2021-02-26

الثابت والمتغير في السياسة الاميركية

| هاني عرفات

أي مقارنة بين سياسة الرئيس الأميركي الحالي وسلفه في منطقة الشرق الاوسط ستكون مقارنة عرجاء، لسبب بسيط جداً هو أن الاهداف السياسية للإدارات المختلفة في هذه المنطقة بالذات ثابتة. الفارق هو في اختلاف الرؤية في كيفية تحقيق ذلك، أي الأساليب.

كما أنه لا يجب أن يغيب عن البال أيضاً أن العلاقات السياسية للدول تقوم على سياستين في الغالب، سياسة ظاهرية علنية ودبلوماسية وسياسة سرية تجري خلف الأبواب المغلقة تسمى سياسة الأمر الواقع، في كثير من الأحيان يكون هناك فارق ملحوظ فيما بينهما.

من هذا المنطلق يمكن النظر إلى الغارة الاميركية التي نفذتها إدارة بايدن في سوريا وبغض النظر عن المبررات التي ساقتها في أنها حالة دفاع عن النفس لأنها استهدفت مطلقي الصواريخ على المنطقة الخضراء في بغداد بعد تلقيها تقارير استخبارية من الحكومة العراقية بهذا الخصوص، فإن هذا الهجوم هو تعدي على سيادة دولة عضو في المنظمات الدولية و خرق فاضح للأعراف الدولية.

السياسة الاميركية تاريخياً في منطقة الشرق الاوسط هي سياسة الحفاظ على مصالحها في ليس فقط حماية منابع النفط بل في إبقاء الدول المصدرة له تحت السيطرة لإستعمالها كأدوات حينما دعت الحاجة لذلك، ومن ضمن هذه الاهداف الحيلولة دون تشكل رأي عام يناصر القضية الفلسطينية ومحاربة حركات التحرر أو أي توجه نحو الاصلاح والديمقراطية في هذه البلدان، كذلك مثلاً للضغط على الخصوم من خلال سلاح النفط كما فعلت دول الخليج بطلب من الرئيس الأميركي رونالد ريغان في أوائل الثمانينات بزيادة إنتاج النفط ثلاث أضعاف مما تسبب في استفحال الأزمة الاقتصادية للإتحاد السوفياتي في حينه. كما أن الحفاظ على (أمن إسرائيل وتفوقها) هو من ثوابت السياسة الاميركية في المنطقة بغض النظر عمن يجلس في المكتب البيضاوي.

لكن يف يرى الرؤساء المختلفين تحقيق هذه الأهداف وأي الوسائل هي الافضل هنا تختلف رؤية الإدارات لها، الاختلاف الرئيس بين إدارة بايدن وإدارة طرامب في الاسلوب هو أن إدارة طرامب اعتمدت إسرائيل لتقوم بتنفيذ كل شيء في المنطقة وفرت لها المظلة والحماية السياسية وأطلقت يدها لتنفيذ غارات واغتيالات وعبدت الطريق لقيام عملية التطبيع المشينة مع بعض الدول العربية، ومنحها صلاحية قيادة المنطقة لوحدها، فيما أخلت نفسها ونأت بنفسها عن المنطقة إلا من تدخلات هنا أو هناك لمساعدة اسرائيل حينما يتطلب الامر.

أما إدارة بايدن فإنها ترى أن هذه السياسة ضارة ليست فقط للمصلحة الاميركية بل لمصلحة إسرائيل نفسها، وأن أميركا يجب أن تفرض حضورها المباشر وليس فقط عبر الوكلاء، مثلا ترى هذه الادارة أن نتنياهو لا يمثل بالضرورة المصلحة الاسرائيلية أو الاميركية، وأن نتنياهو استطاع أن يحتوي ويحتكر السياسة الاميركية في عهد طرامب لمصالحه الخاصة، وحسب مصادر على اليوتيوب (التي لا استطيع التأكد من صحتها) أنه في عهد طرامب كان هناك مكتب للموساد الاسرائيلي في داخل البيت في عهد الرئيس السابق.

الغارة الاميركية تزامنت مع مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي والملك السعودي وأخرى بين وزيري خارجية البلدين وتم التطرق خلالها للحرب على اليمن ووضع حقوق الإنسان في السعودية، هذه لم تكن مصادفة على الاطلاق، صحيح أن الغارة حصلت على أرض سورية لكن الرسالة يراد لها أن تصل تل أبيب، واشنطن، الرياض، طهران وموسكو أيضاً.

الغارة بحد ذاتها هي في نطاق السياسة المعلنة لكن المغزى منها الوصول إلى سياسة الأمر الواقع والأبواب المغلقة و تحمل عدة عناوين أولها نتنياهو بأننا نحن من نقرر قواعد اللعبة وثانيها لإبن سلمان بأن صاحب القرار أولاً وأخيراً في واشنطن وليس في تل أبيب وأن الحرب في اليمن ستخضع لتفاهمات مع طهران لاحقاً فيما إذا وصلت الأمور الى هذا الحد وأن ملف حقوق الإنسان موجود في الجيب إذا ما حاولت الرياض العمل بعكس التيار، أما بالنسبة لطهران وموسكو فإن الرسالة تقول ها قد عدنا ولدينا العصا ما زالت مرفوعة. أما في واشنطن فإن هذه الغارة عبارة عن رسالة لمن يعارض الاتفاق النووي مع إيران بأن  هذه الادارة حازمة وقوية وقادرة على التفاوض مع الايرانيين من موقع القوة .

على أية حال فكما ذكرنا آنفاً السياسة الاميركية ثابتة في المنطقة من حيث الغايات، براغماتية ومتغيرة من حيث الأساليب وما يظهر على السطح من سياسات معلنة ليس بالضرورة ما تخفيه الأبواب المغلقة.