2021-02-27

تأملات في أزمة اليسار .. أزمة حركة التحرر والتقدم  

(الحلقة الأولى)

| سعيد مضيه

اليسار العالمي يمر بأزمة طالت وأفضت تداعياتها إلى شعبوية اليمين الفاشي المقترن بفاشية الليبرالية الجديدة. واليسار الفلسطيني، شأن اليسار العربي، انحسر نفوذه وتضاءلت شعبيته. إن انحسار شعبية اليسار وضعف مواقعه لا بد وأن يفضي الى قصور في المقاومة الوطنية للاحتلال الإسرائيلي الموغل في الاستيطان بدعم من الامبريالية.

يجمع المحللون السياسيون على هزال دور قوى اليسار في الساحة الفلسطينية، وأن جميع التنظيمات والقوى اليسارية تعيش أزمة بنيوية تنظيمية وفكرية، منوهين إلى ان دورها يقتصر على إبداء المواقف والآراء والمقترحات تجاه القضايا المطروحة، قد تبادر بمقترحات؛ لكنها تؤجل التنفيذ لإشعار في انتظار صلحة فتح وحماس. عجز وهشاشة اليسار الفلسطيني عطلت قدرة المبادرة الى الممارسة العملية، حيث في هذا الميدان يتم اختبار البرامج السياسية، ويتم تطوير النظرية.

أزمة اليسار ثقافية من حيث الجوهر، تتجلى أولا في تعذر إقامة صلة مستدامة مع الجماهير الشعبية، ومن ثم العجز عن التأثير في المسار الوطني والاجتماعي. حين تنشأ العزلة بين الجماهير الشعبية واليسار يستولي الإرباك  والحيرة حيال المشاكل الاجتماعية والقومية المتراكمة، الأمر الذي يستغله اليمين، سواء السلفي أو العلماني. رسالة اليسار ثقافية في المقام الأول ينقل الى الجماهير الشعبية من خلال الاشتباك اليومي والاتصال الدائم تربية سياسية وفكرية بتحليل واقعها وتفسير المشاكل التي تعترض مسيرتها، باعتبارها من صنع البشر، وليست قدرا مصلتا.

الوعي العلمي الطارد للخرافات والشعوذة لا يتم بصورة تلقائية، إنما تزود به الأحزاب الثورية؛ وهذا يتوجب على الفصائل المنتسبة لليسار التسلح بالمعرفة وتطويرها وتثقيف الكوادر باستمرار وتعويدها على المطالعة المتواصلة ومتابعة المستجدات في الساحة الثقافية، والتعود على إجراء الحوارات والنقاش العام في اللقاءات مع الجماهير؛ وفي ذلك تمكين للجبهة الداخلية وتعزيز عزيمتها الكفاحية.

قبل الدخول في الأزمة اكتسب اليسار شعبية عارمة وقاد الجماهير الشعبية لتحقيق إنجازات هامة، مع إغفال الديمقراطية وقضية التغيير الاجتماعي. انتعش اليسار حيث تعاظم النهوض الشعبي، وأدى اليسار دورا تنويريا وجدت الجماهير الصدق السياسي في طروحاته. شارك اليسار على  نطاق واسع على امتداد التاريخ الفلسطيني الحديث، وقدم إسهامات في بث الوعي ونشر الفكر التنويري، وحمل شعلة النضال والكفاح الوطني التقدمي الفلسطيني. كان من المبادرين في النضالات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، تثبيت الجماهير ثم طرح المبادرات والبرامج لبعث الحراك الشعبي وتشكيل المنظمات الجماهيرية. 

نزلت هزيمة حزيران ضربة أليمة على اليسار والقوى القومية العلمانية استغلته فصائل التيار الديني. انحسر نفوذ اليسار مع كسر موجة النهوض الوطني والقومي بوسائل عدة منها القمع البوليسي ومنها إلهاء الجماهير بالوعي الزائف وتوريطها في متاهات عزلتها عن اليسار وأقكاره التقدمية  الخلاصية. أزمة اليسار عواملها موضوعية وذاتية.

المجتمعات العربية ملغومة بإشكالات محلية، أبرزها نظم الحكم الأبوية عمرت قرونا متتالية ركائز تخلف ووهن، دخلت في علاقة تبعية مع قوى الهيمنة ، فغدت مراتع للكولنيالية الامبريالية وشكلها الأحدث، الليبرالية الجديدة المتحالفة مع إسرائيل. النظم الأبوية تقف على رأس الإشكالات المحلية، اجهضت النهضة التنويرية وعملت ركيزة للاستهلاكية اقتصادا وثقافة، أدت الى اختناقات في سوق العمل؛ إذ نمت البطالة بصورة مضطردة، أسفرت عن هجرات جماعية للشباب.

