2021-08-21

الاتجار بالبشر بغرض الازدهار - "إرث فاسد" لأمريكا لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا

تقرير: وكالة (شينخوا) الصينية

أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخرا تقريرها السنوي "تقرير عن الاتجار بالبشر"، والذي يقسم البلدان في جميع أنحاء العالم إلى مستويات بناء على مدى ما تعتقده أمريكا تجاه تعامل البلدان مع الجريمة.

يهاجم التقرير، الحافل بالمعايير المزدوجة، سجلات حقوق الإنسان في بلدان أخرى بينما يقلل من شأن فظائع العبودية الحديثة داخل البلاد.

لكن الحقائق تتحدث عن نفسها. فلطالما اتجهت الولايات المتحدة إلى الاتجار بالبشر من أجل ازدهارها. ونصب هذا البلد نفسه "مدافعا عن حقوق الإنسان" وهو يحمل "إرثا فاسدا" مخزيا لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.

إرث وطني مظلم

يُنظر إلى مؤسسة العبودية على نطاق واسع على أنها جزء أساسي من ازدهار أمريكا. فمن مزارع التبغ بالمناطق الداخلية الجنوبية إلى أحواض بناء السفن قبالة سواحل نيو إنجلاند، دعمت الصناعات الأمريكية العبودية وقامت على رعايتها لعدة قرون.

وقد علقت مجلة ((نيويورك تايمز)) في عام 2019 في طبعة صدرت في ذكرى وصول أول أفارقة مستعبدين إلى مستعمرة فرجينيا البريطانية عام 1619 قائلة إنه "انطلاقا من العبودية...نما تقريبا كل ما جعل حقا أمريكا استثنائية: قوتها الاقتصادية، وقوتها الصناعية ... ولعها المذهل بالعنف".

تشير التقديرات إلى أنه من عام 1525 إلى عام 1866، تم نقل أكثر من 12,5 مليون أفريقي بحرا إلى العالم الجديد، حيث كانت المستعمرات البريطانية الـ13، التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة الوليدة، سوقا رئيسية، وفقا لقاعدة بيانات تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.

ولقي العديد من الأشخاص حتفهم أثناء النقل البحري الوحشي، فيما نجا حوالي 10,7 مليون شخص وهبطوا في الأمريكتين، ليلقوا مصيرهم الوحيد هو بيعهم كعبيد.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة حظرت استيراد العبيد في عام 1808، إلا أن الطلب المتزايد على عمالة العبيد في صناعة القطن قد غذى تجارة العبيد المحلية. ومن ناحية أخرى، استمرت هذه التجارة عبر الأطلسي في الخفاء.

وذكر الموقع الإلكتروني لمقر جيمس ماديسون في مونتبليير، وهو معلم تاريخي وطني، "لقد أثبت النظام أنه مربح للغاية لدرجة أن القانون والسابقة القانونية بدأت في ترك مجال للحكومات المستقبلية لإعطاء الأولوية للاقتصاد على الأخلاق".

ونقلت صحيفة ((ذي أتلانتيك)) عن ديفيد بلايت، وهو مؤرخ في جامعة ييل، قوله إنه حتى عام 1850، كان 80 في المائة من الصادرات الأمريكية نتاج عمل العبيد. وبعد عقد من الزمان ، "صارت قيمة العبيد الأمريكيين البالغ عددهم قرابة 4 ملايين تقدر بحوالي 3.5 مليار دولار أمريكي، ما جعلهم أكبر أصل مالي منفرد في الاقتصاد الأمريكي بأكمله".

لقد أنهت الحرب الأهلية الأمريكية العبودية القانونية في عام 1865، ولكن ظل يتعين على البلاد مواجهة الانتشار الواسع النطاق لممارسات مماثلة.

فمع سن قوانين جيم كرو -- القوانين المحلية للفصل العنصري -- في الولايات الجنوبية، امتد القمع والاستغلال العنصريان إلى القرن العشرين، ما جعل جميع السكان السود مواطنين من الدرجة الثانية لعقود. 

نص إعلان الاستقلال في عام 1776 على أن "جميع الناس خلقوا سواسية"، وهي وثيقة تأسيسية للقيم الأمريكية، وهو أمر "بديهي" لدرجة أنه لم تمنح الأنظمة القانونية للأمريكيين السود حقوقا متساوية حتى الستينيات.

دفع الطلب الأمريكي

في هذا العام، طبقت الولايات المتحدة نفس المنطق القديم الملتوي من خلال تصنيف نفسها كأفضل أداء في تقرير الاتجار السنوي.

