2021-07-19

عيسى مدانات.. رحلة نضال طويلة مشرّفة

| محمود شقير

سمعتُ باسمه قبل أن ألتقيه. وكنت سمعت بأسماء رفاق آخرين من الأردن، شكَّلوا أواخر أربعينيّات القرن العشرين خلايا ماركسيَّة في مختلف المدن الأردنيَّة. وكان قسم منهم قد تخرَّج في جامعات سوريا ولبنان، وهناك تعرَّفوا إلى شيوعيّين عرب، وتأثَّروا بهم؛ وحينما عادوا إلى مدنهم وقراهم شكَّلوا الخلايا الماركسيَّة التي توحَّدت مع مَن تبقّى من أعضاء عصبة التحرّر الوطني في الضفّة الغربيَّة، بعد احتلال الجزء الأكبر من فلسطين، وشكَّلوا معًا: الحزب الشيوعي الأردني.

كان عيسى مدانات واحدًا من ألمع الأسماء التي سمعتُ عنها؛ وله كما عرفت من رفاقه دورٌ بارزٌ في تشكيل الخلايا الماركسيَّة، وفي قيادة الحزب الشيوعي الأردني.

بعد حظر النشاط الحزبي وإقالة حكومة سليمان النابلسي عام 1957 تمَّ اعتقال المئات من الشيوعيّين وغيرهم من منتسبي الأحزاب القوميَّة، وكان عيسى مدانات واحدًا من أولئك المعتقلين. أمضى ثماني سنوات في سجن الجفر الصحراوي، ثمّ سافر بعد أشهر من الإفراج عنه إلى موسكو للالتحاق بمعهد العلوم الاجتماعيَّة التابع للجنة المركزيَّة للحزب الشيوعي السوفياتي. درس الماركسيَّة في ذلك المعهد مدّة سنتين؛ عاد بعدهما إلى عمّان ليواصل نضاله في قيادة الحزب.

التقيته أوّل مرّة صيف عام 1972، أثناء قدومي من الأرض المحتلَّة إلى عمّان مع الرفيقين خليل حجازي ومحمّد أبو غربيَّة لحضور اجتماع تعقده اللجنة المركزيَّة للحزب الشيوعي الأردني. كان الشيوعيّون الفلسطينيّون في الضفّة الغربيَّة ما زالوا جزءًا من الحزب الشيوعي الأردني، وكنّا؛ أنا والرفيقان الآخران، أعضاء في لجنة قيادة الضفّة الغربيَّة التابعة للحزب الشيوعي الأردني.

انعقد اجتماع اللجنة المركزيَّة في بيت عيسى مدانات الكائن بمحاذاة شارع الطلياني في وسط عمّان، وبحضور فؤاد نصّار الأمين العامّ للحزب، وكانت تلك المرَّة الأولى التي أقابل فيها الأمين العامّ وعددًا غير قليل من أعضاء اللجنة المركزيَّة. كان عيسى مدانات عضوًا في اللجنة المركزيّة وفي المكتب السياسي، وله إسهامه البارز في رسم سياسة الحزب وفي الكتابة في مطبوعاته وفي جريدته السرّيَّة: "الجماهير".

وحين أبعدتني سلطات الاحتلال من القدس عام 1975 التقيت عيسى مدانات من جديد، ذلك أنَّني أبعدت إلى لبنان، أقمت في بيروت ثمانية أشهر قاسية جرّاء الحرب الأهليّة، ثمّ غادرتها إلى عمّان والتحقت بالحزب الشيوعي الأردني (ذكرت ذلك بالتفصيل في نصوص سابقة لي).

توفّي فؤاد نصار عام 1976؛ سُجّي جسده في بيت الدكتور يعقوب زيّادين، وقفنا في الساعات التي سبقت مواراة جثمانه الثرى من حوله نودّعه الوداع الأخير، وكان عيسى مدانات في طليعة الواقفين عند رأس الأمين العام.

وعندما انعقد المؤتمر الحزبي المصغَّر في عمّان بعد وفاة الأمين العام، تمَّ انتخاب لجنة مركزيَّة للحزب، ضمّت عددًا من الأعضاء الجدد، وكنت واحدًا منهم، وانتخبت اللجنة المركزيّة فائق ورّاد أمينًا عامًّا للحزب بعد انتخاب المكتب السياسي الذي كان عيسى مدانات أحد أعضائه.

أثناء إقامتي في براغ سافرت إلى الهند عام 1988، وقد التقيت عيسى مدانات في رحلة الطائرة المتّجهة إلى هناك. ذهبتُ آنذاك لتمثيل مجلَّة "قضايا السلم والاشتراكيَّة" في مؤتمر خاصّ بمنظَّمة دول آسيا وأفريقيا، وكان عيسى مدانات قادمًا من عمّان لحضور ذلك المؤتمر. التقينا على هامش المؤتمر مرَّات عدّة، ودارت بيننا أحاديث شتّى عن أيّامنا السابقة في عمّان.

في عام 1993 انتخب عيسى مدانات عضوًا في مجلس النوّاب الأردني، كان مثقّفا واسع المعرفة وحزبيًّا مخلصًا لأفكاره ولمعتقداته، وهو علم بارز من أعلام النضال التقدُّمي والديمقراطي في الأردن.

وما زلت أذكر عملنا معًا في اللجنة المركزيَّة للحزب وفي تحرير جريدة الحزب: "الجماهير"، التي كان عيسى مدانات رئيس تحريرها.