غدت النظم الأبوية طاردة للكفاءات ووكيلة لليبرالية الجديدة وحصنا للثورة المضادة؛ احتضنت العصبيات الطائفية وغذت نزوعها الماضوي. النظام الأبوي احتكر الإشراف على التربية والإعلام وسخرهما لتعزيز إشكالات التحديث في الحياة الاجتماعية: إشكالية الهدر الاجتماعي وإشكالية التدين الشعبوي المرادف للأمية الدينية، وكذلك إشكالية التعليم، وبتفاعل الاشكاليات وبتأثير التباسات السياسات الأبوية أسفرت عن جمود الثقافة وتكلسها. تداعت على الواقع الاجتماعي حالة إحباط وحيرة دعمت الركود الاجتماعي. الوعي الاجتماعي المأزوم خنع للفساد والإفساد واستعصى على الأفكار المخصبة للعقل المحفزة على التغيير.

تزامنت أزمة اليسار العالمي في عقد السبعينات مع بروز الليبرالية الجديدة لمواجهة الأزمة البنيوية للرأسمالية وإشاعة الخصخصة واقتصاد السوق إيديولوجيا جديدة، في حين كانت دعاية البرجوازية تبشر بانتهاء الإيديولوجيات. تزامن هجوم الليبرالية الجديدة مع شروع السادات في مصر سياسة الانفتاح لتطيح بكل ما أنجزه النظام السابق من تنمية اقتصادية ونهوض بعملية التعليم وإنجاز تحولات اجتماعية لصالح الكادحين. أزمة اليسار بدأت بهجوم رجعي – امبريالي – صهيوني على حركة التحرر والتقدم في العالم خاصة بلدان القارات الثلاث – آسيا وإفريقيا واميركا اللاتينية – ومنه بالطبع الأقطار العربية.

الليبرالية الجديدة أيديولوجيا المحافظين الجدد سخروا ثورة التقاني والمعلومات لترويج  ثقافة العنف والقسوة وتوجهات تدمير إنسانية البشر والتخلص من مجموعات بشرية ضخمة باعتبارها زائدة عن الحاجة (حاجة الاستغلال الرأسمالي). صاغ الأكاديمي الأميركي، هنري غيروكس مفهوم رأسمالية الكازينو يعري تنكر الليبرالية الجديدة لمنظومة القيم الإنسانية، وأهمها التعاطف والتضامن والتكافل. بموجب نظرية الكازينو بات العاطلون عن العمل زائدون عن الحاجة او نفايات بشرية، وكانوا في السابق مظهر ازمة اجتماعية ملازمة للرأسمالية.

ثقافة المحافظين الجدد، حلفاء إسرائيل "ضد الشر"، تزامنت مع حرب حزيران الكارثية اخمدت جذوة الثقافة التقدمية وأنعشت سلفية جرّفت الوعي الاجتماعي وجمدت القوة الاجتماعية للتغيير؛ فأورثت الثقافة العربية انيميا حادة، سهلت تمرير مؤامرة الصمت بصد فضيحة تهافت الفكر الصهيوني. 

في بياتها الشتوي لم تستوعب الثقافة العربية معطيات الاكتشافات الجديدة ولا استرشد بها السياسيون العرب. بل إن مثقفين عرب موصوفين بسعة الاطلاع ومتابعة المستجدات الفكرية واصلوا اعتماد خرافات التوراة حقائق، واستمر إدراجها في مناهج التدريس العربية.

أسفرت أنيميا الثقافة في العالم العربي عن عزلة المقاومة الفلسطينية عن بعدها الاستراتيجي. صمتت الأنظمة عن هجوم إسرائيل الاستيطاني بفلسطين وتجاهلت دعوات التهجير والتطهير العرقي.

عادت السلفية تتحدي اليسار والقومية العلمانية حين خلدت للراحة. باتت تشكل الخطر الداهم على الأنظمة الأبوية فتراخت المطاردات البوليسية ضد اليسار اغتنم اليساريون فرصة ارتخاء قبضة السلطوية وتوقف الملاحقات البوليسية ليغطوا في سبات عزلهم عن تطورات عديدة أبرزها طفرة الليبرالية الجديدة اقتصاديا وثقافيا.

تعمقت الأزمة الوطنية وأزمة اليسار في الأراضي المحتلة، نظرا لإغفال فصائل اليسار مهمة التثقيف السياسي والفكري. درجت على تقليد تضمين التقارير الدورية تحليلات سياسية واقتصادية بدون التطرق الى واقع أن الهيمنة الثقافية باتت في الزمن الراهن أشد خطورة من الهيمنة الاقتصادية للإمبريالية.  

