2021-02-17

شذرات حول الانتخابات

| هاني عرفات

ساذج من يظن أن القوى المهيمنة على المسرح ستخلي مواقعها بسهولة أو أنها ستترك الأمور للصدف والمزاج العام للإطاحة بها ووقف هيمنتها، ببساطة لا يوجد شيء كهذا في علم السياسة، أنا لا أقصد بالقوى المهيمنة بعض قيادات فتح وحماس وفصائل فقط، أنا أقصد منظومة كاملة من القوى ذات المصالح الاقتصادية الكبيرة المرتبطة بدرجة أو بأخرى ببقاء الوضع على ما هو عليه الآن، وتحمي نفسها بشبكة علاقات سياسية عشائرية مؤسساتية ودينية وربما بحماية أمنية ما وعلاقات خارجية متشعبة.

لا يمكن مواجهة مافيا على هذا المستوى من القدرة والتنظيم بمحاولات هواة للتغيير. العمل من أجل التغيير الحقيقي لا يتم أيضاً بطريقة العمل الجزئي المتشرذم مهما حسنت النوايا والرغبة العاطفية للتغيير، إذا لم تتمكن القوى الساعية إلى التغيير من الوصول إلى درجة معينة من التنظيم والوحدة ووضوح الهدف والعمل المؤسسي والإصرار على الهدف، والاهم من هذا كله الحفاظ على النقاء ومنع تسلل قوى هدامة لصفوفها فليس كل من ادعى الرغبة في التغيير يريد الخير لهذا الشعب، بدون هذا فإن مصيرها سيكون الفشل كما فشلت حراكات عديدة في العالم العربي من الوصول إلى حجز مكان في الخارطة السياسية.

في بعض البلدان المتطورة ديمقراطيًا قد تظهر أحزاب لم تكن موجودة على الخارطة السياسية من قبل و تفوز في الانتخابات في فترة قصيرة، هذا لا يحصل في بلدان العالم الثالث لأسباب كثيرة  أهمها هو أن القوى المهيمنة إقتصادياً تحدد مدى إرتفاع السقف الديمقراطي وتمد نسيج تحالفاتها المشروعة وغير المشروعة وليس هناك ضوابط أو خطوط حمر تقف عندها وفي المقابل تضعف الخصم لدرجة يصبح من شبه المستحيل عليه إحداث فارق ملموس.

القوى المهيمنة تصيغ وعي المواطن على نحو يجعله يظن أن ذهاب هذه القوى سيعني الفوضى وفقدان العمل والأمن له ولعائلته، وأن إزاحتهم عن المشهد مغامرة غير محسوبة العواقب.

في معارك التحرر كما في معارك البناء التفاصيل مهمة جداً والارادة مهمة كذلك، لا يمكن تحقيق أي إنتصار دون مواظبة وإصرار على الهدف ، العمل الموسمي ضار جداً لأنه يعني العودة الى نقطة البداية كل مرة ولكن بجاذبية أقوى نحو الأسفل .

في الحالة الفلسطينية تحديداً هناك ركائز مهمة يجب أخذها بعين الاعتبار لمن يرغب برؤية نتائج ملموسة على الارض وأن يخرج عن المألوف في العمل السياسي وهو الرغبة في الوصول إلى المنصب أو السلطة، لأن ذلك سيضع الجميع في خانة واحدة وهي خانة الصراع على السلطة ويهدد دائرة الأمان للمواطن العادي الذي لا يثق بعد بحصول تغيرات عنيفة نتيجة الوهم الذي زرع في العقول ونتيجة لما حصل في المنطقة على مدار السنوات العشر الاخيرة.

وإذا ما شاءت بعض القوى المشاركة في الانتخابات، يجب أن يظل التركيز على استكمال مهام التحرر الوطني هو ديدنها، كون استمرار الاحتلال هو السبب في كل هذا الخراب ولكن مع عدم إغفال الجانب الاجتماعي من الموضوع والاهتمام بالأمور الحياتية واليومية للمواطنين و النضال لتعزيز الديمقراطية وتحسين مستوى المعيشة والصحة والتعليم كشروط لا غنى عنها لتدعيم الصمود. فقراء هذا الوطن هم سياجه كما كانوا دائما وهم من يحتاجون الاهتمام والعناية لا مكان لمن يريد صوت هذا الفقير ويريد سيارة فارهة ومرافقة وراتب سمين وإمتيازات.

للوصول الى كل ذلك لا بد من صياغة برنامج عمل شامل يحاكي كل جوانب الحياة من خلال استثمار نخب وطنية متخصصة في مختلف المجالات لوضع إجابات لكل تساؤلات المواطنين، وربما تأسيس ما يشبه حكومة الظل  هذا من صميم عمل طلائع الشعب.

علاوة على كل ذلك يجب الحفاظ على نظافة اليد ورفض أية أموال أو تبرعات خارجية لتمويل النشاطات سوى من الانصار ويحدد السقف الاعلى لهذه التبرعات حتى لا يتسلل أصحاب المصالح الى الداخل ويفرضون أجندتهم.

يجب أن يدرك الجميع أن السعي نحو التغيير ليس حربا على فتح أو حماس أو بقية الفصائل التغيير المطلوب في النهاية هو في مصلحة القضية الوطنية والهدف منه التخلص مما هو ضار ومعيق. في النهاية العمل يجب أن يكون خالصًا نحو التغيير سواء بانتخابات أو بدونها ووفقًا للحالة في حينها أحيانًا المعارضة من الخارج تكون أكثر جدوى.

وإذا أتيح لي توجيه نصيحة أقول اهتموا بالمرأة فهي الأكثر إخلاصًا دائما.