2021-05-30

من غزّة إلى القدس

| محمود شقير

ثلاث عشرة قصة قصيرة جدًّا

مدينة

وأنا أمشي في أسواق القدس هذا الصباح، أراها متعدّدة الاحتمالات. أرى رجالاً ونساء من مختلف العصور، رجالاً من مختلف الأعمار ونساء من أزمنة شتّى. والنساء يبدو عليهنّ الحذر من احتكاكات جسديّة يشجّع عليها الاكتظاظ. وفي المدينة ينتشر الجنود هنا وهناك.

أعود بعد المشي المعتاد، لأجلس في مقهى باب العمود، في فسحة المقهى المطلّة على السوق. النادل منهمك في خدمة الزبائن. هل هو النادل نفسه أم شبيهه؟ (حكاية الشبيه منتشرة في شرق المدينة وفي غربها هذه الأيام).

أجلس وأتأمّل حجارة السور، يعروها اصفرارٌ ما. أراقب شبابيك البيوت التي تمتدّ أمام ناظريّ، شبابيك بعضها مغلق وبعضها مفتوح، وهي تخفي وراءها أسراراً وحكايات. أشرب شاياً، وأنظر نحو امرأة أجنبيّة نحيلة شقراء، تشرب قهوتها على مهل، تقلّب صفحات كتاب بين يديها، وتقرأ فيه باهتمام.

أنشر أوراقي أمامي. تنصرف المرأة (لعلّها قادمة من زمن آخر). أبقى في المقهى حتى المساء، وشبابيك البيوت على حالها لا تبوح بأي كلام.

انتساب

حينما ولدت كان عمر الحرب سنتين (ماذا لو أنني ولدت في زمن تنكز الناصريّ  أو الناصر صلاح الدين؟!). لا أتذكّر هزيمة 1967 لكنني أعيشها الآن. ولدت في حيّ لا يبعد من سور المدينة سوى مئات الأمتار. حيّ هادئ ملموم على نفسه مثل طفل وديع. قالت أمّي إنّ الدبابات مرّت في الشارع الرئيس، وكان الجنود يطلقون النار على البيوت. قالت: شبابيكنا التي تنفتح على الغرب انكسر زجاجها (لبيتنا شبابيك مستطيلة الشكل منتهية من أعلى بأقواس)، وكنّا نلوذ بغرفة ينفتح شبّاكها على الشرق، فلم يصبه الرصاص.

منذ عشرين سنة وأنا أكتب عن المدينة، وأرى ماضيها مختلطاً بحاضرها. أنا الآن في الخامسة والأربعين، عمر الحرب سبع وأربعون سنة. عمر المدينة أكبر من ذلك بما لا يقاس.

شرفات

شرفات البيوت في الحيّ القديم تتجاور كعادتها منذ سنوات. تتبادل كلّما خطر ببالها بعض الأسرار. والشرفات تحتمل حضور الغسيل كلّ يومين أو ثلاثة أيام، ولا تتذمّر من ضحك النساء كلّما استبدّت بهن رغبة في الضحك. وهي تحتمل همسهنّ الذي يطول في بعض الأحيان.

والشرفات لا تبدي انزعاجاً من جلوس الرجال، لتدخين النراجيل أو لقضاء بعض أوقات الفراغ. الشرفات تتطيّر من ظهور الأطفال بالقرب من حيطانها الواطئة، تخشى عليهم من الشغب العنيد، ومن احتمالات السقوط.

الشرفات تمعن في صمتها الحذر، لأنّ خمسة مستوطنين ظهروا في الشرفة المجاورة هذا الصباح، ولأنّ عيش الشرفات لم يعد منذ الآن كما كان.

لحى طويلة

يظهرون في الشرفة كلّ صباح. إنّهم خمسة ولهم لحى طويلة. يظهر معهم في بعض الأحيان ملتحون آخرون ونساء. ينظرون نحو البيوت المجاورة بعيون لا تبشّر باطمئنان. وفي الليل يعربدون ويطلقون رصاصاً في الفضاء. وحول البيت الذي استولوا عليه شبك من أسلاك، وأضواء كاشفة. سوزان يزعجها استمرار الضجيج وإطلاق الرصاص، وما يعقب ذلك من عربدة وهياج. خديجة تطلّ من شبّاك غرفتها وترفع صوتها في احتجاج. وعبد الرزّاق يرجوها أن تخفض صوتها. يقول لها: لا تفضحينا يا بنت الناس.

يهدأ الحيّ بعد منتصف الليل، وينام الجميع ما عدا واحداً من ذوي اللحى الطويلة، يضع لحيته تحت الغطاء فلا تعجبه الحال، يضعها فوق الغطاء، فلا تعجبه الحال، يظلّ منشغلاً بلحيته حتى الصباح.

