2021-04-15

الاحتلال والمستوطنات هي الأسباب الجذرية لمحنة العمال الفلسطينيين

| جهاد عقل

دراسة مهمة للاتحاد الدولي للنقابات:

البداية

من خلال متابعتي والاطلاع على العديد من الدراسات والتقارير التي تتناول أوضاع العمال في فلسطين المحتلة يمكنني القول بأن الدراسة التي قام بها الاتحاد الدولي للنقابات هي الأهم من بين هذه الدراسات، لشموليتها ووقوفها بجرأة على مختلف المخالفات الإسرائيلية في قضايا التشغيل والاستيطان ومصادرة الأراضي، ومخالفة دولة الاحتلال للقانون الدولي والاتفاقيات الدولية وانتهاكها للقرارات الدولية، بما في ذلك استغلال القوى الفلسطينية العاملة داخل إسرائيل وفي المستوطنات الاحتلالية.

صدرت الدراسة يوم الاثنين 12 نيسان 2021 بعنوان: "حقوق العمال في الأزمات- العمال الفلسطينيون في إسرائيل والمستوطنات"، وتقع الدراسة في 38 صفحة غير صفحات "الحواشي"، ومعها يصل العدد إلى 40 صفحة، كما تم هذا البحث بدعم من "الاتحاد النرويجي لنقابات العمال"، ونفذته الباحثة ريا الصانع.

في بيان الاتحاد الدولي للنقابات الذي صدر عنه في مقره في بروكسل عاصمة بلجيكا في التاريخ أعلاه جاء: "كشف تقرير جديد صادر عن الاتحاد الدولي للنقابات عن استغلال فاضح للعمال الفلسطينيين الذين يعملون داخل إسرائيل وفي المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية على الأراضي الفلسطينية".

إن ارتفاع معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يترك للفلسطينيين سوى القليل من البدائل لشغل وظائف في إسرائيل والمستوطنات، ويحاول أكثر من 130.000 شخص كسب لقمة العيش بهذه الطريقة.

يكشف التقرير عن حقيقة الأسباب الجذرية لمعاناة العمال الفلسطينيين، وهي:

1-  انخفاض الأجور.

2-  سوء الصحة والسلامة المهنية.

3-  الإذلال بسبب الاضطرار إلى الوقوف في طوابير عند المعابر الحدودية لدخول إسرائيل.

4-  الفجوات في الحماية الاجتماعية ونظام سماسرة العمل القمعي الذي لا يزال العديد من العمال مجبرين على استخدامه، على الرغم من إزالة النظام من قبل السلطات الإسرائيلية في قطاع البناء.

وفي تعليقها على التقرير قالت شاران بورو الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات: "إنّ استمرار

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمستوطنات غير القانونية هي الأسباب الجذرية لمحنة هؤلاء العمال الذين يعتمدون على إسرائيل في كسب عيشهم، وأفراد الأسرة الذين يعتمدون عليهم بدورهم".

وأضافت بورو: "فقط عندما تصبح فلسطين دولة مستقلة قائمة إلى جانب إسرائيل بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة يمكن أن يزدهر اقتصادها، ولن يضطر شعبها إلى الاعتماد على وظائف دون المستوى المطلوب.

إن استئناف الإدارة الأمريكية للدعم المالي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) سيحدث فرقًا كبيرًا في فلسطين، لكن العمال الفلسطينيون الذين يعتمدون على إسرائيل للتوظيف يستحقون معاملة عادلة وأجورًا لائقة واحترام حقوقهم الأساسية، علاوة على ظلم الاحتلال، يواجه العمال الفلسطينيون في إسرائيل والمستوطنات غير الشرعية ظلمًا في العمل أيضًا، يجب على إسرائيل أن تفي بالتزاماتها بموجب القانون الدولي".

وأضافت: "لا بُدّ من إنهاء هذا الوضع المخزي! وإننا جميعًا نحتاج إلى تأكيد الشعور الملّح في العناية بالحقوق العمالية، فمن المهم التخلص من وصمة هذه الأوضاع وعلى الفور، كما نعيد التأكيد على دعوة الحكومات الدولية للتغلب على الفشل في إنهاء الاحتلال، وضمان الاعتراف بفلسطين كدولة ذات سيادة تماشيًا مع قرارات مجلس الامن".