قال لويس كابيزا ديباكا، وهو سفير أمريكي فوق العادة لمكافحة الاتجار بالبشر سابقا، إنه من المفاهيم الخاطئة الشائعة بين المواطنين الأمريكيين أن الاتجار هو مجرد "مشكلة في بلدان أخرى"، حيث يأتي المصطلح مع انطباع بأن هذا النمط يعتمد على النقل.

ولكن البيانات الضخمة والحالات والحسابات الشخصية تشير إلى أن الولايات المتحدة كانت منذ فترة طويلة -- على حد تعبير وزارة الخارجية الأمريكية -- "بلد المصدر والعبور والمقصد" لضحايا بالغين وقصر، في الداخل والخارج.

وتشير التقديرات إلى أن 403 آلاف شخص في الولايات المتحدة قد تم الإبقاء عليهم بغرض العبودية الحديثة في عام 2016، إما للعمل القسري أو تجارة الجنس، وفقا لمؤشر العبودية العالمي الذي نشرته مؤسسة "ووك فري" الأسترالية في 2018.

وأفادت منظمة "بولاريس" غير الربحية بأن الخط الساخن الوطني الأمريكي لمكافحة الاتجار بالبشر عالج أكثر من 5700 حالة في عام 2015. وبعد أربع سنوات، تضاعف هذا العدد ليصل إلى 11500.

تم الإبلاغ عن مثل هذه الحالات في قطاعات المطاعم وخدمات التنظيف والبناء والمصانع، ويبدو أن العديد منها أعمال قانونية.

وفي عام 2019، رفع المدعون الفيدراليون دعوى قضائية ضد 12 مجموعة فندقية، بما في ذلك مجموعة هيلتون العالمية القابضة ومجموعة فنادق ومطاعم إنتركونتيننتال، بدعوى أنها تجاهلت عن علم الإشعارات المتعلقة ببيع النساء كعبيد جنس. بل إن بعضهم أبلغ عن حدوث تربح من الاتجار بالجنس.

وذكرت منظمة "ديليفر فند" غير الربحية في العام الماضي أن هناك ما بين 15 ألف و50 ألف امرأة وطفل يجبرون على ممارسة الجنس التجاري سنويا في الولايات المتحدة.

وقال جيف روجرز، المؤسس المشارك لمعهد الولايات المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر، لشبكة ((فوكس نيوز)) إن "الولايات المتحدة هي المستهلك رقم واحد للجنس في جميع أنحاء العالم. لذلك نحن ندفع الطلب كمجتمع".

وأضاف "كما إننا ندفع أيضا الطلب بشعبنا، وبأبنائنا".

عمل قسري واسع النطاق

لقد انتهى عصر العبودية القانونية في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، لكن ماضيها المظلم المشوب بالتهديدات والعنف والاحتيال والإكراه لاستغلال الناس في العمل أو الجنس لا يزال قائما.

ومن جانبها، قالت لوريل فليتشر، أستاذة القانون بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، إن العبودية ليست مجرد بقايا، وإنما مشكلة "حية وبحالة جيدة. لقد اتخذت ببساطة شكلا جديدا".

في عام 2007، أدلى المواطن الأمريكي روري مايبيري بشهادة قال فيها إن شركة مقاولات حكومية أمريكية كان يعمل لديها تورطت في استخدام عمال السخرة خلال إعادة بناء السفارة الأمريكية في بغداد.

وذكر مايبيري أن صاحب العمل طلب منه ذات مرة إحضار 51 عاملا فلبينيا إلى العاصمة العراقية عبر رحلة عبور (ترانزيت).

لكن الطائرة هبطت في مكان آخر. "أشارت جميع تذاكرنا إلى أننا ذاهبون إلى دبي"، حسبما نقلت صحيفة ((واشنطن بوست)) عن مايبيري.

وعند وصوله، طلب منه أحد المديرين عدم الكشف عن الوجهة الحقيقية. ولاحظ أيضا أن جوازات سفر العمال قد سُحبت.

وعلى غرار الفلبينيين، فإن جحافل الناس من جميع أنحاء العالم إما يتم إكراههم أو استدراجهم إلى العمل القسري بوعود كاذبة، هكذا ذكرت شبكة ((فوكس)) الإخبارية في عام 2015.

