2021-03-18

تأملات في أزمة اليسار .. اليسار والحراك الشعبي

 (الحلقة الثالثة)

| سعيد مضيه

ان "مفهوم الثورة لا يكتسب معناه المحدد وتميزه إلا ضمن فضاء الماركسية".

د. هشام غصيب

القوى المؤهلة لقيادة المجتمع في ظروف الطفرة الاستهلاكية هي البرجوازية البيروقراطية. وهي شريحة من بيروقراطي الأجهزة الحكومية راكمت ثرواتها من خلال الفساد المنتشر تحت ظلامية قمع الحريات العامة. البرجوازية البيروقراطية نمت في كنف نظام أبوي سمح بالفساد والإفساد مقابل دعم النظام بعناصر مثقفة؛ وهي من أشد القوى الاجتماعية شراسة في قمع الحريات وإجهاض مشاريع التنمية والارتباط بالإمبريالية وتشجيع الاستيراد وتدمير الإنتاج المحلي.

في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ارتبطت بالليبرالية الجديدة. ومنها يتم اختيار الوزراء يديرون الوزارات بما يتفق مع الليبرالية الجديدة ويخدم أهدافها الاقتصادية والثقافية.

في هذه الأثناء نمت البرجوازية الصغيرة، بينما لم تنمُ طبقة برجوازية ولا طبقة عمالية، إذ لم يسمح بتطور الإنتاج الصناعي. تغلبت فصائل من البرجوازية الصغيرة، البعض منه سلفي التوجه، وبعض آخر علماني يستند الى شيوخ. تكيفت ثقافتها مع ثقافة البرجوازية البيروقراطية، وخضعت لسيطرة الأبوية ملتزمة بأسلوب تقديم الولاء على الأداء. غرقت في الفساد وما يترتب عليه من قمع الحريات العامة والسماح بتسرب الليبرالية الجديدة اقتصادا وثقافة. البرجوازية الصغيرة نفسها قصير ورؤيتها محدودة وكذلك أفقها؛ اثبتت عدم تأهيلها لقيادة النضال المناهض للإمبريالية والاحتلال الإسرائيلي، ولا إدارة الدولة. مع سيطرتها اندمج حزبها بالسلطة وتضاءلت ثوريته جراء تضخمه بالانتهازيين والمتسلقين والوصوليين. بات جثة ضخمة ومكرهة اجتماعية، مع بقاء عدد محدود ومهمش من العناصر الطاهرة نظيفة اليد والمحتفظة بنزوعها الثوري.

حيال هذه الوضعية الشاملة لجميع بلدان أسيا وإفريقيا [ حيث أخذت تبرز في أميركا اللاتينية حركات يقودها ثوريون يتوجهون الى الجماهير طارحين حاجاتها وقضاياها الخاصة في صلب سياساتهم، وتمكنوا من تسلم الحكم بوسائل سلمية] تعهد المرحلة الى الاحزاب الماركسية مهمة قيادة العملية الثورية. هي المفترض ان تقود عملية الإطاحة بالنظام الأبوي وإقامة نظام الديمقراطية والتحرر والتنمية الاجتماعية، وتحقيق نمط من العدالة الاجتماعية. يقرب من المستحيل اقتلاع الأبوية مع جذورها بضربة واحدة. وكما حدث في تونس ومصر تزاح القمة وتبقى الجذور تعيد بناء النظام الأبوي.

زحزحة الصخرة تتم من خلال الحفر على ارتباطاتها بالأرض وخلع الارتباطات ، بالتدريج ارتباطا تلو الأخر ، ويمكن زحزحتها واقتلاعها مع البقية القليلة من الروابط المتثبتة.

اولا وقبل كل شيء لا بد من الشروع بمواجهة الاحتلال لوقف مشاريعه الهمجية المناقضة للقرارات الدولية. مسعى مشروع وواجب مجابهة الاحتلال الإسرائيلي بكل مشاريعه اللاشرعية لانتزاع ما اغتصبه من أراضي السلطة الفلسطينية وفقا للقرارات الدولية، من أجل تحجيم قدرات إسرائيل وشكم نزعتها التوسعية. في هذا السياق يندمج النضال الفلسطيني بنضالات الشعوب العربية ، نظر لأن إسرائيل تشكل خطرا على الدول المجاورة بحكم مشروعها المدعوم من الدل الامبريالية للتحول الى دولة إقليمية مهيمنة. والنجاح في وقف التوسع الإسرائيلي يسهل إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة والقادرة على نشر الديمقراطية والشروع في التمية الوطنية.

