2021-06-04

"إسرائيل" دولة ديمقراطيّة جدّاً وعلمانيَّة ومسالمة أيضاً!

| سعود قبيلات

لم تكن جولة الصِّراع الأخيرة فضيحة لـ«إسرائيل» وحدها، بل لداعميها الدَّائمين أيضاً ورعاتها في العواصم الإمبرياليّة الغربيّة. كرَّر هؤلاء، طوال الوقت، مقولاتهم المستَهلَكَة عن «حقّ إسرائيل في الدِّفاع عن نفسها» و«الحفاظ على أمنها وبقائها».. الخ، وتجاهلوا أنَّ سبب هذه الجولة من الصِّراع كان – كما هو معروف – محاولة إسرائيلهم الاستيلاء عنوة على منازل مواطنين فلسطينيين في حيّ «الشَّيخ جرَّاح» في القدس المحتلّة، فهبَّ أصحاب هذه المنازل للدِّفاع عن أنفسهم وعن منازلهم وبقائهم فيها.. بوسائل سلميّة.

هؤلاء النَّاس – كما هو واضح – لا أهمِّيَّة لهم بالنِّسبة لعواصم الغرب الَّتي لا تملّ من التَّشدّق بالحديث عن الحرّيّات وحقوق الأنسان، كما أنَّه ليس لهم حقّ الدِّفاع عن أنفسهم وعن بقائهم في منازلهم! المهمّ هو «حقّ إسرائيل في الدِّفاع عن نفسها وضمان أمنها وبقائها» فقط!

ولكن، لماذا نستغرب؟ واقعة الشَّيخ جرَّاح نموذج مصغَّر لما كان قد جرى لفلسطين كلّها؛ حيث وافق هذا الغرب نفسه آنذاك على اقتلاع شعب فلسطين مِنْ أرضه وتشريده وتشتيت شمله لتُقام على أنقاضه «دولة إسرائيل» هذه الَّتي يحرصون على أمنها وبقائها ويتحمَّسون لـ «حقّها في الدِّفاع عن نفسها»!

ولو سألتهم عن سبب إصرارهم الدَّائم على هذا الموقف المعيب المنحاز باستمرار لصالح «إسرائيل» وضدَّ الحقوق المشروعة للشَّعب الفلسطينيّ، لقالوا لك لأنَّ «إسرائيل» دولة ديمقراطيّة علمانيّة، بل هي واحة الدِّيمقراطيّة في الشَّرق الأوسط!

نعم، «إسرائيل» دولة ديمقراطيّة جدّاً؛ وذلك ليس فقط بسبب مواظبتها على استخدام صندوق الاقتراع.. صندوق الاقتراع، أصلاً، لا يصنع ديمقراطيّة بالضَّرورة.. كما هو معروف؛ فعن طريقه كان قد وصل إلى سدّة السُّلطة كلٌّ مِنْ هتلر وموسوليني ونابليون الثَّالث («نابليون الصَّغير»، كما أسماه فيكتور هوغو)، وبوش الصَّغير ودونالد ترامب.. وما إلى ذلك؛ بل هي، على وجه الخصوص، «ديمقراطيَّة» بممارساتها السِّياسيّة والعسكريّة والأمنيّة العدوانيّة الَّتي لا يتردَّد الغرب في دعمها وتأييدها، ناهيكم عن أنَّ بعض دوله يمنَع نقدها على نحوٍ يكاد يكون «تكفيريّاً»، ويُحاكَم مَنْ يقترفون مثل هذه «الموبقة» ويُعاقبهم.. بلا رأفة!

نعم، «إسرائيل» دولة ديمقراطيّة، ولها أيضاً «عيد استقلال» تحتفل به كلَّ عام بمسمَّى «يوم الاستقلال»، ويحتفل الغرب به معها، متجاهلاً أنَّ الوجه الآخر لهذه العِملَة الرَّديئة هو يوم نكبة الشَّعب الفلسطينيّ. ولذلك، فإنَّ أيّ عين إنسانيّة منصفة لا يمكن أن ترى ذلك الاحتفال إلا كطقس وحشيّ بدائيّ يرقص فيه القتلة فرحين حول جثمان ضحيّتهم الممدَّد على الأرض.

