2021-11-15

الصهيونية محاطة باستنكار المثقفين وهيئات حقوق الإنسان

| سعيد مضيه

إذا فقدت الصهيونية مصداقيتها فماذا يتبقى لإسرائيل إذن؟ تساءل الدكتور دانيال بياومونت، المحاضر بجامعة روتشيستر الأميركية على موقع كاونتر بانش الإليكتروني في 5 تموز الحالي:

مما ورد فيها، أن "رسالة إسرائيل ان تكون 'االضوء يشع على الأمم’، يعني أن سرقة الأراضي الفلسطينية وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني تمضي دون أن يلاحظها أحد في الغالب. يتنامى قلق إسرائيل لأن الغضب والاشمئزاز هما السمة البارزة تجاه تصرفاتها في أرجاء العالم. كل هذه الأمور تشير الى ان الزمن آت حين بقية العالم يقول، ربما في نهاية الأمر، 'كفى إسرائيل!’"!

إسرائيل لا تريد السلام؛ لأن السلام يعني ان توقف إسرائيل سرقة اراضي الشعب الفلسطيني، وهي لا تنوي أن تتوقف عن ذلك حتى تستولي على الأراضي الفلسطينية كافة.

وأنشأت كاثرين جونسون، الروائية البريطانية وكاتبة سيناريوهات عدة أفلام سينمائية مقالا حول الحكومة العالمية. في المقال التالي طرحت جونسون موضوع إسرائيل وعلاقتها بالولايات المتحدة. بناء على قناعتها بالحكومة العالمية ترى جونسون أن "إسرائيل والولايات المتحدة عضو في نفس الإمبراطورية غير المعلنة يحكمها ملوك متكتمون يسخرون الحكومتين سلاحا به يغتالون ويسلبون". توصل الكاتبة:

"قرابة المائتي ألفا شاركوا في مظاهرة وسط لندن تضامنا مع الشعب الفلسطيني بعد ظهر السبت (29 أيار)، دلالة واضحة أخرى على أن دعم الحقوق الفلسطينية تغدو بالتدريج المعلم الرئيس للحياة الدولية، وان قوى الامبربالية تفقد بالتدريج سيطرتها على الرواية الإسرائيلية.

الحصيلة الحقيقية لهذا التحول هي أن الشعوب بدأ ت تفقد الثقة بالحكومات وهيئات الميديا التي تدعم إسرائيل؛ ذلك ان الامبراطورية بدون الثقة لا تستطيع خداع الشعب، وبدون القدرة على الخداع لا يستطيع حكامنا إدارة الأمور. لا ينتصب خطر ان يستيقظ الضمير الأميركي بغتة أو تشرع الإصغاء لمطالب الشعب، وتفقد إسرائيل حينئذ مساندة الولايات المتحدة، فهذا لن يحدث؛ غير ان فقدان السيطرة على الرواية يضع الامبراطورية امام مشكلة كبرى. صورة تتعرض للتغيير، والتغيرات تمضي لصالح الشعب الفلسطيني"

يرى الكاتب الأميركي االشهير جيفري سانت كلير أن "الحل الحقيقي الوحيد لدولة أبارتهايد هو تدمير بنية الأبارتهايد."، ويقول:"الرابطة العميقة بين الأميركيين الأصليين والشعب الفلسطيني تقوم على تجربة مشتركة : فقد تعرض الطرفان لعقوبات قاسية لمجرد أن عاشوا على أرض الوطن، أسلوب وجودي بذل كل من إسرائيل والولايات المتحدة المساعي لتجريمهم من منطلق قانوني. إذا كنت تنوي تحويل مجتمع تعرض لاضطهاد وحشي الى مجتمع يعيش فيه الناس بكرامة وامل، فإنك تبدأ بتمكين العاجزين . تبدأ بالبناء من الأسفل ، وتبدأ بوقف تعذيب العزل وقتلهم".

وعلق الكاتب البريطاني باتريك كوكبيرن، الخبير بشئون الشرق الأوسط ، على الإضراب الشامل للأرض الفلسطينية- الثلاثاء البيضاء (18 أيار) – فيقول: "يملك الفلسطينيو ن ورقة ذات القيمة الأسمى، مفادها أن إسرائيل لن تكسب شيئا حقيقيا ما لم يعلن الفلسطينيون انهم خسروا. وأظهرت أحداث الأسبوع الفائت ان هذا سوف لن يحدث. تكسب إسرائيل حيلة بعد أخرى على طاولة الرهان السياسية والعسكرية، إلا أنها لن تفوز بإعلان فوزها لأنها تلعب لعبة ليس لها نهاية".