إن مفهوم "الإسلام السياسي" مغالطة فكرية، فالإسلام حين يسخر لأغراض السياسة يغير طبيعته، إذ يفقد جوهره الإنساني وتسلب منه طاقته الروحية ولا يعود رسالة شاملة للناس كافة. السياسة بطبيعتها طبقية والرجعية هي التي تلوذ بالدين تقنّع به سياساتها المعادية للجماهير. وفي الآونة الأخيرة سخرت الاحتكارات الامبريالية المحافظين الجدد بمرجعيتهم الدينية للخروج على القانون الدولي وتقليص الديمقراطية وتشديد مراقبة الجمهور بدل مراقبة الجمهور لسياسات الحكومة. بجهود المحافظين الجدد وإيديولوجيتهم الدينية صعدت الفاشية سدة الحكم في الولايات المتحدة واشتطت الامبريالية في العدوان والتسلح.

بعض قوى اليسار بدأ نشاطه بالكفاح المسلح باعتباره أرقى أشكال النضال. فاته الإدراك أن توعية الجماهير واجب وطني تؤديه أحزاب التغيير الاجتماعي، حتى لو كان الكفاح المسلح أسلوب تغيير. الكفاح المسلح يغذي الحرك الشعبي المندفع بالوعي ويتغذى من الحراك الشعبي الواعي؛ والكثير من الانتفاضات المسلحة لم تسفر غن تغيير اجتماعي لأنها قامت وتواصلت معزولة عن الحراك الشعبي الواعي. تضطلع الثقافة الوطنية بشرف تحويل الناس إلى فاعلين إيجابيين في مجتمعهم وصناع التحرر والديمقراطية والتغيير الاجتماعي ضمن اطر ديمقراطية التنظيم الجماهيري.

إن بناء البشر وإنضاج قدراتهم المتنوعة هما معياران أساسيان لثورية التنظيم السياسي؛ تنمية قدرات البشر وتحريك الجماهير يفوقان من حيث الأهمية  الثروات المطمورة وقوة السلاح. واليسار، مع المثقفين التقدميين، هم من ينجزون المهمة، باعتبارهم قوة التغيير الاجتماعي. وهم يعون رسالتهم متحدّين عراقيل ومصدات محلية وخارجية. الأبوية نظام سياسي معاد للديمقراطية وللعلم وللوحدة الٌقومية.

يعزو البعض تراجع اليسار الى انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي. والحقيقة ان أزمة اليسار العالمي بدأت معالمها قبل الانهيار، الذي جاء ببعض مظاهر الأزمة. كان الاتحاد السوفييتي قائما وفشل في تشكيل سوق منافسة للسوق الرأسمالية التي أفقرت البلدان النامية وورطتها في مديونية عرضتها لوصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكانت كارثية في مآلاتها. 

وأثناء وجود الاتحاد السوفييتي هيمن الاقتصاد الاستهلاكي للرأسمالية وثقافته التي كانت شركا ورط في أحابيله البلدان النامية واستهوى حتى الشبيبة السوفييتية. أفضت الاستهلاكية الى تداعيات دمرت مشاريع التنمية في البلدان حديثة الاستقلال ونشر الفساد الإداري. بالرشوات التي اتخذت طابع عمولات بادرت الاحتكالات الرأسمالية بنشر الفساد الإداري. وفضيحة شركة لوكهيد مشهورة في هذا الصدد، إذ تكشفت ممارساتها عن تقديم الرشوات للمتنفذين في بلدان عدة أبرزها اليابان وإيطاليا. في ظل الاستهلاكية تشكلت في البلدان العربية برجوازية بيروقراطية أثيتت انها الأشد تفريطا بالاستقلال الوطني وبالتنمية والأشرس في ممارسة القمع واضطهاد المعارضة. مهدت الاستهلاكية لنمط الليبرالية الجديدة، التي نشطت طوال عقدين من الزمن قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.

غير أن غياب الاتحاد السوفييتي عن الساحة أضرم سعار العدوانية الامبريالية، خاصة نزعة الهيمنة الكونية لدى الامبريالية الأميركية، القطب الأوحد، وأفقد اليسار ورقة رابحة لوح بها انه يناضل من أجل مجتمع العدالة والتطور البديل للرأسمالية الماثل أمام الأنظار. إزدادت بالنتيجة جاذبية الاشتراكية واليسار ضعفا على ضعف.