الخامس عشر مِنْ أيَّار («يوم الاستقلال» المزعوم) هذا، الَّذي مرَّ قبل نحو أسبوعين بينما كانت الطَّائرات «الإسرائيليَّة» تغير على غزَّة وتقصف أبراجها ومبانيها وتقتل سكّانها، إنَّما هو اليوم الَّذي اقترنت به أكبر عمليَّة تهجير جماعي قسريّ (ترانسفير) في العصر الحديث. ولا يزال الجرح الَّذي صنعته هذه المأساة الإنسانيَّة الفادحة مفتوحاً وبعيداً عن المداواة بأيّ حلٍّ إنسانيٍّ حقيقيٍّ وعادل، رغم كلّ القرارات الدَّوليَّة الَّتي اُتُّخِذَتْ في هذا الشأن منذ أكثر مِنْ سبعة عقود، وأبرزها القرار 194 الَّذي نصّ على حقّ العودة والتَّعويض للَّاجئين الفلسطينيين.

15 أيَّار، بالأحرى، ليس يوم النَّكبة الفلسطينيَّة فقط، أو حتَّى يوم ضياع فلسطين حَسْب؛ إنَّه، أكثر مِنْ ذلك، يوم النَّكبة العربيَّة الشَّاملة؛ اليوم الَّذي دُشَّن فيه ارتهان أمّتنا بمجملها لمعادلات ظالمة مفروضة عليها من الخارج، مِنْ أجل اختلاق «إسرائيل» ثم ضمان «حقِّها في الدِّفاع عن نفسها». ولقد صاحبت ذلك اليوم الكئيب وتلته – كما هو معروف – حروبٌ ومآسٍ وويلاتٌ كثيرةٌ عانت منها شعوبنا العربيَّة طويلاً (ولا تزال)، وبحُجَّة مواجهة تبعاته فُرِضَ عليها العيش في حالة استثنائيَّة.. سياسيَّة وأمنيَّة شاملة ودائمة.

منذ غُرِس هذا الكيان الدَّخيل في موضع القلب مِنْ وطننا العربيّ، أصبح من المتعذِّر على أمّتنا أنْ تعيش بصورة طبيعيَّة، وأنْ تتطوَّر، وتتقدَّم، وتتجاوز عثراتها، وتتغلَّب على مشكلاتها، وتحقِّق طموحاتها.. مثل سواها من الشّعوب والأمم.

منذ ذلك اليوم الأليم من العام 1948، وكلّ الأحلام والطّموحات والأشواق العربيَّة مؤجَّلة، والحياة العربيَّة محكومة بـ «قانونٍ» طارئ، مقحم عليها من الخارج.. هو «قانون» بقاء «إسرائيل» و«ضمان أمنها» وتفوّقها على محيطها، وكذلك ضمان تدفّق النَّفط العربيّ (وعوائده) إلى الغرب الإمبرياليّ بلا قيود أو عوائق.

نعم، «إسرائيل» ديمقراطيّة، أيضاً وأيضاً، لأنَّ هذا ما يقوله عنها ذلك الجزء المهيمن من العالم، الَّذي يسمِّي نفسه «العالم الحرّ»، بل وأكثر مِنْ ذلك يسمِّي نفسه «المجتمع الدوليّ» أيضاً! (باعتبار أنَّ مليارات البشر الآخرين هم لا شيء بنظره). ولأنَّه حرّ، وهو المجتمع الدَّوليّ كلّه، فيجب علينا أنْ نصدّقه ونقبل كلَّ تقييماته العجيبة، وخصوصاً عندما يقول إنَّ «إسرائيل» هي الدِّيمقراطيّة الوحيدة في محيطٍ من الدّيكتاتوريّات، ويحتفل معها بحماسٍ شديد بما تسمّيه يوم استقلالها. تماماً مثلما كان يسكت على جرائم نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا لأنَّه «ديمقراطيَّة بيضاء متحضِّرة» في محيطٍ من الدِّكتاتوريَّات الإفريقيَّة!

و«إسرائيل الدِّيمقراطيَّة» هذه هي دولة علمانيّة أيضاً!، بدليل أنَّها أقيمت بالاستناد إلى أسطورة عمرها آلاف السِّنين لم يدعمها حتّى لو دليل علميّ (أركيولوجيّ) واحد. وكما هو معروف، فتلك الأسطورة تزعم أنَّه في ذلك الزَّمن السَّحيق كانت قد قامت دولة يهوديّة على أرض فلسطين. ومع الأسف الشَّديد، فإنَّ كثيرين مِنْ أبناء جلدتنا يتعاملون مع هذه المزاعم التّوراتيّة الباطلة كمسلَّمات ثابتة، بل ومقدَّسة أيضاً، ويواصلون ترديدها كما لو أنَّها تاريخٌ حقيقيّ، ولا يلتفتون إلى كونها حُجّة لعدوِّنا علينا! ثمَّ إنَّهم، بعد ذلك، وبفهمٍ غريب، يتوقَّعون أنَّ بإمكانهم البناء عليها لدحض خلاصاتها الجائرة (!).