تقرير شامل

يشمل التقرير المدعم بالوثائق العديد من الفصول، أولها: "فرص العمل في قطاع غزة والضفة الغربية وإسرائيل والمستوطنات"، تقدم فيه الباحثة استعراضا مع معطيات إحصائية عن القوى العاملة الفلسطينية والبطالة، وأن 453 الف عامل وعاملة في فلسطين فقدوا وظائفهم في حلول شهر نيسان 2020، أي مع انتشار جائحة كوفيد 19، ويشمل الفصل استعراضًا شاملًا للظروف التي تواجه القوى العاملة الفلسطينية، من نظام التصاريح والفحوصات الأمنية وربط العمال بأصحاب العمل في قطاعات محددة، وعبور نقاط التفتيش وربط موضوع حصول العامل على تصريح بالموضوع الأمني.

وعن ذلك جاء: "تستخدم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أيضا التصاريح وحصول العمال على سُبُل كسب العيش كورقة ضغط لممارسة الابتزاز السياسي، ويتوقف إصدار التصاريح على حيازة بطاقة هوية بالسمات الحيوية، واجتياز فحص أمني من قبل المنسق الإسرائيلي للأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية، وهو ذراع لأنشطة التنسيق العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما يجبر كل فلسطيني يسعى إلى ممارسة الحق في العمل والحركة إلى تسليم بياناته البيومترية إلى جهاز الأمن الإسرائيلي لاستخدامها على نحو غير معروف".

كما تتناول الدراسة موضوع مستويات الدخل والتمييز في الأجور والاقتطاعات من الأجور، والضبابية التي تستعملها إسرائيل في قضية الكشف عن حقيقة مبالغ تلك المقتطعات، وموضوع الحماية الاجتماعية والحرمان من الحصول عليها، مثل الأيام المرضية والعطلة السنوية والحقوق التقاعدية، وموضوع السلام والصحة المهنية، وحوادث العمل التي يتعرض إليها العمال الفلسطينيون بسبب عدم توفير وسائل الوقاية والأمان، واضطرارهم إلى الخروج من بيوتهم في ساعات الفجر والانتظار على الحواجز العسكرية ساعات سفر طويلة.

فصول الدراسة شاملة، شملت موضوع العدالة والمعاناة من أجل الوصول إلى محاكم العمل والدعم الحكومي لأصحاب العمل من خلال تغيير بنود القانون، والفرض على العامل الذي يتقدم إلى المحكمة ضد صاحب العمل بإيداع مبالغ مالية عالية، الأمر الذي يفتقده العامل.

وفي فصل "العمالة غير الموثقة: حالات الشعور باليأس"، يجري بحث قضية العمال دون تصاريح الذين يتعرضون إلى الاستغلال وفقدان الحقوق، هذا بالإضافة إلى تعرضهم إلى المخاطر الأمنية واحتمال إطلاق النار عليهم.

ويشمل الفصل "العمال الفلسطينيون في المستوطنات غير القانونية– دراسة متعمقة" بحث قضية الاستيطان غير الشرعي، وإقامة إسرائيل 132 مستوطنة احتلالية و124 بؤرة استيطانية أخرى، هذا بالإضافة إلى توطين أكثر من 220,000 مستوطن إسرائيلي في القدس الشرقية المحتلة، وما يرتبط بذلك من المكاسب والخسائر، وتكلفة المستوطنات غير القانونية والتعامل مع المستوطنات، ومستوطنات غير قانونية بحسب القانون الدولي، وجاء تحت هذا العنوان: "تكتسي جميع المستوطنات الإسرائيلية بعدم الشرعية بموجب القانون الدولي، تحظر لائحة لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة بناء المستوطنات تحت الاحتلال وتعتبرها جرائم حرب، ومن خلال العديد من القرارات، يواصل مجلس الأمن الدولي الدعوة إلى انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة (بما في ذلك القدس الشرقية والجولان السوري)، لكن الحكومة الإسرائيلية لا تنصاع إلى هذه القرارات".

وفي فصل "خصخصة الاحتلال: الحوافز المُقدمة للشركات داخل المستوطنات"، تتناول الدراسة كيفية قيام الحكومات الإسرائيلية بتقديم الدعم للشركات الإسرائيلية والدولية الخاصة التي تقيم لها مصانع على الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال منحها المنح المالية والإعفاءات الضريبية التي تصل إلى ملايين الدولارات كل عام، كما هو الحال في الإعانات والإعفاءات الضريبية التي تمنحها للمستوطنين، لكن تلك الشركات تتنامى أرباحها بسبب حصولها على أيد عاملة فلسطينية بتكلفة زهيدة ودون عقود عمل أو حقوق.

