2021-05-31

   الجيش الإسرائيلي، صنع في الولايات المتحدة..

المساعدات الأمريكية تغذّي جيش الاحتلال. هل يمكن أن تصبح أيضًا نقطة ضغط من أجل السلام؟

| صالح بوكر وويليام دي هارتونغ*

ترجمة خاصة بـ"الاتحاد" الحيفاوية: ليانا خوري

العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 200 فلسطيني حتى الآن، من بينهم أكثر من 60 طفلاً أثار مرة أخرى مسألة دور الولايات المتحدة في تمكين إسرائيل من قتل المدنيين، ولكن في حين أنه من المعروف أن الولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للمساعدات لإسرائيل، فإن المدى الذي يعتمد فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي على الطائرات والقنابل والصواريخ الأمريكية لم يتم تقديره بشكل كامل.

أشارت الإحصاءات التي أجراها مركز مراقبة المساعدة الأمنية، التابع لمركز السياسة الدولية، إلى أن الولايات المتحدة قدّمت لإسرائيل 63 مليار دولار كمساعدات أمنية خلال العقدين الماضيين، أكثر من 90 في المائة منها من برنامج التمويل العسكري الخارجي التابع لوزارة الخارجية، وهو برنامج المنح الذي يوفّر الأموال لشراء الأسلحة الأمريكية.

ولكن، إنّ الدعم الأمريكي لإسرائيل أكثر من ذلك بكثير، حيث تجاوز إجمالي المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لإسرائيل 236 مليار دولار (بالدولار المعدل حسب التضخم لعام 2018) منذ تأسيسها، ما يقرب من ربع تريليون دولار. إنّ الدعم المالي الأمريكي لم يساعد إسرائيل في تجهيز جيشها فحسب، بل تم استخدامه لدعم تطوير الصناعات العسكرية الإسرائيلية الخاصة بها، والتي تصنع، من بين أمور أخرى، طائرات بدون طيار مسلحة تم استخدامها لشن هجمات على أهداف في غزة.

يعتبر سلاح الجو الإسرائيلي مثالًا على ذلك الدعم، ووفقًا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية "IISS"، تمتلك إسرائيل 324 طائرة مقاتلة وطائرة هجومية، جميعها من أصل أمريكي: 83 طائرة بوينج إف -15، و224 لوكهيد مارتن إف -16، و16 لوكهيد مارتن إف -35. لذا، فإنّ الجواب على سؤال ما إذا كانت الطائرات التي قدمتها الولايات المتحدة قد شاركت في قصف غزة، لا يتطلب مشروعًا بحثيًا للإجابة بنعم بشكل قاطع. كما تمتلك إسرائيل مروحيات هجومية وطائرات نقل وقنابل دقيقة التوجيه وصواريخ جو - أرض. كما تعمل المساعدات الأمريكية على دعم سلاح الجو الإسرائيلي، حيث توفر وقودًا بقيمة مليارات الدولارات في إطار برنامج المبيعات العسكرية الخارجية بين الحكومات.

على الرغم من السلوك الإسرائيلي، لا تزال بوابة المساعدات مفتوحة على مصراعيها. تدخل إسرائيل في السنة الثالثة من مذكرة تفاهم معونة مدتها 10 سنوات بقيمة 38 مليار دولار تم التفاوض عليها في ظل إدارة أوباما وبايدن. لا تعقد الولايات المتحدة أي اتفاق مكتوب مماثل في ما يتعلق بالتزام مالي في المستقبل لمدة عقد من الزمن للاعتمادات الأجنبية أو المحلية.

في الخامس من شهر أيار/ مايو الجاري، تم إخطار الكونجرس بصفقة مزمعة بقيمة 735 مليون دولار لقنابل دقيقة التوجيه موجهة إلى إسرائيل. وقدم الممثلون ألكساندريا أوكاسيو كورتيز(ديمقراطية عن ولاية - نيويورك)، ورشيدة طليب (ديمقراطية عن ولاية ميتشيغان)، ومارك بوكان (ديمقراطي عن ولاية ويسكونسن) قرارًا بعدم الموافقة لمحاولة إيقاف البيع، كما قدّم السيناتور بيرني ساندرز إجراءً موازيًا في مجلس الشيوخ، وتعتبر هي المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ مثل هذه الخطوة في ما يتعلق بنقل الأسلحة إلى إسرائيل.

منذ قصفها لبيروت خلال غزو لبنان عام 1982 وحتى عملية الرصاص المصبوب في كانون الأول/ ديسمبر 2008، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1383 فلسطينيًا في غزة، من بينهم 333 طفلاً، تمكّنت إسرائيل من الإفلات إلى حد كبير من العواقب لإساءة استخدامها للأسلحة الأمريكية لإيذاء وقتل المدنيين على نطاق واسع.

إنّ الإضراب العام الأخير الذي قام به ملايين الفلسطينيين، والذي عززته المظاهرات الكبيرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، يعتبر أحدث مظهر لسنوات من التنظيم من قبل الفلسطينيين وحلفائهم لتغيير سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل.