انظروا، على سبيل المثال، ردّ السَّيِّد محمود عبَّاس على الصَّهاينة الأميركيين و«الإسرائيليين»، عندما زعموا في حفل افتتاح السَّفارة الأميركيّة في القدس المحتلّة أنَّ القدس هي وطن الأجداد لليهود منذ ثلاثة آلاف سنة (!)، إذ قال معترضاً: هذا الكلام كذبٌ وتزوير؛ فأجدادنا الكنعانيّون وُجِدوا على هذه الأرض قبل ذلك!".

فيا لها مِنْ حجّة بائسة ومتهافتة؛ فهي تنطلق، أصلاً، من التَّسليم بصحّة الأسطورة التَّوراتيّة، ولا يبقى بعد ذلك سوى الجدال حول مَنْ كان قبل مَنْ، وحول ما إذا كان الكنعانيّون هم أجداد السَّيّد محمود عبّاس أم أنّهم شعبٌ آخر لا علاقة له به، أو أنَّ «الإسرائيليين» الحاليين هم أحفاد «الإسرائيليين» القدماء ودولتهم المزعومة أم لا.

وهذا، بلا شكّ، جدالٌ عقيم وخارج الموضوع. لو كانت المزاعم التَّاريخيّة تُرتِّب حقوقاً فعليَّة، لما بقي بلدٌ واحد في العالم على حاله. ولذلك، لا يقيم القانون الدَّوليّ وزناً لمثل هذه المزاعم. فكيف إذا كانت مبنيّة على أسطورة ليس لها أيّ سند علميّ.. كما هو الحال مع أسطورة الدَّولة اليهوديّة القديمة في فلسطين الَّتي لم تنجح كلّ الجهود المحمومة والحثيثة لباحثي الآثار «الإسرائيليين» في العثور على أيّ دليلٍ يؤكّدها؟!

إنَّ اللجوء إلى استخدام حججٍ دينيّةٍ، لنفي مزاعم الحقّ اليهوديّ التَّوراتيّ في فلسطين، أشبه بأن تضع في يد عدوّك سلاحاً فتَّاكاً ليستخدمه ضدّك. إنَّنا، في هذه الحالة، نلعب على أرض العدوّ وفي ملعبه وبقوانين لعبه، ونتطوَّع لمنح حججه وذرائعه الأسطوريَّة عن «الأرض الموعودة» شرعيّةً مجانيّة وصدقيَّة. وفي أقلّ الأحوال سوءاً، فإنَّ هذا يؤدِّي إلى تحويل المسألة برمَّتها إلى كلمة دينيّة مقابل كلمة دينيّة أخرى مضادّة، فتَلقى كلُّ منهما آذاناً صاغية لدى الطرف الَّذي يؤمن بها ومَنْ يناصره فقط. وبالنَّتيجة، نصبح، نحن والعدوّ الصّهيونيّ، على المستوى نفسه من الموقف الأخلاقيّ والحقوقيّ أمام باقي شعوب العالم ودُوَلِهِ.

بناء على الأسطورة التَّوراتيّة، الَّتي تشترك معها نصوص الأديان الأخرى في مدح «بني إسرائيل» وذمّ جميع الحضارات القديمة في المنطقة («الفرعونيَّة»، والكنعانيّة، والمؤابيّة، والعمونيّة، والبابليَّة، والأشوريَّة.. الخ)، يصبح مِنْ حقّ أيّ يهوديّ أنْ يأتي إلى فلسطين المحتلَّة، مِنْ أيّ بلد مِنْ بلدان العالم، ويتحوَّل فوراً إلى مواطنٍ أصليٍّ فيها، بينما يُحرَم أيّ مواطن مِنْ مواطنيها الأصليين الحقيقيين من العودة إلى وطنه الَّذي أُضطرّ إلى مغادرته في عمليّة ترانسفير همجيّة جرتْ قبل بضع عشراتٍ من السِّنين فقط، كما يُعامل كلّ مَنْ بقي منهم على أرضه، كمواطن من الدَّرجة العاشرة.. في أقلّ الأحوال سوءاً.