خلال النضال وأثناء البناء الوطني لا بد من تربية العنصر البشري، وبموازاة ذلك إعادة التربية للأجيال الكبيرة. التربية والتعليم قضية سياسية بامتياز. فهي تتضمن تربية الوعي العلمي في شئون السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، علاوة على الثقافة والمهارات العملية. طبيعي أن تحكم السلطة الأبوية قبضتها على العملية التعليمية، وقصر مهمتها على إعادة إنتاج التخلف وهيمنة ثقافة الأبوية. الدولة ظاهرة سياسية وثقافية؛ للدولة إيديولوجيتها التي لا تقتصر على النظام التعليمي لإعادة إنتاجها وتدعيمه.

يمكن، الى جانب الضغوط السياسية لتحرير العملية التعليمية من السيطرة المطلقة للسلطة الحاكمة، العمل بين المعلمين والطلبة لتغليب تعليم عصري يرسي علاقة الاحترام المتبادل وإشاعة التفكير النقدي وروح المبادرة والبحث عن المعرفة. في هذا السياق تطور قوى التقدم هيمنتها الثقافية كمقدمة للسيطرة السياسية. تلك الهيمنة تقتضي وضع وتنفيذ برنامج للتربية الثقافية يُطرح على المجتمع بحيث يجتذب الجماهير ويربطها بالحركة الثورية.

كما أن بالإمكان من خلال المدرسة وفي البيت تنشئة اجيال تدرك واجبها تجاه المجتمع. المجتمع الأبوي منقول عن تصرف الأب الجاهل في أسرته. حمّل عالم النفس الماركسي، فيلهيلم رانج، العائلة الأبوية وزر تنمية الفرد الخائف ابدا من العقاب والسلطة. في سياق الولاء والخضوع لا يمكن تصور فكرة العقد الاجتماعي. خضوع الأفراد يتم لأصحاب الجاه والنفوذ؛ فالقانون ليس في خدمة المجتمع، بل انه حسب تصرف النظام الاجتماعي / السياسي القائم، والعقاب هدفه استعادة حرمة العلاقات الاجتماعية وحمايتها" أورده هشام شرابي في كتابه، ص/65].

وفي تحليل أجراه عالم النفس اللبناني، علي زيعور، توصل الى ان العائلة الأبوية في المجتمع العربي شديدة الوطأة والوسائل التربوية لا تُعِد الطفل لأن يناقش ويقارع، بقدر ما تنمي فيه الالتواء والازدواجية والاعتماد على الكبير. الأب أداة قمع أساسية قوته ونفوذه يقومان على العقاب. الحالة الأبوية هي في الحقيقة ناحية بنيوية في المجتمع القائم".

في نظر الباحث "التعليم الأولي، أي الابتدائي يترك أثره على مستقبل الطفل؛ أعظم من التعليم الثانوي واللاحق بينما معظم الآباء لا يهتمون بتعليم الابن إلا في المرحلة الجامعية".

كذلك جان بياجيه، عالم نفس سويسري يسمي الانصياع القائم على الاحترام الذي يجمع بين العاطفة والخوف احتراما أحاديا، إذ أنه "علاقة بين قاصر وولي امره؛ اما الاحترام المتبادل فيولد في الطفل أخلاقية حرية ومساواة وعدالة. الاحترام المتبادل يغلّب العدالة على الطاعة (سن ثماني سنوات) باعتبار العدالة قاعدة سلوك اجتماعية. الاستقلال الذاتي يؤدي بالتأكيد الى احترام القوانين أكثر من احترام التبعية ، وبغياب السلطوية ينهار أساس الطاعة".