تساءل الكاتب الأمريكي إريك دريتسر وهو محلل سياسي مقيم في مدينة نيويورك: "هل يشك أحد أن الجماعات الإرهابية وفرق الموت الصهيونية مثل إرغون وليهي التي كان يقودها ابراهام شتيرن، تختلف جوهريا عن فرق الموت التابعة للنصرة وداعش التي تقترف نفس الجرائم هذه الأيام ضد المسيحيين والمسلمين و العلويين والسنة والشيعة في أنحاء سوريا والعراق؟"

علاوة على الاتكاء على التاريخ القديم وبطولاته، وإلى جانب التحالف مع الغزوات الكولنيالية، لم توفر الحركة الصهيونية استثمار مداخل أخرى. اتصلت بالنازية. جميع الفصائل الصهيونية الناشطة على الساحة سعت للتعاون مع النازية الألمانية والفاشية الإيطالية. ولم تمنعها مذابح النازية الهتلرية ضد اليهود من التقرب من النظام النازي في المانيا، حتى ليقال ان الهولوكوست صناعة صهيونية.".

يوسيف غرودزينسكي، أستاذ الألسنيات بجامعة تل أبيب. كشف عن دور الصهيونية في صناعة الهولوكوست. في كتابه "ظل الهولوكوست: الصراع بين اليهود والصهاينة في أعقاب الحرب العالمية الثانية"، قدم شرحا للتواطؤ المباشر والصريح بين بعض القيادات الصهيونية والرايخ الثالث المسئولين عن تصميم وتنفيذ ما عرف باسم الحل النهائي لإبادة اليهود.

وسخر لورنس دافيدسون، أستاذ التاريخ بجامعة ويست تافت الأميركية، من إعلان وزير حرب إسرائيل، في التاسع عشر من أكتوبر، ست جمعيات فلسطينية لحقوق الإنسان منظمات إرهاب.

كتب يقول: "تستخدم إسرائيل تعريفا واسعا بشكل مناف للمعقول لمفهوم الإرهاب. فأي انتقاد وكذلك المقاومة غير العنفية لنظام الأبارتهايد في إسرائيل يمكن وفي الغالب ان يعتبر "إرهابا". وكما يظهر فإن هذا الإجراء يتيح لسلطات إسرائيل أن ترهب جماعات يقر معظم البشر ان لا علاقة لها بالإرهاب. تهمة الإرهاب تخول إسرائيل إغلاق الجمعيات واعتقال أعضائها وإيداعهم السجون وتحظر التبرع لها ، أو حتى مجرد التعبير عن دعم انشطتها. وما عدا المرتبطون بالفكر الصهيوني والسياسيون والبيروقراطيون المرتبطون باللوبيات الصهيونية ، فإن كل ذي تفكير مستقل ومطلع على الأوضاع بفلسطين يندد بتصرف إسرائيل.

شخصت المجلة الإخبارية +972 التي حصلت على نسخ الشهادات المصنفة المعتمدة ك’ بينات' ضد الجمعيات الست بأن التهم تفتقد البرهان، وتصفها 'هجوما سياسيا تحت قناع الأمن’. وحسب تقديرها فالقضية برمتها خبط عشواء وفرضيات، بعضها حصل عليها الجهار الأمني الإسرائيلي ، شين بيت، عن طريق تهديد الشهود والأسر.

استنكرت هيومان رايتس ووتش وامنيستي إنترناشيونال تصرف إسرائيل بكلمات قاسية: "هذا القرار الرهيب والجائر هجوم تشنه حكومة إسرائيل على حركة حقوق الإنسان الدولية. إن فشل المجتمع الدولي عبر عقود خلت في التصدي للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان من قبل إسرائيل قد شجع سلطات إسرائيل على التصرف بأسلوب فظ".