بانهيار التجربة الاشتراكية لم يعد اليسار يشكل خطراً على الأنظمة، وانتهت مؤقتا ضرورة مكافحة الشيوعية؛ باتت الحركات السلفية تجتذب الجمهور وتشكل الخطر الداهم على الأنظمة الأبوية؛ ورفعت الامبريالية يافطة الصراع الحضاري ضد الحركات الإسلامية ؛ في نفس الوقت دعمت حركات السلفية الجهادية.

وحين اندلعت الانتفاضات المناهضة لليبرالية الجديدة أوائل العقد الثاني من القرن كان التيار الديني موضع اضطهاد الأنظمة، وهو التيار المنظم والمهيأ الماثل بالساحة ، فالتفت الجماهير حوله. 

أثناء بيات اليسار صدرت أبحا ث علمية حول التخلف الاجتماعي بقيت مجهولة من قبل اليسار، أبحاث في التربية وعلم اجتماع التخلف وسيكولوجيا التخلف والهدر الاجتماعي الناجم عن السلطوية الأبوية؛ والماركسية لم تبحث في مجتمعات ما قبل الرأسمالية، الأمر الذي أوجب على الماركسيين ـ حسب نصيحة لينين- البحث والتجريب والتفكير في سبل انتشال شعوبهم من التخلف. والنصيحة اللينينية غطت عليها مبادئ الأممية كشرط للانتساب. الماركسية تغتني وتتطور من الاكتشافات العلمية في ميادين الطبيعة والمجتمع. ظهرت يضا نتائج التنقيب الأثري بفلسطين أكدت بصورة علمية لا تُدحض أكاذيب الرواية الصهيونية – الاستشراقية بصدد دولة يهودية في فلسطين القديمة. بين العلم زيف مقولات وطن الآباء وأرض الميعاد وأرض إسرائيل. لم  تسترشد المقاومة الفلسطينية بنتائج التنقيبات العلمية، ولم تدخلها عنصرا في الثقافة الوطنية.

عفوية النشاط السياسي الفلسطيني خلال حقبة البيات غفلت عن مفاهيم وأفكار متخلفة ترعاها أيديولوجيا الامبريالية وخلقت مناعة ضد أفكار التقدم، نظرا لقدمها في الوعي الاجتماعي وتملك وتتحكم في وسائل أكبر وأقوى بكثير للهيمنة والسيطرة على أفكار الجماهير، وتعزيز نفوذ المحافظة في الوعي الاجتماعي وحالت دون تجذر الفكر اليساري في المجتمع. تملي الضرورة إبراز تلك المفاهيم والظاهرات:  اختلاط الدين الإسلامي بالتدين السلفي ومكافحة الأخير باعتباره تشويها لحقيقة الدين وطمسا لجوهره الإنساني ينبغي الثورة عليها كما يتردد الآن كثيرا في الكتابات النقدية. التدين الذي غرس جذوره في المجتمعات في ظل الخلافة الأموية وتواصل عبر العصر الوسيط تميز بنظرة رضوخية لمن يملك السلطة السياسية، وتؤمن بالقدرية تشل المبادرة الشعبية وتختصر التدين بالعبادات دون المعاملات.

وظاهرة أخرى تتمثل في نظم التربية القائمة على التلقين وواد التفكير النقدي في سن مبكرة وتغييب منهج البحث في الواقع الملموس. المدرسة والجامعة تخرجان أجيالا توكلية تعوزها المبادرة والاعتماد على الذات والتفكير النقدي. وحسب الدكتور هشام شرابي فإن"النظام التربوي والاجتماعي يثني الطفل عن الثقة في آرائه الخاصة ويشجعه على قبول آراء الآخرين دون تردد او تساؤل، وهذا ما ينمي في نفسه الإذعان للسلطة". التعليم السلطوي يؤهل الأجيال للولاء للسلطة. وهذا ما تؤكده الأبحاث الحديثة في العلوم الإنسانية.

نظرا لكون اليسار تيارا حداثيا هدفه في هذه المرحلة إنصاف المحرومين وإنجاز تحول وطني ديمقراطي وتقدمي كان من الأنسب منذ البداية ان تنحت له تسمية تحظى بالموافقة الإجماعية من قبل قوى التغيير التقدمي العرب. ونظرا لطبيعته الحداثية فإن اليسار لا يتعايش مع النماذج الاجتماعية والفكرية المرتبطة بالعصر الوسيط. وانتعاش اليسار مقرون بتصفية مخلفات العصر الوسيط في الحياة الاجتماعية، واجتثاث علاقاتها الاجتماعية القائمة على القهر، ومن ثم إدخال إصلاحات حداثية على الاقتصاد والسياسة والثقافة والتراكيب الاجتماعية.

يتبع .. الحلقة الثانية