إذن يمكن لقوى التغيير الاجتماعي اعتبار تربية البيت مهمة سياسية من الدرجة الأولى قوامها العمل بين الآباء والأسر لتغيير قناعاتهما وإفهامهم السبل والأساليب التربوية للأطفال بحيث ينشأون محبين للعدالة والاستقلال الذاتي واحترام القانون والآخرين من المجتمع. هذا الى جانب تعويد الطفل على المطالعة بتقديم قصص الخيال الذي يوسع المدارك ويحفز في الطفل التفكير وإدراك وجود واقع وحقائق غير تلك الدارجة امام الأعين. قصص الخيال العلمي أكثر فائدة في هذا المضمار. على قوى لتغيير الاجتماعي توسيع أفقها ودخول مجالات جديدة في النضال الديمقراطي .

.بموازاة ذلك تأتي مهمة إعادة تربية الأجيال المتقدمة. وفي سبيل ذلك يتوجب على حزب أو أحزاب التغيير الاجتماعي ان تجمع على ضرورة الشروع بالتقرب من الجماهير ومخاطبة نفسيتها الاجتماعية وكسب ثقتها للسير بها بخطى علمية نحو تحررها من إرث التخلف والجهل ومن الاستلاب. البرجوازية والبرجوازية الصغيرة تحشد الجماهير حولها قوة انتخابية ووسيلة سيطرة؛ بينما القوى الديمقراطية تسند للجماهير مهمة التغيير الاجتماعي لمصلحتها وحماية مكتسباتها في النضال او في التحولات الاجتماعية.

يستمد العمل الثوري فعاليته من القاعدة العلمية؛ فهو عمل ثوري لتغيير المجتمع، وعلى كل من يغير مادته لإنتاج قيمة نافعة أن يتعرف بدقة واحترافية على خصائص المادة كي يتقن التعامل معها وتغييرها حسب الغاية المرجوة. والوعي العلمي للواقع هو الذي يغيره. ومن شروط النجاح إدراك الشروط الاجتماعية الجديدة والعمليات الجارية، وتشغيل النزعة النقدية أداة أساسية في البحث العلمي وفي النضال التقدمي.

تجربة لينين تبين أنه كان ينطلق من قاعدة ربط التفكير النظري بالواقع الاجتماعي التاريخي كضرورة نظرية وعملية معا. فالممارسة النظرية عنده كانت ترد على حاجة عملية ثورية، كما كان الأمر عند ماركس. لذلك نجد لينين في ممارسته النظرية شديد الانتباه للشروط التاريخية الجديدة التي هي حقل فكره ونضاله.

وانطلاقا من المنهجية اللينينية تنبأ المفكر والباحث هشام شرابي في مؤلفه "البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي"، الذي كتبه عام 1988، من أحداث العقد الثاني من القرن الجديد: "الخطر الذي يواجه المجتمع العربي اليوم لا يرد من مصادر خارجية فحسب، بل كذلك من الداخل، من التفكك العربي والانهيار الداخلي حروب الأهلية التي يمكن وقوعها في بلدان عربية عدة. وما من قوة تمنع التفكك والانهيار الداخلي والحروب الأهلية تنبع من الداخل [172] تلك النبوءة لم تاخطر على بال أحزاب الماركسية العرب، فلم يقوموا بواجب تثقيف الجماهير كي تتبين عواقب الدعاية السلفية في كنف النظام الأبوي.

وفي مقدمة الترجمة العربية لمؤلفه الصادرة عام 1992 أشار شرابي إلى الباحث الاجتماعي تورين في كتابه "عودة الغائب"، مبرزا ما أسماه "الحركات الاجتماعية التي أصبحت صوب نهاية القرن (العشرين) القوة الاجتماعية القادرة على تحدي الوضع القائم ومجابهة سلطته المركزية دون اللجوء الى اساليب العنف". وشدد تورين على مفهوم التعددية في بنية الحركات الاجتماعية بكونها تمثل المجتمع في جميع مستوياته الاجتماعية والطبقية وتنظيماته السياسية واتجاهاته الأيديولوجية. من هنا كانت مطالب الحركات الاجتماعية عريضة وشاملة: الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية الخ. في هذا السياق اقترح شرابي "النضال الشعبي والعصيان المدني كنهج ثوري حقيقي" في هذه المرحلة.