واعترضت صحيفة هآرتس، ذات الرؤية الواضحة في غالب الأحيان، على توصيف حكومة إسرائيل للانتقادات الموجهة اليها:

إن إعلان حكومة إسرائيل عن منظمات مجتمع مدني بالضفة الغربية منظمات إرهاب يعتبر حماقة مدمرة، تلطخ جميع الأطراف المشاركة بالحكم ودولة إسرائيل بالذات. فوضع هيئات حقوق إنسان خارج القانون واضطهاد نشطائها سمات مميزة للأنظمة العسكرية، حيث الديمقراطية بمعناها الأعمق حرف ميت". أن غرفة محكمة الجنايات الدولية قد ٌأقرت ولايتها القانونية على كل ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي 3 آذار فتحت المحكمة تحقيقا جنائيا في ممارسات إسرائيل وسياساتها في هذه البقعة، كما أوضحت "الديمقراطية المفتوحة":

"إن جميع المنظمات الست قد دأبت خلال العقود المنصرمة بصورة نقدية على توثيق ومراقبة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان ونظام الأبارتهايد في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كل ذلك يقدم الأساس لمطلب التحقيق من قبل المحكمة الجنائية الدولية".

وبكلمات فإن بطاقة إسرائيل "الإرهابية" تشير بصورة جزئية على الأقل أن الصهاينة يسعون لتعطيل العدالة. وهم، شأن جميع الجماعات المنظمة لمنتهكي القوانين يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح المجتمع- أي المجتمع الدولي في هذه الحالة. وهم بعملهم يقوضون معايير الأخلاق والقيم الدارجة بين المجتمعات والتي شرعها القانون الدولي.. وفي نهاية المطاف يرون في القانون الدولي عقبة بوجه هدفها المسير إيديولوجيّأً، هدف التوسع القومي والتفوق اليهودي (حسب الصيغة الصهيونية لليهودية).

ومع ذلك فجرس التحذير ما زال يدق لإسرائيل

لا شيء جديدا في هذا المضمار. فالصهاينة سدروا على الدوام طبقا لهذا الأسلوب. وقد لوحظ حتى قبل صدور وعد بلفور عجزهم في التعامل بنزاهة مع الشعب الفلسطيني. وفيما يلي تحذيرات مبكرة لخطر مفهوم اليهودية المتأصل في إيديولوجيا الدولة الصهيونية:

لاحظ أحد هعام (واحد من الناس- الاسم الذي ذيل به الكاتب اليهودي آشر غينزبرغ مقالاته)، إثر جولة قام بها في فلسطين عام 1891 أن المستوطنين الصهاينة "حملوا تزعة الاستبداد. وهم يعاملون العرب بالعداء والقسوة، ويحرمونهم من حقوقهم ويسيئون اليهم بدون سبب، حتى انهم يتفاخرون بأعمالهم هذه". حذر أحد هعام أن هذا السلوك ينبع من تصور للحركة الصهيونية مآله في النهاية' الإفساد الأخلاقي’ للشعب اليهودي".

بعكس الزعيم الصهيوني حاييم وايزمن، الذي عرف برغبته في أن يكون اليهود مثل باقي الأمم، فقد آمن أحد هعام بتفاهة العودة الى صهيون إذا غدا اليهود مثل باقي الأمم. وفي العام 1913 علم هعام ان ذلك لن يكون، ورفض طبيعة الصهيونية بالشاكلة التي تطورت بها. فكتب يقول' إذا كانت هذه هي المسيح فلا أرغب رؤية قدومه’.

ومع اقتراب صدور وعد بلفور رفع يهود آخرون بالولايات المتحدة الأصوات محذرة. فقد وجه هنري موسكوفيتش رسالة الى صحيفة نيويورك تايمز في العاشر من حزيران 1917، حملت معارضة اليهود للصهيونية. كان موسكوفيتش يهوديا ناشطا وشارك في تأسيس "الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين"[

(Natinal Association for the Advancement of Colored People-NAACP)

وكتب" الخطر القيمي الأعظم ينحصر في وجهة النظر القومية الضيقة للروح اليهودية قابليتها لتوليد الأنانية القومية".

وفي العام 1945 كتبت حنة آرندت، إحدى أعظم الفلاسفة السياسيين اليهود، بالقرن العشرين، وصفت الحركة الصهيونية "قومية استلهمت المثال الألماني"، أي إيديولوجيا تؤمن بأن القومية كيان عضوي أبدي، نتاج النمو الطبيعي المحتم لخواص ورا ثية؛ وتفسر الشعب، ليس طبقا لنظم سياسية، بل وفق شخصيات بشرية متفوقة بيولوجيا".