اللحية

قال عبد الرزاق: لو أنّه اكتفى بالانشغال بلحيته لما كان لنا أيّ اعتراض. لو أنّ هذه هي مشكلته الوحيدة لقدّمنا له بعض اقتراحات. لو أنّه لم يقتل واحداً من شباب الحيّ حينما توهّم أنّ الشابّ يضمر له شرّاً، لقلنا إنّها لحيته وهو حرّ في علاقته بها.

والسؤال: ما الذي أتى به إلى هذا الحي؟ أما كان الأفضل لنا وله أن يأخذ لحيته ويعود بها من حيث أتى؟ هناك بوسعه أن يبلّلها بالماء، ينظّفها، يجفّفها، يعطّرها، يمشّطها، يتأكّد من خلوّها من القمل والحشرات، يأخذها معه إلى الكنيس، يأخذها معه في نزهة على شاطئ البحر، يحاورها، يصغي إليها، لا يلبّي لها طلباً، يعَرّضها للهوان، يعْرِضها للبيع بأبخس الأثمان، يفعل بها ما يشاء، مثلاً: يشعل فيها النيران.

قطرة ماء

شمل الأسرة مبعثر على نحو ما. ولد في طيّات المجهول. ولد في السجن. بنت في الرحلة مع الأصدقاء (أهلها صدّقوا أنّها عند زميلتها التي تدرس معها في الجامعة)، وهي لم تعد إلى البيت حتى الآن.

خديجة تقرأ القرآن بعد صلاة الجمعة، وزوجها يتابع أخبار التلفاز. الزوج مهموم لسبب ما، ينادي زوجته ولا مَن يُجيب النداء. أسمهان تواصل اللعب على الحاسوب، وفي المطبخ حنفيّة تنـزّ منها كلّ دقيقة قطرة ماء، تسقط في المجلى ولها ضجيج خافت رتيب، ربّما لمجرّد العبث أو لتذكير أهل البيت بأمرٍ ما.

هشاشة

أسمهان تمضي في الصباح إلى مدرستها. ترتدي مريولها الأزرق وجوربيها الأبيضين. تضع حقيبتها على كتفيها وتمضي، خدّاها متورّدان وشعرها مجدول على هيئة ذيل فرس. تخرج من باب البيت لتصطدم بالسياج الحديديّ الذي وضعه المستوطنون هنا منذ أيام. تضغط جسدها نحو الحائط لتمرّ بصعوبة عبر الزقاق. وهي تلتقي زميلاتها الأخريات اللواتي كنّ في انتظارها.

يمضين معاً إلى المدرسة، يدرجن فوق بلاط السوق مثل سرب حمام. يتحدّثن عن الدروس وعن الامتحانات، يبدين خشيتهن من معلّمة الرياضيات. يتحدّثن عن أحلامهنّ الليلية، أحلام بعضها سارّ وبعضها مثير للأسى. تتحدّث أسمهان عمّا يسبّبه المستوطنون لأسرتها من أذى، تصمت فجأة ثم تعتذر من زميلاتها، لأنّها أمعنت في الكلام، وما كان ينبغي لها أن تكسر في الصباح، هشاشة هذا الصباح.

فناجين

إنّهم خمسة، يظهرون في الشرفة وفي أيديهم بنادق سريعة الطلقات. يحدّقون في البيوت المجاورة بأعين تقول شيئاً ما. يجلسون في الشرفة على كراسي الخيزران. يسندون البنادق إلى الحائط. يشربون القهوة وهم صامتون. عيونهم وحدها تتحدّث. والبيوت ترمي بظلالها على الأزقة والطرقات، وهم لا يكترثون بما في المدينة من وداعة في هذا الصباح، يتركون الفناجين الفارغة في الشرفة، يقبضون على بنادقهم، ويغيبون.

يغيبون، ولا يظهرون مرّة أخرى إلا في المساء، شعر لحاهم مسترسل على هواه. وفناجين القهوة التي تركوها في الصباح، تبدو كما لو أنها تستشعر البرد أو تتطيّر من رؤى غريبة قد تقع ذات صباح أو ذات مساء.

دفء

مطر في الخارج ودفء في السرير، وهموم العيش مؤجّلة كلّها الآن. خديجة تعشق الضوء الخافت في مثل هذه الساعة من الليل. ربّما كان ذلك أفضل لمن بلغت السابعة والأربعين (يقول لها دوماً كأنّك ما زلت في الخامسة والعشرين). رفعت أغطية الصوف قليلاً، وتشمّمت صدره وقالت: تفوح منك رائحة السمك كأنّك لم تفرك جسدك بالماء والصابون بعد انقضاء النهار. قال لها وهو يتشمّم صدرها: تكفيني وتكفيك رائحة المسك التي تفوح منك. أعجبها الكلام، فازدادت اقتراباً منه، واستكانت لوقع المطر وهو يبلّل أرض الحيّ بعد انتظار.

