إغلاق القنصلية الصينية في هيوستن. وبطبيعة الحال، أدى ذلك إلى ردود فعل جوابية من جانب الصين، حيث مُنع الصحفيون الأمريكيون من العمل في الصين، وتم إغلاق المكتب التمثيلي للولايات المتحدة في تشنغدو، وفرض عقوبات على المسؤولين والشركات الأمريكية.

«لن تقل حدة المشاكل»

في جوهر التصعيدات الأخيرة تكمن الحقيقة بأن الصين قد أخذت مكاناً مماثلاً للمكان الذي يشغله الجانب الروسي في سياسة البيت الأبيض باعتبارهما خصمين إستراتيجيين وإيديولوجيين رئيسيين. وبالنظر إلى أن النفوذ السياسي والاقتصادي الدولي للصين قد نما بشكل كبير في السنوات الأخيرة، مما سمح لها بالوقوف في وجه واشنطن على قدم المساواة في مختلف المجالات، فقد اشتدت المواجهة بين القوتين في عهد ترامب على نحو غير مسبوق. وهذا ما دفع الآمال لدى بعض الأوساط السياسية أنه مع تغيير الإدارة في البيت الأبيض قد تحدث بعض التغييرات الإيجابية التي من شأنها تحسين المناخ السياسي بين واشنطن وبكين.

وكانت التوقعات الإيجابية مرتبطة إلى حد ما ببعض الجوانب الشكلية السطحية، مثل: أن جو بايدن هو الذي بذل جهداً شخصياً لضم الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وأنه هو الذي دعا بكين، بالنيابة عن واشنطن، إلى طاولة المفاوضات التي اجتمعت فيها القوى العالمية آنذاك. وحتى عندما كان بايدن نائباً للرئيس، التقى بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، ثماني مرات. ووفقاً لبايدن، فإن الرئيس الصيني في ذلك الوقت أعطاه انطباعاً بوجود رئيس حازم وصارم يشكك في القوة الأميركية، ويؤمن بتفوق الحزب الشيوعي الصيني، ونتيجة لذلك، خلال اجتماع في البيت الأبيض بعد رحلته إلى الصين، أكد بايدن لمستشاري الرئيس أوباما إنه «لن تقل حدة المشاكل مع هذا الرجل».

من شرق المتوسط إلى شرق آسيا

في 5 شباط، أي: بعد أسبوعين من توليه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، أوجز الرئيس جو بايدن سياساته المستقبلية في وزارة الخارجية بخطابٍ سياسي عنوانه العريض «أمريكا عادت» حول أولويات السياسة الخارجية في إدارته، بعباراتٍ مباشرة إلى حد ما، وإن كان ذلك دون الكثير من التفاصيل. وفيما يتعلق بالصين، لم يظهر جو بايدن بعد موقفه العدواني كما توقع العديد من المعلقين الغربيين. حيث أكد بايدن الذي لم يتطرق إلى العلاقات الأمريكية الصينية إلّا بعبارات عامة جداً: أن واشنطن ستواجه «الانتهاكات الاقتصادية والأعمال العدوانية» وكذلك مواجهة ما زعم أنه «الهجمات الصينية على حقوق الإنسان»، ملخصاً: «سنتنافس من موقع القوة».

والآن، وتأكيداً لـ«موقع القوة» المزعوم هذا، حدثت بالفعل زيادة كبيرة في التصعيد العسكري الأمريكي مع الصين، حيث تم الحشد الكبير قبالة سواحل الصين بما في ذلك وصول المدمرة رافائيل بيرالتا المتمركزة حالياً «بشكل دائم» في القاعدة البحرية الأمريكية في يوكوسوكا في اليابان يوم 4 شباط. وقد أعلنت ذلك قيادة الأسطول السابع للبحرية الأمريكية، مؤكدة: أن «وجود المدمرة رافائيل بيرالتا يعزز الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها، ويحسن القدرة على الدفاع عن المصالح الإستراتيجية».

وفي الوقت ذاته، تقوم الولايات المتحدة بشكل واضح بنقل مجموعة حاملات الطائرات من شرق المتوسط إلى الصين. وعلى وجه الخصوص، في 2 شباط، حيث أُرسلت حاملة الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية «يو إس إس نيميتز» إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ من موقعها السابق في الشرق الأوسط، حيث كانت متمركزة كما ذكرت واشنطن سابقاً «من أجل منع تهديد المصالح الأمريكية من إيران».

وتتضح موافقة البيت الأبيض الصريحة على مسار البنتاغون لتصعيد المواجهة العسكرية ضد الصين من خلال المرور الاستفزازي الصريح في 4 شباط لمدمرة الصواريخ «يو إس إس جون ماكين» من الأسطول السابع بصواريخ موجهة، مثل «آرلي بورك» عبر الممر المائي الذي يفصل بين البر الصيني وتايوان عشية خطاب برنامج بايدن، مما أثار رد فعل غاضب من الصين، التي شددت مجدداً على أن تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي هي جزء من أراضيها.

في المقابل، شدد يانغ جي تشي عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ورئيس مكتب لجنة الشؤون الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في اجتماعٍ عبر الإنترنت مع اللجنة الوطنية للعلاقات الأمريكية الصينية، أن العلاقات الصينية الأمريكية تواجه لحظة حرجة، وتواجه فرصاً وتحديات جديدة، وأن إعادة العلاقات الصينية الأمريكية إلى اتجاه بنّاء ومستقر هي مهمة مشتركة تواجه البلدين، لكنه أصر على أن أياً من هذه القناعات لا يغير السلوك الصيني الثابت في الحفاظ على المكانة المتقدمة للصين في بناء عالم «المصير المشترك للبشرية».