وفي العام 1948 وجهت آرندت مع 27 شخصية يهودية، من بيهم أينشتين، رسالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز تستنكر زيارة ميناحيم بيغن للولايات المتحدة، وتحذر من تنامي النفوذ السياسي للتيار اليميني بدولة إسرائيل التي أقيمت حديثا. حذرت المجموعة من "حزب الحرية -تنوات حيروت" الذي يقوده ميناحيم بيغن "حزبا سياسيا مثيلا للنازية وأحزاب الفاشية، من حيث تنظيمه وأساليب عمله وفلسفته السياسية وتوجهه الاجتماعي".

كذلك البرت أينشتين كان شخصية ذا حسٍّ أخلاقي. فقد رفض عرضا لاعتلاء منصب رئيس دولة إسرائيل ونأى بنفسه عن الصهيونية ودولة إسرائيل. إن تعامل الصهاينة مع العرب قد جعل منهم أعداء. وفي العام 1938 أشار أينشتين "أفضّل بقوة أن أرى اتفاقا عقلانيا مع العرب على قاعدة التعايش معا بسلام على إقامة دولة لليهود. أخشى من دمار داخلي لليهودية يدوم – خاصة من تطور قومية ضيقة الأفق فيما بيننا".

وفي آب 2002 ونتيجة لسلوك إسرائيل العدواني داخل الضفة الغربية المحتلة، حذر رئيس حاخامات إسرائيل، جوناثان ساكس، من أن سياسات دولة إسرائيل، كما تتجلى في عملية الاستيطان الكولنيالي وما يرتبط به من اضطهاد لشعب فلسطين إنما تحول دون إبراز أعمق مثل و اليهودية. واليوم تحتفظ منظمات يهودية، منها جيويش فويس – الصوت اليهودي من أجل السلام، والمنظمة البريطانية "يهود من أجل العدالة للشعب الفلسطيني" و"يهود من أجل سلام عادل" وكذلك اتحاد منظمات في عشر دول أوروبية، جميعها تحتفظ بتقليد الإعجاب و التحليل النقدي، بينما تروج ل"الحقوق المدنية والإنسانية والسياسية " لشعب فلسطين.

في نهاية حياته حذر البرت آينشتين من أن"الموقف تجاه العرب الذي نتخذه سوف يقدمالاختبار الحقيقي لمعاييرنا الخلقية كشعب". والخلاصة التي خرجت بها منظمات حقوق الإنسان التي نظرت في سوك إسرائيل تجاه شعب فلسطين خلال ما يزيد على سبعين عاما ، بمن فيها أمنيستي انترناشيونال ، هيومان رايتس ووتش، ومنظمة بيتسيلم في إسرائيل والمنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان لا تترك ادنى شك في فشل الصهاينة في اختبار أينشتين.

ومع ذلك فهذا الاستنتاج هو ما لم يستطع الصهاينة مواجهته. وبذا فكل ما يذكّر بفشل الحركة على شكل الانتقادات والتوثيقات المعاصرة لا ترفضه الصهيونية فحسب، بل تعتبره مظهرا للاسامية، واليهود الذين يعبرون عن تلك الامور يطلق عليهم بصورة منهجية صفة " اليهودي كاره نفسه". والميديا الأميركية التي لا تكف عن التزامها بالميثولوجيا الإسرائيلية دولة ديمقراطية حداثية وعلمانية تشارك الولايات المتحدة تقاليدها الطلائعية، واصلت تقليد تجاهل الانتقادات الموجهة لإسرائيل و تسفيهها. وهذا يترك معظم شعوب الغرب على جهل بسياسات إسرائيل وممارساتها الفعلية.

واليوم تقف اليهودية على شفا الانهيار. واداة الانهيار هي التحويل الهادف للديانة ذراعا لإيديولوجيا دولة إسرائيل الصهيونية. ببساطة نقول ان أحد هعام وهنري موسكوفيتش وحنه آرندت وألبرت أينشتين وكذلك منظمات حقوق الإنسان اليهودية والدولية ، جميعهم على حق في انتقاد الصهيونية ودولة إسرائيل. هكذا نواجه حالة هزلية . بقاء اليهود جماعية متحضرة تحمل إحساسا جماعيا بالقيم الخلقية أمر ليسي بيد دولة إسرائيل، إنما بأيدي اولئك اليهود ممن يعارضون تلك الدولة ويدعمون الإنسانية وحقوق شعب فلسطين.