اغتسال

مطر خفيف على القدس. يغسل أزقّتها وأسواقها وأسطح البيوت. يشطف حجارتها القديمة ورخامها الأليف، يعابث حبال الغسيل، ويلامس زجاج النوافذ.

سوزان تقف عند نافذة غرفتها، ترى المدينة وهي تغتسل دون ارتباك، تتذكّر مطراً آخر في مدينة أخرى، وتجيش نفسها بمشاعر غامضة. تخامرها رغبة في الاغتسال، تمضي إلى الحمّام المشترك بينها وبين الجيران. هناك، تقضي نصف ساعة وهي مع الماء في حالة اشتباك.

اقتراح

اسمها سُكَيْنة.

قلت لها: أنتِ في غزّة وأنا في القدس؛ أكتبُ عنك وعن القدس وغزّة، فكيف نلتقي في ظلّ هذا الحصار؟ قالت: نستعين بخدمات الانترنت، ونفعل كلّ شيء، نملأ الدنيا صخبًا، ونتزوّج إن شئت. قلت: رائع، وسيكون لنا ثلاثة أطفال. قالت: أنت في غاية الاستعجال، فأين يسكنون؟ قلت: في غرف الدردشة. وحينما لا يكون ثمّة قصف جوّي أو اعتقالات، نصعد بهم إلى أسطح المواقع الإلكترونية، يلعبون مثلما يريدون، ونجلس أنا وأنت على حافّة أحد المواقع متلاصقيْن، نُدندلُ أرجلنا، يهتزّ بنا سطح الموقع ويميد ولا نبالي، نمعن في تأمّل الشعوب وهي تحيا حياتها مثلما تريد.

ماء الخيال

قبضتُ على يد سُكَيْنة وقلت لها: هيّا اركضي. ركضت معي وركضت معها حتّى نال منّا التعب. سألتها: هل تعبت؟ قالت: تعبت. قلت: علينا أن نبحث عن جرعة ماء.

تجوّلنا في بعض المواقع الإلكترونية الغاصّة بالنساء. نساء من كلّ الأعمار، في كامل عريهن. وضعتْ يدها على عينيها وقالت: أشعر بالخجل. قلت: لا داعي للخجل، فأنت أيضًا تتعرّين في السرير وفي الحمّام وعلى سطح الدار. قالت في محاولة لإنهاء هذا الحوار: من أين نحصل على جرعة ماء؟ قلت: نسأل تلك المرأة الواقفة في شرفة ذلك الموقع الإلكتروني الذي تشعّ من نوافذه الأضواء.

حيّيتُ المرأة بإشارة من يدي، وقلت: هل لديك جرعة ماء لي ولامرأتي؟ ردّت بعدم اكتراث: لا نقدّم هنا ماء لأحد. ثم أضافت: اشرب أنت وامرأتك من ماء خيالك.

شكرتها لأنّها نبّهتني إلى أمر غاب عن البال.

ابتعدنا، وكان ماء خيالي يتدفّق مثل شلال.

فجأة؛ وعلى غير توقّع منّي، اختفت سُكينة.

وجهًا لوجه

جاءتني سُكَيْنة.

جاءت فعلًا لا افتراضًا.

تنسدلُ خصلٌ من شعرها على الجبين. قلت لها: انتظرتك حتى يئستُ من ظهورك. فتّشتُ عنك مواقع إلكترونيّة عدّة، وتوسّلت القاصي والداني لكي أظفر بخبر عنك، فأين اختفيت؟ ولماذا غبت؟ وكيف جئتني الآن؟

ابتسمتْ وكانت لابتسامتها معانٍ شتّى، ثمّ راحت تتحسّس وجهي وشعر رأسي ويديّ وقدميّ. ما الذي تفعلينه يا امرأة؟ أريد التأكّد من أنّك لست شخصًا افتراضيًّا. أنا من لحم ودم يا امرأة، هل اقتنعت؟ نعم، اقتنعت. وأين اختفيتِ؟ لم أختف، وأنا أجيء الآن من غزّة إلى القدس.  جئتِ متسلّلة بالتأكيد! نعم، جئتُ متسلّلة. سيقتادونك إلى السجن. لا يهمّني، ولن تختلف الحال عليّ. كانت تتشمّم باشتهاء روائح المدينة، وتتأمّل بشغف حيطانها وشبابيكها وأبوابها وكلّ شيء فيها.

قبّلت خدّيها وأنفها وشفتيها (لكي أطمئنّ إلى أنّها امرأة من لحم ودم) ثمّ قبضتُ على يدها ومشينا معًا في المدينة وتجوّلنا في كلّ اتّجاه، ولم نتوقّف عن المشي إلا حينما اصطدمنا وجهًا لوجه بالجنود الغزاة.

القدس