تطالب منظمات مثل الحملة الأمريكية من أجل الحقوق الفلسطينية، الصوت اليهودي من أجل السلام، ومشروع عدالة، منذ فترة طويلة بقطع المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، كما انضم إليهم حلفاء في جميع أنحاء الحركة التقدمية الأمريكية الأوسع، بما في ذلك الحركة من أجل حياة السود (Movement for Black Lives)، التي صرحت بأن "النضال من أجل حقوق الفلسطينيين وكرامتهم جزء لا يتجزأ من النضال من أجل حقوق الإنسان في كل مكان" وطالبت بأن "تجرد الولايات المتحدة 3.8 مليار دولار من الدولارات العامة التي تذهب إلى إسرائيل في التمويل العسكري كل عام".

أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مؤخرًا، تقريرًا رائدًا، أكد أن بعض إجراءات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة أدت إلى "حرمان [شديد] لدرجة أنه يرقى إلى جرائم الفصل العنصري والاضطهاد ضد الإنسانية". وفي الشهر الماضي، أصدرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهي مؤسسة بحثية مركزية بارزة، تقريرًا يدعو إلى "نهج قائم على الحقوق" للسياسة الأمريكية بشأن إسرائيل / فلسطين "من شأنه أن يعطي الأولوية لحماية حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين والأمن البشري".

بدأ المشهد السياسي في الكونجرس يتغير أيضًا. لا يزال هناك الكثير من الدعم غير النقدي لإسرائيل في الكابيتول هيل، لكن الأرضية تتغير.

اعتدنا أن ننظر إلى أبعد مدى للحصول على دعم صريح لحقوق الفلسطينيين في مجلسي النواب والشيوخ، ولكن في 14 أيار/مايو، ناشدت مجموعة من أعضاء مجلس النواب، تشمل النواب من الحزب الديمقراطي، طليب، عمر، أوكاسيو كورتيز، بوكان، كوري بوش وأيانا بريسلي إدارة بايدن للاعتراف بالحقوق الانسانية الأساسية للفلسطينيين والضغط أكثر على إسرائيل لوقف العدوان والقتل.

قالت طليب في خطاب لاذع: "لا يمكننا إجراء محادثة صادقة حول الدعم العسكري الأمريكي للحكومة الإسرائيلية دون الاعتراف بأن كارثة التهجير ونزع الصفة الإنسانية للفلسطينيين مستمرة في وطنهم منذ عام 1948، يجب أن نشترط المساعدة لإسرائيل بشأن الامتثال لحقوق الإنسان الدولية وإنهاء الفصل العنصري".

كما دعا السيناتور ساندرز عبر صحيفة نيويورك تايمز إلى "نهج عادل، وهو نهج يدعم ويعزز القانون الدولي في ما يتعلق بحماية المدنيين، وكذلك القانون الأمريكي الحالي الذي ينص على أن توفير المساعدة العسكرية الأمريكية يجب ألا يسمح انتهاكات حقوق الإنسان". حتى تطبيق قوانين حقوق الإنسان الأمريكية الحالية في ما يتعلق باستخدام إسرائيل للأسلحة الأمريكية يمكن أن يقطع شوطًا طويلاً نحو إنهاء الإفلات من العقاب في استخدام الأسلحة الأمريكية.

ولعل أكبر علامة على التقدم في الكونجرس تأتي من مشروع القانون الجديد للنائبة بيتي ماكولوم (نائبة عن الحزب الديمقراطي في ولاية مينيسوتا)، والذي يحظر استخدام الأموال الأمريكية للتمكين من انتهاك القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان. سيواجه مشروع القانون، الذي شارك في رعايته 18 شخصًا، معركة شاقة في الكونجرس، لكن "التلال مخصصة للتسلق"، ومع تنامي الضغط العام للمساءلة بشأن استخدام إسرائيل للمساعدات العسكرية، سيزداد دعم التشريع أيضًا.

وقالت مالكوم بكلمات واضحة وصريحة: "حان الوقت الآن لإرسال رسالة واضحة إلى الحكومة الإسرائيلية: لا يمكن استخدام دولار واحد إضافي من المساعدات العسكرية الأمريكية لهدم منازل الفلسطينيين، وضم الأراضي الفلسطينية، وتعذيب أو قتل الأطفال الفلسطينيين".

أعلنت الحكومة الإسرائيلية وحماس، الأسبوع الماضي، وقف إطلاق النار المتبادل في غزة، وهو هدف ضغطت عليه إدارة بايدن في محادثات خاصة مع بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين.

نحن نأمل أن يستمر وقف إطلاق النار، لكنه ليس القضية الوحيدة التي أثارها تسليح الولايات المتحدة للجيش الإسرائيلي. بشكل عام، كانت إدارة بايدن هادئة للغاية في مواجهة أعمال إسرائيل الوحشية المستمرة. يجب أن تستخدم النفوذ الذي توفره المساعدة الأمريكية لإسرائيل للضغط بقوة من أجل وضع حد للقمع في جميع أنحاء إسرائيل والأراضي المحتلة، ومحاسبة الحكومة الإسرائيلية على ما أشارت إليه منظمة العفو الدولية أنه قد يكون جرائم حرب ارتكبت في غزة.

* صالح بوكر، الرئيس والمدير التنفيذي لمركز السياسة الدولية (the Center for International Policy).

* ويليام دي هارتونغ، مدير برنامج الأسلحة والأمن في مركز السياسة الدولية (the Center for International Policy).

نقلا عن "الاتحاد" الحيفاوية