2021-03-14

    يوم الثقافة الفلسطينية:

من تاريخ الحركة الثقافية في فلسطين.."رابطة المثقفين العرب في فلسطين"

| د. ماهر الشريف

في مطلع سنة 1943 كما يُرجح، تشكّلت بمبادرة من عدد من المثقفين الديمقراطيين والتقدميين الفلسطينيين "رابطة المثقفين العرب في فلسطين"، التي تعود جذورها إلى "اتحاد الطلاب العرب"، الذي تأسس في سنة 1937 ونشط في المجال الوطني من خلال المشاركة في التظاهرات الوطنية، والقيام بتنظيم دورات تعليمية للأولاد الأميين، وبزيارات إلى القرى في العطل الصيفية للتعرف إلى حياة الفلاحين، وأصدر في سنة 1938 في مدينة بيت لحم مجلة باسم "الغد"، ثم تبنى، بعد فترة قصيرة من تأسيسه، اسم "رابطة الطلبة العرب".

تألفت "رابطة المثقفين العرب" من تسعة فروع شملت مدن القدس، وحيفا، ويافا، والناصرة، ونابلس، والخليل، وبيت لحم، وبيت جالا وجنين. ونذكر من بين الذين شاركوا في نشاطاتها عبد الله بندك، وإميل توما، وإميل حبيبي، وتوفيق طوبي، ومخلص عمرو، وفؤاد نصار، ورشدي شاهين، ونصري حزبون، ومنعم جرجورة، وعبد الله الخطيب، وصبحي عاقل، وجريس رمان، وعقيل هاشم، وأديب ناصر الدين، وبرهان طهبوب، وعثمان صالح، وفتحي سعد الدين، ويوسف تكروري التميمي، ومحد نصر، وإياس كرمي وعزيز الطاهر (1).

في سنة 1945، أعادت "رابطة المثقفين العرب" إصدار مجلة "الغد"، التي وصفت نفسها بأنها "رسالة القومية الواعية والثقافة الحرة"، وتحوّلت منبراً لأبرز المثقفين الفلسطينيين آنذاك مثل رئيف خوري، والدكتور خليل البديري، وقدري حافظ طوقان، وفدوى طوقان، وسمير شما وغيرهم. وفي عددها الثاني الصادر في القدس في 27 تموز 1945، عرضت مجلة "الغد" الأهداف الأساسية لـ "رابطة المثقفين العرب في فلسطين"، ومما ورد: "إننا نؤمن بالثقافة الحرة التي تعمل على إسعاد الفرد والمجموع  وتضامنهما، وعلى تعاون الشعوب بعضها مع بعض لفائدة الإنسانية جمعاء. نؤمن ونعترف بالثقافة الإنسانية ما دامت تعمل لذلك، قومية كانت أو أجنبية، شرقية أو غربية، قديمة أو حديثة، وننتقي من تلك الثقافة ما يخدم هذا الغرض الشريف في أية لغة وجد، وعند أي شعب كان. فالثقافة العامة ليست ملكاً لأمة وحدها، ولا هي محصورة في فئة دون غيرها. وننبذ ونحارب كل ثقافة تدعو إلى إسعاد فرد على ظهور الآخرين، أو إسعاد أمة على حساب غيرها من الأمم، سواء لدينا هذه الثقافة قومية كانت أم أجنبية. فسعادة الفرد لا تكون حقيقة إلا بسعادة المجموع، وسعادة الأمة لا تكون حقيقة إلا بسعادة الأمم جمعاء، والرقي البشري وسرعته، والإنسانية السمحاء، والأخلاق الفاضلة لن تجد سبيلها سوياً إلا ضمن هذه الحدود.

ولذلك، فإننا نعمل على تعميم هذه الثقافة ونشرها بين جماهير شعبنا على مختلف طبقاته وفئاته دون حصرها أو وقفها على طبقة خاصة أو فئة وحدها. فنحن نؤمن بشعبنا إيماناً قوياً عميقاً، ونؤمن بأن المثقفين خدمة لشعبهم، ثقافتهم لهم وله وليست لهم وحدهم، ودراستهم وبحوثهم لدراسة مشاكله وتفهمها ونقاشها وحلها، لا للتلذذ والاستمتاع الذهني، ولا ليقبعوا في عزلة عنه، فعليهم  واجب تثقيفه وهدايته، وعليهم واجب الاشتراك معه في تحقيق هذه الحلول وفض هذه المشاكل، كل ذلك على الأسس العلمية الصحيحة وعلى ضوء التطورات العالمية.

إن المثقفين الأحرار هم الذين يدرسون الثقافات العالمية المختلفة ويعملون على إيصال أفيدها وأقومها إلى الشعب، ويجهدون من أجل نشرها وتعميمها بين أفراده، ويكافحون لتيسير تمتعه بها وممارسته له؛ يشتركوا معه في سبيل إسعاده وتحقيق أمانيه. وهم الذين يدرسون مخلفات أسلافنا الأدبية ويعتنون بتراثنا الأدبي للاستفادة والمنفعة. والمثقفون الأحرار لا تقدر قيمتهم بقدر معرفتهم، وإنما تقدر قيمتهم بحسب ما أنتجت هذه المعرفة وبحسب ما أفادت الشعب. والمثقفون ليسوا  كتباً تُصف في الخزائن، ولا شهادات علمية تزدان بها الجدران، وإنما هم أفكار حية، وثقافات منتجة عاملة، ومشاعل نور وهاجة تطرد الظلام، وتنير السبيل وتستهدف سعادة المجموع".

وبعد أن ميّزت "رابطة المثقفين العرب" بين "القومية المتعصبة العمياء"، من جهة، و"القومية الإنشائية"، من جهة ثانية، أكدت أن الرسالة التي تحملها تنبع من القومية الثانية التي "تستهدف النضال من أجل سعادة الشعب على أساس التقدم البشري العام"، والتعاون مع الشعوب الأخرى "لتحقيق السعادة العامة وازدهار الإنسانية ورقيها"، وتتحالف مع  "القوميات المعتدى عليها، والقوميات الإنشائية التي تستهدف قاعدة التساوي والتعاون الحر، وقاعدة الاعتراف بحق كل شعب في الحياة"، ودعت إلى "إلى استقلال بلادنا العزيزة، ومقاومة الاستعمار، وربط قضيتنا بمعسكر الحرية، معسكر الشعوب المظلومة والأمم المحبة للسلام"، وإلى نشر "التفكير الحر، والدعوة إلى الديمقراطية الحقيقية والمساواة، وتعبئة الشعب تعبئة قومية صحيحة على أساس صحيح" (2).

الهوامش:

1-"أخبار رابطة المثقفين العرب: الاجتماع الثاني للجنة الرابطة المركزية في فلسطين"، الغد، القدس، 5 نيسان 1946، ص 13-14 .

2- "الأهداف الأساسية لرابطة المثقفين العرب في فلسطين"، الغد، 27 تموز 1945، ص 1-2؛ "كلمة أسرة التحرير"، المصدر نفسه ، 2 آب 1946، ص 3.