الأبوية قدمت خدمة لإسرائيل من خلال سياسات القمع والاضطهاد؛ غّذت الانفعالات والعواطف السلبية لدى الجماهير تمثلت في الخنوع نشدانا للسلامة. "العواطف السلبية جزء من نظام الضد او الكف والانسحاب, وتتمثل الغائية الأساس لهذا النظام في إبعاد الفرد او الجماعة عن التهديدات والمتاعب والمشكلات، من خلال سلوك التجنب أو الهروب". شعاراته سلامات يا راسي، ابعد عن الشر وغنيلو، الإيد اللي ما تقدر عليها بوسها وادعي عليها بالكسر. " الانفعالات السلبية تضيق سجل الفكر والعمل وتجدده في الاستجابات الدفاعية الهروبية لإنقاذ الكائن الحي من الخطر وإفلاته منه"، يقول مصطفى حجازي في مؤلفه "الإنسان المهدور"، ويضيف " أثبتت الأبحاث المعاصرة في عمل الجهاز العصبي خطا تشابك السلبي والإيجابي في الانفعالات بحيث تنال من بعضها البعض؛ إذ تبين أن كلا منهما مستقل عن الآخر ويتبع نظاما عصبيا خاصا به. ومن ثم فالحد من السلبي لا يؤدي بالضرورة إلى تنشيط الإيجابي. كل منهما محدد بيولوجيا على مستوى الفرد والنوع ، وكل يقوم بوظائف حيوية قائمة بذاتها على مستوى حفظ البقاء[339]. كل من العواطف السلبية والإيجابية تمثل نظاما بيولوجيا سلوكيا تطور للتعامل مع مهام حيوية جد مختلفة بعضها عن البعض الأخر في خدمة حفظ البقاء.

يرشد حجازي المناضلين الاجتماعيين والسياسيين الى أفضل السبل لتنشيط الحراك الشعبي الديمقراطي: " العواطف الإيجابية تشكل احد مكونات نظام المقاربة والمواجهة والمبادرة . نظام العواطف الإيجابية هام جدا للانفتاح على الدنيا والإقدام عليها والمبادرة والانغماس والفاعلية الذاتية والوفاق مع الذات وتقديرها، وكذلك الوفاق مع الدنيا والآخرين. مما يطلق عليه طاقات النماء والإنجاز والتمدد والثقة بالإمكانات والقدرات، بالغة الحيوية لبناء الاقتدار ومقاومة الهدر. سلوكات التوجه نحو الوضعيات والتجارب يمكن أن تحمل السرور والمكافأة. وهو نظام تكيفي بالغ الأهمية لدفع النماء؛ إذ يضمن توفير الموارد لإشباع الحاجات الأساس.

"تبين أن العواطف الإيجابية تتعزز من خلال العمل والممارسة أكثر مما يعززها التفكير. فهي ترتفع مع الانخراط في النشاط والانفتاح على المحيط، في أبعاده الاجتماعية والمهنية والجسدية. يميل الأشخاص ذوو العواطف الإيجابية لأن يكونوا نشيطين جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا .. تحدث أفضل لحظات السعادة والرضى حين يتمدد جسد المرء وذهنه إلى أقصى حدود طاقتها وحيويتها، في جهد إرادي لإنجاز شيء صعب أو ذي قيمة . وعليه فلا بد من أجل تعزيز العواطف الإيجابية ودفع حيوية النماء إلى الأمام، من القيام بأشياء هامة في الحياة، ولو كانت قليلة، حتى وإن كانت حياتنا مليئة بالروتين الإجرائي .. ويتوطد الاقتدار النفسي من خلال تشغيل كل من نظامي العواطف، تبعا لمقتضيات الحال، وتجاوز النظرة الأحادية. ولقد ثبت من الأبحاث أن توازن التعبير السلبي والتعبير الإيجابي عن الانفعالات والمشاعر هو الاستجابة الأكثر فاعلية في مواجهة المحن .. يكمن وجه القوة في حرية التعبير عن العواطف. المهم أن يشكل التعبير عن المشاعر الإيجابية والسلبية مدخلا للتحرك والتصرف لتغيير الوضعية، وليس مجرد الاستسلام وانتظار الفرج [341]. يقصد الباحث المرونة لدى التصدي للمشاكل المعترضة، واليقظة الثورية .