وفي فصول السياحة والزراعة، تقدم الباحثة العديد من المعطيات التي يخسرها الجانب الفلسطيني، خاصة في المجال الزراعي، من خلال  مصادرة الاحتلال للأراضي الفلسطينية الخصبة في غور الأردن، وتقليل المساحات الزراعية لدى المزارع الفلسطيني، بالإضافة إلى مصادرة المياه الجوفية وتقنينها لما تبقى من أراض للمزارع الفلسطيني.

الفصل "العمال الفلسطينيون في إسرائيل- دراسة متعمقة" هو الفصل الختامي والمهم والشامل الذي يكشف لنا ويؤكد العديد من الحقائق بخصوص انتهاك حقوق العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات الاحتلالية، وكيف قامت إسرائيل بتجفيف سوق العمل الفلسطيني وتحويله إلى سوق استهلاكي غير منتج، مما أدى إلى فقدان فرص عمل كافية وانتشار البطالة واستفحالها، وفرض نظام التصاريح وتنامي ظاهرة السماسرة وسط إغفال متعمد من قبل سلطات الاحتلال، وجميع المؤشرات تشير إلى أنها تنمو بتشجيع منها. كل هذه القضايا تعرض العامل الفلسطيني إلى الاستغلال من قبل مُشَغّلين جل همهم جني الأرباح.

كما ذكرنا في البداية، كل فصل من فصول هذ الدراسة بحاجة إلى استعراض خاص، لكن الأمر الذي لا يمكن التغاضي عنه هو أن مجمل الدراسة يكشف حقيقة السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى السيطرة على الأراضي العربية المحتلة وعلى القوى العاملة الفلسطينية، لتبقى مخزونًا وافرًا لأيد عاملة رخيصة تعمل في السوق السوداء لصالح قوى رأس المال.

فيما يلي "التوصيات" التي يقدمها الاتحاد الدولي للنقابات كنتاج لهذه الدراسة، ولنا تحفظات على بعضها لكننا نقدمها كما جاءت في التقرير:

1- يواصل الاتحاد الدولي للنقابات إدانته لعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات في فلسطين المحتلة، ويدعو المجتمع الدولي إلى دعم الجهود للدفاع عن حل الدولتين استنادًا إلى قراري مجلس الأمن رقم 242 و 338 والعودة إلى حدود ما قبل عام 1967، والإبقاء على القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

2- المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، ويتسبب التعامل مع المستوطنات في إدامة وجودها بما يتعارض مع القانون الدولي، واتساقًا مع القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، لا بُدّ للشركات والمستثمرين من إنهاء تواطئهم داخل المستوطنات غير القانونية، ومعها لا بُدّ لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الاضطلاع بدوره في مراقبة وتوسيع القائمة في قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات التي تعمل داخل المستوطنات.

3- يُعَد نظام التصاريح الحالي بمثابة مثال صارخ من أمثلة القمع والاستغلال، ومن ثمّ لا بُدّ من إصلاحه. يدعو الاتحاد الدولي للنقابات الحكومة الإسرائيلية إلى الالتزام بالمبادئ العامة لمنظمة العمل الدولية والمبادئ التوجيهية التنفيذية للتوظيف العادل وقوانين التوظيف العادلة بشأن التوظيف المباشر بغية القضاء على الممارسات الحالية، والاستعانة بسماسرة العمل الاستغلاليين لتوظيف العمال الفلسطينيين في إسرائيل. تنص المبادئ في جملة أمور أخرى على ألا يتحمل العمال أو الباحثون عن العمل رسوم التوظيف أو التكاليف ذات الصلة، وألا يكون التوظيف وسيلة لخفض معايير العمل أو الأجور أو وسيلة للتدني في ظروف العمل، وتُعَد التغييرات الأخيرة التي أدخلتها الحكومة الإسرائيلية على النظام بمثابة خطوة إيجابية.

4- من الضروري تحويل استقطاعات استحقاقات الأجور التي يحصل عليها العمال الفلسطينيون في إسرائيل بشكل عاجل إلى العمال الفلسطينيين، يدعو الاتحاد الدولي للنقابات إلى إسناد مراجعة استحقاقات الأجور إلى شركة دولية لتحديد قيمة المبلغ المُستَحَق للعمال الفلسطينيين في إسرائيل. لا بُدّ من تعاون الشركاء الاجتماعيين مع الحوار الاجتماعي لضمان تحويل استقطاعات الأجور على النحو الواجب للعمال.

5- يدعو الاتحاد إلى وضع حد أدنى للأجور مستندًا على قرائن العمال في فلسطين، وكذلك تطوير نظام شامل للحماية الاجتماعية في الضفة الغربية.

6- طالب الاتحاد الدولي النقابات بضرورة ضمان الصحة والسلامة المهنية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل.