2021-05-11

اليهود المتطرفون ومخاطر تدمير الأقصى

| د. ماهر الشريف

تحسباً لقيام جماعات اليهود المتطرفين من أنصار بناء "الهيكل الثالث" باقتحام باحات المسجد الأقصى في يوم الاثنين في 10 أيار/مايو الجاري، للاحتفال بذكرى احتلال إسرائيل لمدينة القدس بحسب التقويم العبري، توافد إلى مدينة القدس الشرقية بضعة آلاف من فلسطينيي مدن وبلدات مناطق 1948، يتقدمهم نواب"القائمة المشتركة" في الكنيست، ورئيس "لجنة المتابعة العربية" وعدد من أعضائها.

ومع أن الشرطة الإسرائيلية منعت التظاهرة التي كان ينوي تنظيمها هؤلاء المتطرفون اليهود، إلا أنه وقعت اشتباكات عنيفة في باحات المسجد الأقصى وبعض أحياء مدينة القدس الشرقية بين المتظاهرين الفلسطينيين وأفراد الشرطة الإسرائيلية، أسفرت عن سقوط أكثر من ثلاثمائة جريح فلسطيني، نقل عدد كبير منهم إلى مستشفى المقاصد، وكانت جراح بعضهم خطيرة.

وكانت الجماعات اليهودية المتطرفة التي دعت لتلك التظاهرة ترى في الاحتفال باليوم الذي تسميه بـ "يوم أورشليم" مناسبة لتأكيد عزمها على السيطرة على المسجد الأقصى، ورفع الأعلام الإسرائيلية وترديد النشيد الصهيوني "هاتكفا" في باحاته. وقال فريد عساف، المتحدث باسم إحدى المجموعات المنظمة للتظاهرة، أنه كان يطمح إلى أن يرى آلاف المستوطنين يقتحمون المسجد "لانتزاعه من العرب وإخضاعه مرة أخرى لسيطرتنا"، مؤكداً أن إزالة الحواجز العسكرية في باب العامود "ليس انتصارًا للفلسطينيين بل خطوة إلى الوراء اتخذها نتنياهو".

الحاخام يهودا غليك و"مجيء المسيح إلى الأرض"

بعد انتهاء حرب 1967، أخبر الجنرال شلومو غورين، الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي، رئيس القيادة الوسطى في الجيش الجنرال عوزي نركيس أنه، بعد احتلال إسرائيل لمدينة القدس القديمة، حان الوقت لتفجير المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وتوجه إليه بالقول: "افعل هذا وستصنع التاريخ". ووفقاً للكاتب توم سيغيف، فإن غورين اعتقد أن تدمير الموقع لا يمكن أن يتم إلا تحت ستار الحرب: "غدًا قد يكون الأوان قد فات". ومع أن نركيس رفض طلب غورين هذا، إلا أنه وافق على هدم حي المغاربة في القدس بما يجعل "حائط المبكى" في متناول اليهود الإسرائيليين، وتمّ بالفعل هدم حوالي 135 منزلاً ، فضلاً عن العديد من المساجد وتعرض أكثر من 700 فلسطيني للتطهير العرقي كجزء من العملية.

في سنة 1969، قام أحد المتطرفين القادمين من استراليا بإحراق المسجد الأقصى. وفي سنة 1984، تم القبض على مجموعة من المتطرفين من أعضاء "الحركة السرية اليهودية " بتهمة التآمر لاستخدام متفجرات لتدمير الأقصى وقبة الصخرة، كان من بينهم يهودا عتصيون، الذي أخذ لاحقاً على المجتمع الإسرائيلي عدم قبوله مثل هذا الفعل، مضيفًا أن مؤيدي الحركة السرية اليهودية "يجب أن يكونوا قوة جديدة تنمو ببطء شديد، وتحوّل نشاطها التعليمي والاجتماعي إلى قيادة جديدة". وبعد خروجه من السجن، أسس عتصيون حركة "تشاي فيكايام"، الرامية إلى "تشكيل الرأي العام كشرط أساسي لبناء هيكل ثالث في المجمع الديني لمدينة القدس القديمة حيث يقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة ".

الحاخام يهودا غليك، المولود في الولايات المتحدة، صديق يهودا عتصيون، ليس زعيمًا سياسيًا إسرائيليًا بارزًا، لكنه أخطر بكثير من ذلك؛ فهو يدعو إلى هدم المسجد الأقصى كي يقوم على أنقاضه "الهيكل اليهودي الثالث" الذي ينبئ، في نظره، بـ "مجيء المسيح إلى الأرض". وغليك هذا الذي تعرض لمحاولة اغتيال في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2014، هو، كما يكتب بيير هاسكي، واحد من آلاف هؤلاء اليهود "المجانين" الذين ينتهكون مشاعر واحد من أقدس المقامات الدينية بالنسبة إلى المسلمين، وكان قد اقتحم في أواخر كانون الثاني/يناير 2019 المسجد الأقصى على رأس مجموعة من أنصاره ضمن طقوس دينية تلمودية لمناسبة زفافه. وهو بدأ نشاطه بالالتفاف على القيود التي كانت تضعها الحكومة الإسرائيلية في الماضي لتقييد وصول اليهود إلى باحات المسجد الأقصى، إذ كان ينظم زيارات "سياحية" إلى باحات المسجد يومياً تقريباً، متحدياً الحظر الحكومي، ومؤكداً أن استمرار سيطرة المسلمين على هذا الموقع هو علامة على "ضعف" إسرائيل وعقبة في طريق "الفداء".

وبحسب الكاتب شارل إندرلان، في كتابه: "باسم الهيكل: الصعود الذي لا يقاوم للمسيانية اليهودية في إسرائيل 1967-2012"، الصادر في باريس سنة 2013، فإن في إسرائيل ما لا يقل عن "عشرين منظمة مسيانية مرتبطة بالهيكل" راحت تتأسس منذ سنة 1970. ومن ضمن هذه المنظمات "معهد الهيكل" الذي تأسس سنة 1987، وهو يدعو إلى "مواجهة العدوان المتعمد من المسلمين الذين يسيطرون على الجبل، بما في ذلك التدمير المحسوب للأدلة على الوجود اليهودي وبقايا الهيكل"، وينتقد بشدة "المحاولات المتتالية للحكومات الإسرائيلية للتنازل عن موقع الجبل"، مؤكداً أن وجود اليهود اليومي في باحات الأقصى هو "شاهد على الأهمية الكبرى لحرم الهيكل بالنسبة للشعب اليهودي وللحياة الروحية للبشرية جمعاء"، وهو "تذكير للحكومة الإسرائيلية ولجميع الشعوب المحبة للحرية في جميع أنحاء العالم بأن حقوقنا الأساسية وغير القابلة للتصرف في حرية ممارسة ديننا محرومة علينا ".

من حركة هامشية إلى حركة واسعة الانتشار

لقد تحوّلت الجماعات الدينية المتطرفة التي تروج علانية لتدمير الأقصى من حركة هامشية ومعزولة نسبيًا داخل الصهيونية إلى حركة واسعة الانتشار في إسرائيل، وخصوصاً بعد أن صار مسؤولون حكوميون إسرائيليون عديدون يساهمون في الجهود المبذولة لإزالة قبة الصخرة والمسجد الأقصى من أفق القدس الشرقية، من خلال محو هذا الموقع المقدس من الملصقات الرسمية واللافتات والمواد التعليمية. ففي سنة 2013، قال وزير الزراعة الإسرائيلي آنذاك أوري آرييل: "لقد بنينا الكثير من الهياكل الصغيرة ، لكن علينا بناء هيكل حقيقي على جبل الهيكل في الموقع الذي يوجد فيه المسجد الاقصى" لأنه "يأتي في طليعة الخلاص اليهودي". وكما قال ميكو بيليد ، المؤلف الإسرائيلي والناشط في مجال حقوق الإنسان، لموقع MintPress، فإن حركة تدمير الأقصى واستبداله بهيكل أعيد اختراعه "أصبحت ملحوظة بعد حرب 1967"، ومنذ ذلك الحين نمت هذه الحركة إلى "مشروع استعماري عملاق يستخدم الدين، والأساطير التوراتية ورموزها لتبرير نفسه، وهو مشروع يلقى الآن الدعم من الإسرائيليين المتدينين والعلمانيين".

وأضاف للموقع نفسه: "بعد أن أصبح "قلب" إسرائيل التوراتية تحت السيطرة الإسرائيلية، رأى الصهاينة المتدينون الذين كانوا مهمشين سابقًا أن مهمتهم هي استعمار هذه الأراضي التي تم احتلالها حديثًا، وأن يكونوا، إذا جاز التعبير، الرواد الجدد. لقد تولى الصهيونيون الاشتراكيون التنظير لاستعمار فلسطين وتخليصها من سكانها العرب الأصليين في السنوات التي سبقت قيام إسرائيل وحتى أوائل الخمسينيات. ولكن بعد أن اعتبر المتدينون "عودة" الخليل وبيت لحم ونابلس أو شكيم، والبلدة القديمة في القدس، بمثابة تدخل إلهي، رأوا أنه حان الآن دورهم لترك بصمتهم. بدأ الأمر بمجموعة صغيرة من المتعصبين اليهود الذين أجبروا الحكومة - التي كانت آنذاك صهيونية علمانية بعد 1967 - على قبول وجودهم في المناطق المكتظة بالسكان في الضفة الغربية. هكذا تم إنشاء بلدة كريات أربع. وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة كانت سعيدة بإرغامها على القيام بذلك، أي أن تقبل قيام مجموعة صغيرة اعتبرها الناس مجموعة مجانين هامشية، ببناء بلدة يهودية في قلب منطقة الخليل". وأضاف بيليد أن هذا النموذج، الذي استخدمته الجماعات الدينية المتطرفة التي أقامت مستوطنات غير شرعية في الضفة الغربية مثل كريات أربع، "تم استخدامه بنجاح منذ ذلك الحين، وتستخدمه الآن مجموعات تروج للهيكل الجديد في ساحة الأقصى"، مؤكدا أنه "بينما كانوا يعتبرون مجموعة هامشية قبل 20 أو 30 عاماً، فإنهم يتوقعون مشاركة أكثر من 50 ألف شخص في تحقيق هذا الهدف".