هذا المنطق الأعوج، لا يمكن مواجهته بمنطق دينيّ مضادّ، بل بالتَّعامل مع القضيَّة الفلسطينيّة

كقضيَّة تحرّر وطنيّ، وبالاستناد إلى القيم الحديثة المشتركة مع باقي البشر.. كقيم حقوق الإنسان والقانون الدَّوليّ ومجمل المبادئ والمفاهيم الَّتي توصَّلتْ إليها الشّعوب في العصر الحديث. هذه القيم والمبادئ، ترفض، مِنْ حيث المبدأ وبغضّ النَّظر عن المزاعم التَّاريخيّة والأساطير الدِّينيَّة، الاستيلاء على أراضي الغير بالقوّة، كما ترفض التّرانسفير وتعتبره جريمة ضدّ الإنسانيَّة، وتعترف بحقّ المقاومة بكلِّ أشكالها للشّعوب الَّتي تتعرّض بلدانها للاحتلال.

ورغم استناد «إسرائيل» إلى أسطورة دينيَّة، فإنَّ تزييف الوعي في الغرب قد بلغ حدّ اعتبارها دولة علمانيّة حقيقيّة! ويتواصل ذلك، حتَّى بعد إقرار «قانون يهوديّة الدَّولة» العنصريّ الَّذي أيَّدته الولايات المتَّحدة ودعمته وسكت باقي الغرب عنه!

لقد قام الكيان الصّهيونيّ «الدِّيمقراطيّ»، منذ نشأته وحتَّى الآن، باعتقال أكثر مِنْ مليون من «الأغيار» الفلسطينيين (وكم عدد الَّذين قتلهم يا تُرى؟)، ومارس الفصل العنصريّ (الأبارتايد) بأبشع صوره، ويواصل ممارساته القمعيّة وسياساته الوحشيّة بلا توقَّف؛ فيستولي على أراضي الفلسطينيين عنوة، ويعدمهم في الشَّوارع مِنْ دون محاكمات.. حتَّى لو صوريّة، ويأخذ «الأبرياء» بجريرة ذويهم من المقاومين ويهدم بيوتهم بروح همجيَّة، ويمنع حقّ العودة عن المهجَّرين إلى موطنهم الأصليّ.. بخلاف ما نصَّ عليه قرار الأمم المتَّحدة 194. وهذا بينما هو – بالمقابل – يمنح حقّ المجيء إلى فلسطين والاستيطان فيها لكلّ يهود العالم، بالاستناد إلى الأسطورة التَّوراتيّة وحدها وبلا أيّ سند آخر.

لم يبقَ لنتنياهو («عطا الله» العبرانيّ) إلا أنْ يأمر الشَّمس بتأخير مغيبها – كما في الأسطورة التَّوراتيَّة القديمة – ريثما ينتهي مِنْ إبادة كلّ مَنْ بقي على قيد الحياة من الفلسطينيين، ويتمكَّن مِنْ حَرْقِ بيوتهم.

ببساطة، «إسرائيل» ديمقراطيّة؛ لأنَّ المراكز الرَّأسماليّة الدَّوليّة منافقة وأنانيّة، فلا تحترم إلّا منطق القوّة ولا تهتمّ إلا بمصالحها الجشعة.

لكن، رغم ذلك كلّه، وحتَّى بعد ثلاثة وسبعين عاماً مِنْ قيام هذا الكيان الدَّخيل الغاصب، ورغم كلّ الدَّعم والمساندة الهائلين اللذين تلقَّاهما ويتلقَّاهما من القوى الإمبرياليَّة الدَّوليَّة وأدواتها المحليَّة، فإنَّه لم يتمكَّن مِنْ تجاوز حالة الوجود الطَّارئ الَّتي يعيشها منذ تأسيسه، ولم يصبح كياناً عاديّاً طبيعيّاً مثل كلّ الكيانات الأخرى في العالم؛ بل إنَّه لم يتمكَّن حتَّى من الخروج مِنْ هاجس الخوف مِنْ زواله والقلق الدَّائم على أمنه وبقائه (الَّتي تلخّصها مقولة «حقّه في الدِّفاع عن نفسه» البائسة المتهافتة)؛ ولذلك، نراه يواظب على استخدام كلّ ثقله الدَّوليّ ونفوذه وقوّته، وثقل وقوّة رعاته الإمبرياليين وأتباعهم، كي يحظى بالاعتراف به.. حتَّى مِنْ أصغر فصيل فلسطينيّ (أو عربيّ)! كما نراه، بعد كلّ حروبه العدوانيّة التَّوسّعيَّة، لا يجد سبيلاً إلى أمنه إلا بالانكماش مذعوراً خلف جداره العازل الَّذي أقامه قبل حوالي عقدين ليكون في الحقيقة سوراً لغيتو جديد طوعيّ!

نعم، «إسرائيل» دولة ديمقراطيّة جدّاً.. فما هي الفاشيّة إذاً؟!