للثقافة دورها في تنشيط العواطف الإيجابية ودفع الحراك الشعبي وتزويده بالبوصلة السياسية. الثقافة محيط بلا ضفاف يشمل جميع مناحي حياة الإنسان في المعمورة. هناك ثقافة إنسانية تناقضها ثقافة تحط من قدر الإنسان وتهبط به الى مجرد فرد بلا علاقات اجتماعية. وهي ما تنتجه الليبرالية الجديدة وتروجه منابرها الإعلامية. ولكن درج الاهتمام بتناول الثقافة تعبيرا عن جانبها الإنساني المنشط للعواطف الإيجابية. علاوة على نشر الحقيقة وتعميم المعارف الإنسانية والالتزام بالحقيقة والعلم ومراعاة الواقع والموضوعية، فان الثقافة، والثقافة الفنية خاصة، تهذب السلوك البشري وتوثق روابط البشر بعلاقات إنسانية.

يقترف دعاة التغيير الديمقراطي خطيئة إغفال الآداب والفنون، وسيلة التفتح على الحياة الواقعية، والتطهر الذاتي ومعالجة الأعطاب النفسية. الأدب والفن ضروريان لأفراد المجتمع كافة، وليس لنخب المثقفين فقط. علاوة على دروس التربية السياسية والثقافية للكوادر والعناصر، يتوجب على أحزاب التغيير تعويد عناصرها والأصدقاء على المطالعة وحثهم على حضور الأحداث الثقافي، خاصة الفنية منها.. الندوات الفكرية والمهرجانات الفنية ومعارض الفن التشكيلي والندوات الأدبية.. الخ. الفنون تعكس الواقع، ونظرا لبنيتها من صور فنية جميلة وتقييماتها للمواقف والتصرفات والوقائع، تلهم التعاطف الإنساني، فإنها بذلك ذات قيمة تربوية. نجد في الفنون قيما معرفية وأخلاقية ومعيارية تعدي المتلقي، حين يتفاعل بثقافته مع الإبداعات الأدبية او الفنية.

الفنون ليست مجرد اختصاص نخب ثقافية، بل هي غذاء للعقل والروح ينبغي أن تتاح لأوسع الجماهير الشعبية. الهمت الأعمال الإبداعية المفكرين والمناضلين. تأثر لينين برواية" ما العمل" للأديب نيقولا تشيرنيشيفيسكي، وتأثر ماركس وإنجلز بالأعمال الفنية في زمانهم ، وكتبوا في الأدب والنقد الأدبي.

الفن يغذي طاقات النماء والإنجاز والتمدد ويبعث الثقة بالإمكانات والقدرات، بالغة الحيوية لبناء الاقتدار ومقاومة الهدر. وللفن قوة جذب تطلق الأفراد والجماعات من شرنقة الذات الضيقة وتكافح الأنانية، ليحلق الجميع في اوسع اجواء الصالح العام، الوطني والقومي والإنساني.

الثقافة تبعث العواطف الإيجابية الطاردة للقلق والحيرة. تستنهض مقاومة الأفراد والشعوب لممارسات الفساد والجريمة وتجارة المخدرات وشهوة الكسب غير المشروع. كما أن الثقافة تنهض بمكافحة التخريب الثقافي الوارد من المصادر الإسرائيلية والامبريالية وتبطل فاعليته. خدمة القضية الفلسطينية تتحقق في كل ما يرفع منسوب الوعي لدى الجماهير العربية وينتشلها من حالة الإحباط واللامبالاة ومن الانشغال بالهموم الشخصية عن النضال من أجل المصلحة العليا، الوطنية والقومية والإنسانية.

ولذلك نجد أنصار القضية الفلسطينية من ذوي الضمائر والقدرة على المواجهة دفاعا عن حق التعبير والحدب على الحقيقة والالتزام بها؛ وعلى النقيض من هذا الصنف نجد أعداء القضية الفلسطينية مصابون ببلادة الشعور وفساد الضمائر والتصحر الوجداني.

يتبع .. الحلقة الرابعة