وقد وجدت كريسي باكلي، خريجة الدراسات العليا في جامعة دنفر، أن السوق الحالية والتشريعات السيئة إلى جانب القوانين غير الفعالة تسمح باستمرار المشكلة.

وكتبت في ورقة بحثية عن العبودية المعاصرة نُشرت في عام 2008 تقول إن الصناعات الأكثر انتشارا هي "الخدمات الجنسية، والاسترقاق المنزلي، والزراعة، وأعمال السخرة، والعمل في المصانع".

وأشار تقرير شبكة ((فوكس)) إلى أن الباحثين وجدوا أن هناك مئات الآلاف من الناس يعملون ضد إرادتهم في قطاع الزراعة وحده، حتى أن بعض الضحايا لديهم خلفيات جامعية.

وتصفهم المنظمة الدولية لمكافحة العبودية بأنهم "بعض أفقر العمال المأجورين والأكثر استغلالا في الاقتصاد الأمريكي"، الذين يحرمون من حقوق العمل مثل التأمين الصحي أو الإجازات المرضية أو المعاشات التقاعدية أو الأمن الوظيفي.

وتتمثل أحد الحقائق الأكثر إقناعا في أن 71 في المائة من ضحايا العمل بالسخرة والعمل القسري يدخلون الولايات المتحدة بتأشيرات قانونية، وأكثر من ثلث جميع الضحايا يعملون في العبودية المنزلية ويعيشون مع أصحاب عملهم، وفقا لدراسة أجراها المعهد الحضري وجامعة نورث إيسترن في عام 2014.

مهاجرون غير شرعيين مستضعفين

إن المهاجرين واللاجئين معرضون بشكل خاص لمختلف أشكال الاتجار بالعمالة وما يتصل بها من معاملة غير إنسانية.

ووسط تشديد متزايد في سياسات الهجرة الأمريكية والإنفاذ الطائش للقانون، تم احتجاز أكثر من 850 ألف مهاجر على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك في السنة المالية 2019، وتم احتجاز عدد غير مسبوق من الأطفال المهاجرين ويبلغ 69550 طفلا في مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة الأمريكية بعيدا عن القائمين على رعايتهم، وفقا لتقارير وسائل الإعلام والبيانات الرسمية.

وقد بلغ هذا الانفصال ذروته بعدما سنت الحكومة الأمريكية سياسة عدم التسامح مطلقا مع الدخول غير القانوني في عام 2018، وهو ما أثار قلقا إنسانيا ملحا.

وفي معرض تأكيدها على أنه لا ينبغي أبدا احتجاز الأطفال في مراكز احتجاز المهاجرين أو فصلهم عن أسرهم، قالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه في عام 2019 إنها "صدمت بشدة" لإجبار الأطفال على النوم على الأرض في مرافق مكتظة، تفتقر إلى الرعاية الصحية الكافية والغذاء والشروط الصحية.

وفي العام الماضي، رفعت حوالي 40 امرأة من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، تم احتجازهن في مركز احتجاز في ولاية جورجيا، دعوى قضائية ضد سلطات الهجرة والجمارك الأمريكية لخضوعهن لعمليات جراحية نسائية غير ضرورية وبدون رضاهن، بما في ذلك استئصال الرحم، والتي قلن إنها تسببت في ضرر جسدي ونفسي شديد لهن.

وكتبت آرين بيكر، مراسلة مجلة ((التايمز))، في عام 2019 تقول إن "العبودية الحديثة لا تأتي مع السلاسل الحديدية والمزادات كما كان الحال في الماضي. فالقيود اليوم تأخذ شكل حجب الوثائق، وإمكانية التشهير، والتهديد بالترحيل".

وقد أضافت جائحة كوفيد-19 طبقة جديدة من المأساة إلى حياة المحتجزين المعرضين للخطر طبيا، حيث من المرجح أن يصابوا بالفيروس بسبب التجمعات الكثيفة ونقص الإمدادات الصحية.

وفي هذا الصدد، قال الغواتيمالي هيرالدو مالومبريز (38 عاما)، الذي اُحتجز في مركز احتجاز المهاجرين بولاية أريزونا لأكثر من ثلاثة أشهر قبل إصابته بكوفيد-19 في يوليو 2020 ""لقد كان وضعا غير مريح وقبيح للغاية مررت به".

وكتبت النائبة الديمقراطية في مجلس النواب ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز على تويتر في عام 2019 تقول "نحن نتحدث عن قسوة منهجية (مصحوبة بـ) ثقافة غير إنسانية تعاملهم مثل الحيوانات".