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد سمحت، منذ سنة 2003، لجماعات المتدينين اليهود المتطرفين بدخول باحات المسجد الأقصى في كل يوم من أيام الأسبوع، باستثناء يومي الجمعة والسبت، وهو ما شجع هذه الجماعات على القيام باقتحامات دورية للمسجد تتم غالباً عبر باب المغاربة وبمرافقة أفراد الشرطة الإسرائيلية. واكتسبت الجهود المبذولة لتدمير الأقصى زخمًا في إسرائيل في السنوات الأخيرة، بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإعلانه ما سمي بـ "صفقة القرن"، وتناغم إدارته مع طروحات "المسيحيين الصهيونيين" والجماعات اليهودية المتطرفة. فبحسب مدير عام الأوقاف في القدس، الشيخ عزام الخطيب، فإن 18526 متطرفًا يهوديًا اقتحموا باحات المسجد خلال سنة 2020، تحت حماية القوات الإسرائيلية، وأكد "إن التوترات والاعتداءات في قلب المسجد الأقصى قد انتشرت خلال العام الجاري رغم الأزمة الصحية العالمية".

ويوافق رمزي بارود - الباحث ومؤسس The Palestine Chronicle – على وجهة النظر القائلة بأن حركات "الهيكل الثالث" أو حركة "نشطاء الهيكل" قد نمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة وأصبحت ذات شعبية متزايدة في إسرائيل، ويقول لموقع MintPress: "كانت هناك زيادة هائلة في عدد اليهود الإسرائيليين الذين دخلوا قسراً إلى ساحة المسجد الأقصى للصلاة وأداء المناسك المختلفة. في سنة 2017 وحده ، زار أكثر من 25000 يهودي المجمع - برفقة الآلاف من الجنود والشرطة - مما أدى إلى اشتباكات عديدة أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين. منذ سنة 2017 ، كانت الزيادة في عدد اليهود الذين زاروا المجمع كبيرة جدًا مقارنة بالعام السابق ، عندما قام حوالي 14000 يهودي بالزيارة نفسها". وأضاف: "قامت حركة الهيكل المتشددة بالكثير لجذب المجتمع اليهودي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة. في وقت من الأوقات كانت حركة تافهة، ولكن مع صعود اليمين المتطرف في إسرائيل، أصبحت أفكارهم الدينية وأيديولوجياتهم وتطلعاتهم جزءًا من التيار الإسرائيلي السائد". ونتيجة لذلك قال بارود: "بات هناك حماس متزايد بين اليهود الإسرائيليين وهو بالتأكيد لا يحدث على هامش المجتمع، ولكنه في الحقيقة جزء من التيار السائد، أكثر من أي وقت مضى، للسيطرة على المسجد الأقصى وهدمه وإعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم".

وهكذا، يزداد بصورة جدية الخطر على المسجد الأقصى جراء تصاعد محاولات المتطرفين اليهود اقتحامه وإقامة شعائرهم الدينية فيه، تحت حماية شرطة الاحتلال، وعزمهم على بناء "الهيكل الثالث" مكانه، كما يواجه المسجد مخاطر الانهيار، إذ أثبتت الدراسات الميدانية أن التصدعات والشقوق في المباني والمساكن الموجودة في الجهة الجنوبية من الأقصى، إضافة إلى عدد من البيوت التاريخية الملاصقة للسور الغربي للمسجد، تزداد وتتسع، نتيجة أعمال الحفر الإسرائيلية التي تتواصل في مناطق عدة من البلدة القديمة، وهو ما يجعل من حماية هذا الموقع الديني المقدس مهمة كفاحية ذات أهمية قصوى، وهي مهمة تندرج في إطار النضال الوطني العام من أجل تحرير جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل في سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية، وفرض السيادة الفلسطينية عليها.

المراجع:

https://www.nouvelobs.com/rue89/rue89-monde/20141030.RUE6416/a-jerusalem-le-reve-explosif-des-activistes-du-troisieme-temple.html

https://www.mondialisation.ca/en-israel-la-pression-pour-detruire-la-mythique-mosquee-al-aqsa-a-jerusalem-se-generalise/5638932

https://www.latribune.fr/depeches/reuters/KBN2CR0T6/des-violences-eclatent-a-la-mosquee-al-aqsa-alors-qu-israel-celebre-la-journee-de-jerusalem.

https://www.alvinet.com/similaires/les-groupes-extremistes-juifs-appellent-a-envahir-massivement-al-aqsa-le-28-ramadan/58771844

https://www.aa.com.tr/fr/monde/al-quds-des-centaines-de-colons-isra%C3%A9liens-envahissent-la-mosqu%C3%A9e-al-aqsa-/1614457

https://www.trouvetamosquee.fr/9la-mosquee-al-aqsa-est-en-grand-danger45/

https://www.trt.net.tr/francais/moyen-orient/2020/07/22/al-quds-des-colons-juifs-envahissent-la-mosquee-al-aqsa-1460044